بين التتويج والجمهور.. هل تصنع جوائز المهرجانات مسرحًا حقيقيًا؟

بين التتويج والجمهور..  هل تصنع جوائز المهرجانات مسرحًا حقيقيًا؟

العدد 960 صدر بتاريخ 19يناير2026


فى السنوات الأخيرة، باتت الجوائز جزءًا لا يتجزأ من المشهد المسرحى، ومحركًا أساسيًا لكثير من العروض والتجارب، حتى أصبح الحديث عنها ملازمًا لأى موسم مهرجانى. غير أن هذا الحضور الكثيف فتح بابًا واسعًا للجدل: هل أصبحت الجائزة غاية فى ذاتها، أم ما زالت وسيلة لتحفيز الإبداع؟ وهل تعكس فعلًا جودة النص والعرض، أم أنها رهينة أذواق لجان التحكيم وسياقات لحظية لا تعيش طويلًا بعد إسدال الستار؟
هذا التحقيق يحاول الاقتراب من الإجابة عبر شهادات ورؤى متباينة لكتاب ومخرجين ونقاد وممثلين، ينتمون إلى أجيال وتجارب مختلفة، لكنهم يلتقون عند نقطة أساسية: المسرح لا يُقاس فقط بعدد الجوائز، بل بقدرته على البقاء، والتأثير، وخلق علاقة حية مع الجمهور.
من هنا، تتقاطع آراء الدكتور السيد فهيم، الذى يرى أن الجائزة الحقيقية للنص هى خروجه إلى الخشبة، مع رؤى مخرجين وكتاب ونقاد يؤكدون أن الجوائز قد تحفّز التجربة، لكنها لا تصنع مسرحًا، إذا انفصلت عن الاستمرارية والوعى الفنى والمشروع الإبداعى.
بين من يعتبر الجوائز محفزًا ضروريًا فى بدايات الفنان، ومن يحذّر من تحوّلها إلى وهم جمالى أو سباق لإرضاء لجان التحكيم، يفتح هذا التحقيق ملفًا شائكًا حول علاقة المسرح بالمهرجانات، وحدود التتويج، وسؤال القيمة:
 

د. السيد فهيم: الجائزة الحقيقية للنص المسرحى هى خروجه إلى الخشبة لا بقاؤه فى الأدراج
يرى الكاتب المسرحى الدكتور السيد فهيم أن الجوائز تمثل بلا شك حافزًا مهمًا للمبدعين فى مختلف مجالات الفنون، وتُعد نقاطًا مضيئة ومحطات فارقة فى المسار الإبداعى لأى كاتب. لكنه يؤكد فى الوقت نفسه أن الجائزة الحقيقية للنص المسرحى لا تكمن فى الحصول على درع أو مبلغ مالى، بل فى تنفيذ هذا النص على خشبة المسرح وخروجه إلى الجمهور بشكل احترافى يعكس رؤية المؤلف وفكره. ومن هنا، يشدد على أن الدعم الأكثر تأثيرًا يتمثل فى تبنّى الجهات المنظمة لجوائز التأليف المسرحى فكرة إنتاج النصوص الفائزة وتقديمها للجمهور، باعتبار ذلك الدور الأعمق أثرًا فى النهوض بالحركة المسرحية.
ويلاحظ فهيم أن بعض جوائز التأليف المسرحى باتت تفرض على الكتّاب موضوعات محددة للكتابة، وهو ما يحوّل العملية الإبداعية إلى ما يشبه موضوع التعبير، يتسابق الكتّاب فى معالجته دون الالتفات إلى همومهم الحقيقية أو مشروعاتهم الفكرية الخاصة. ويرى أن هذا النهج قد يُجبر الكاتب على تأجيل قضاياه الجوهرية لحساب متطلبات المسابقة، بما يؤخر مساره الإبداعى ويُضعف مشروعه الشخصى إن كان يمتلك بالفعل مشروعًا جادًا يسعى لتحقيقه.
كما يتوقف فهيم عند جدلية قديمة متجددة تتعلق بلغة الحوار فى النصوص المسرحية، والتأرجح المستمر بين الفصحى والعامية، فى كثير من الأحيان بمعزل عن طبيعة الموضوع أو ثقافة الجمهور المستهدف. وينتقد فى هذا السياق تجاهل الجمهور لصالح مخاطبة لجان التحكيم، لتخرج نصوص حازت جوائز مرموقة ونال مؤلفوها تقديرًا ماديًا ومعنويًا، لكنها عجزت عن جذب الجمهور أو إثارة اهتمامه، لأنها لم تُكتب من أجله بقدر ما كُتبت لإرضاء لجان نقدية ذات نزعة نخبوية، مع كامل التقدير والاحترام لهذه اللجان.
ويطرح فهيم تساؤلًا جوهريًا حول مصير النصوص التى فازت بجوائز محلية ودولية خلال العقد الماضى، متسائلًا: أين هى الآن؟ مشيرًا إلى أن أوفرها حظًا تلك التى حرصت الجهات المانحة على نشرها، بينما يظل معظمها غائبًا عن ذاكرة الجمهور ومتابعى الحركة المسرحية، مع الاعتراف بوجود استثناءات محدودة لنصوص قُدّر لها أن تُعرض أو تُرعى عبر مجهودات فردية أو علاقات خاصة مع جهات إنتاج رسمية.
وفى ختام رؤيته، يعرب الدكتور السيد فهيم عن أمله فى أن تكون الجائزة الحقيقية موجهة أولًا إلى الجمهور، من خلال تقديم نصوص مسرحية راقية، جديرة بالمشاهدة، تحقق المتعة الفكرية والفنية، وتحمل قيمة إنسانية حقيقية تسهم فى الارتقاء بالمسرح وبالذوق العام.

