الرؤية البصرية مثقلة دائمًا بالذكريات، لأننا نضيف إلى إحساساتنا الحاضرة عدد لا حصر له من التفاصيل الخاصة بتجاربنا الماضية، فالإدراك هو المرآة والذكرى تعد الخيال الذى ينعكس على المرآة ولحظات حياتنا مزيج منهما معًا، فالذكرى ترتبط دائمًا بفكرة الزوال، والتى تعد جوهرية فى الفضاء المسرحى، ففكرة الزوال تتجلى فى الصوت والجسدية والواقع الافتراضى المعتمد على التكنولوجيا والتقنيات الرقمية، ونعنى بالفضاء المسرحى ما يتشكل بداخل العرض ويزول بزواله، وذلك الفضاء له شخصية مميزة يسهم فى خلقها الكثير من العلامات المرتبطة بطبيعته الخاصة.ضمن فعاليات مهرجان المسرح العربى دورته السادسة عشرة بالقاهرة على مسرح السلام قدم عرض Windows F لدولة المغرب تأليف وإخراج أحمد أمين ساهل، وبإعلان إشارة البدء تبدأ حالة الفوضى من خلال ظلام يتخلله تلاحق ضوء شاشات بكلمات مكتوبة وحركة لأشخاص على خشبة المسرح يستخدمون مضرب تنس، وكرة سلة، وبوكس، ويظهر على الشاشات كلمة windows f ثم صفارة إنذار، مصحوبة بالصوت المعروف كدلالة صوتية تتبعها كلمة ويندوز إف تأكيد على فتح البرنامج، تتبلور فكرة تحكم التكنولوجيا فى البشر مع ظهور الفتيات الثلاث تباعًا والصوت الآلى من الويندوز يلقى عليهم أوامره بممارسة نوع معين من الرياضة وبممارسة معينة فى إشارة إلى تحكم التكنولوجيا وتوجيهها إلى الفتيات، فهم فى سجن إلكترونى تقضى فيه العقوبة.تتنوع حكايات الفتيات الثلاث وتبدأ كل واحدة منهن باسترجاع حكايتها عبر التمثيل، ويظهر مجتمعها المحيط، والبداية من الفتاة الأولى التى تتمحور حكاياتها حول الزوج المغتصب ومن ثم قتلها له، ورأت أنه يستحق الموت جزاء قسوته فهو أيضًا كان يضربها بالكرباج، وفى لحظة انتقامها تعود التكنولوجيا من جديد فتتجسد رأس إلكترونى تتفتت كانعكاس لما تفعله هى كتمثيل لجريمة القتل، ويقدم المخرج مشهد للملاكمة تأتى بعده الحكاية الثانية لفتاة أصيبت بالمرض، ولم تجد الرجل إلى جوارها، أما الحكاية الثالثة فتعبر عن المرأة التى لا تنجب، حيث تقول: «المرأة بلا أولاد كالخيمة بلا أوتاد»، وتتطور حالتها لمحاولة سرقة رضيع فإحساسها بالحاجة إلى وجود طفل جعلها لا ترى جيدًا، ولا تدرك ما تفعل.ترى كمتلقى على الشاشة عرض لثلاثتهم عبر ملفات السجن فما قدم هو عرض لحالتهم من خلال هذا الويندوز، فالعرض الإلكترونى لحياتهم يجسدهم على أنهم ملفات إلكترونية تعرض على شاشة السجن.تقديم العرض لنماذج رياضية يؤكد أحد أفكار علم جمال العرض فيما يخص جماليات الأداء، فالألعاب الرياضية يتم تلقيها بطرق مختلفة، فالمشاهدون يراقبون المشهد ككل باستمتاع لمشاهدة هذه الأجساد الشابة الرياضية تقف فى تناقض ضد الضعف وكل تنويعاته فيرى المشاهد فضاء بناء لعالم أجمل عالم يمتلئ بالشباب والجمال والمنافسة وإرادة النجاح، لكنه يصطدم بحياتهم وتجاربهم البائسة فهن شابات يعشن فى مجتمع فاسد دمر أحلامهم وحياتهم.الإضاء تشكل عنصرًا أساسيًا من عناصر العرض المهمة التى يمكن الاعتماد عليها فى توفير الجو العام للأحداث الدرامية إلى جوار الاتكاء على التكنولوجيا فى هذا التطور، وهو ما يتطلب نوع خاص من الإضاءة، مع ممثل قادر على التفاعل والانصهار مع هذا العالم الذى تختلط فيه التكنولوجيا بالعنصر البشرى.أما طبيعة الأداء التمثيلى: المزج فيها واضح بين الأسلبة (حيث التجريد وتقديم الدلالات والإشارات كانعكاس لكونهم موجهين من التكونولوجيا، وهى المحرك لهم)، وبين التمثيل المحاكى للواقع والمعبر من خلال الصدق الفنى عن الحالة النفسية لكل شخصية درامية على خشبة المسرح وما يحيط بها من ضغوطات، وفى لحظة عبر الأداء يشعر المتلقى بأن الممثلين ضمن الأدوات التكنولوجية.وتساعد عناصر العرض الأخرى على اكتمال الصورة واعتماد المزج وسيلة مهمة بين التكنولوجيا وتأثيرها وبين العنصر البشرى، والذى يعد بالرغم من سيطرة العناصر التكنولوجية على العرض إلا أن هذا العنصر البشرى هو عنصر مهم فى العرض المسرحى ويندوز إف.فى هذا العرض يتوافر المعطى التكنولوجى لدى مخرج العرض المسرحى، حيث يوظف لصناعة صور ديناميكية مشهدية تؤكد الوعى الجمالى بمتطلبات اللحظة الزمنية الآنية الخاصة بالعرض، بالإضافة إلى أن الطبيعة المرنة للتطبيقات الذكية تسمح بالتعديل والتغيير بشكل أسرع، فالعالم الواقعى يشبه فى لحظاته كل ما هو ممكن وثابت، بينما الافتراضى له صفة الديناميكى الدائم المتغير ما يجعل المعالجات الدرامية عبر البديل الرقمى تشق طريقها فى المسرح، حيث إن للوسائل التكنولوجية التى يستخدمها العرض وظيفة تمثيلية تعبر عن الموضوع الذى يعد محاكاة للواقع، وإعادة إنتاج تلك الوظيفة التمثيلية للوسائل التكنولوجية ليست نسخًا حرفيًا للواقع أو استعادة للموضوع، وإنما تؤسس لنظام علامات يبنى صورة جديدة تحيل إلى الموضوع، فالتكنولوجيا الرقمية تعد فى ذاتها حتمية تاريخية تعيد تشكيل العقل البشرى والذى يعى ما حوله بشكل مغاير عن السابق، عرض Windows f من العروض القادرة على التحاور مع عقل المتلقى وتنبيهه إلى أهمية التكنولوجيا.