أحمد فؤاد: الجوائز لا تصنع المسرح بل تحفّز التجربة والرهان الحقيقى هو الجمهور
يرى المخرج المسرحى أحمد فؤاد أن الجوائز لا تؤثر على اختياراته الفنية أو الإخراجية، مؤكّدًا أن الفنان هو من يوجّه اختياراته وليس الجوائز. فالجائزة - من وجهة نظره - تأتى نتيجة حسن الاختيار والعمل الجاد، لا باعتبارها هدفًا مسبقًا. ويشدد على أن على الفنان، والمخرج بشكل خاص، أن يكون لديه همّ ورسالة يسعى إلى إيصالها، وأن يكون شاغله الأول هو الجمهور، وأن يقدّم عمله بأفضل صورة ممكنة من حيث الفكرة والتنفيذ.
ويؤكد أن مفهوم «الأفضل» فى الفن يظل نسبيًا، لأن الفن لا يخضع لمعيار ثابت يمكن القياس عليه بشكل مطلق، فهناك ذائقة شخصية تتدخل بالضرورة، سواء لدى الأفراد أو لجان التحكيم. صحيح أن هناك معايير فنية أساسية لا يمكن تجاهلها، لكن يظل هناك دائمًا بُعد نفسى وفكرى مرتبط بالشخص الذى يختار، وكذلك بتكوين اللجنة نفسها، وهو ما يجعل الجوائز غير قادرة على توجيه اختياراته الإبداعية.
ويشير أحمد فؤاد إلى أن ظاهرة تصميم عروض خصيصًا لإرضاء لجان التحكيم ليست جديدة، فقد كانت موجودة منذ أيام الدراسة الجامعية، وغالبًا ما يكون حظ من يسلك هذا الطريق سيئًا إذا تغيّرت اللجنة أو اختلفت توجهاتها. ويؤكد أن هذا النهج لا ينبغى أن يكون هدف الفنان، لأن العمل المصمم فقط للتسابق قد ينجح أمام لجنة تحكيم بعينها، لكنه لا يحقق بالضرورة نجاحًا فنيًا حقيقيًا أو استمرارية.
ويضيف أن العرض الذى يشارك فى المسابقات ويُختار للتسابق يكون بالضرورة عرضًا جيدًا من حيث الأساسيات الفنية، لأن اختياره يعنى أنه استوفى الحد الأدنى من معايير الجودة المعترف بها. لكن مسألة كونه «الأفضل» تظل محل اختلاف دائم، إذ إن اختيار العرض الأفضل يتأثر بظروف ليلة العرض، وبالتركيبة الفكرية والذوقية لأعضاء اللجنة، إلى جانب وجود معيار الجودة الأساسى الذى يجب أن يتوافر فى كل العروض المتسابقة.
وعن اختفاء بعض العروض الفائزة بعد المهرجانات، يوضح أحمد فؤاد أن السبب فى كثير من الأحيان يعود إلى أن هذه العروض تكون مصممة للتسابق أو موجهة للنخبة والصفوة، وليست عروضًا جماهيرية قابلة للاستمرار لعدد كبير من الليالى. فبعضها يمتلك مقومات الفوز أمام لجنة تحكيم، لكنه يفتقر إلى مقومات العرض العام الذى يتواصل مع جمهور واسع. وهذه العروض المتخصصة لا يُعيبها ذلك، لكنها تخاطب ثقافة معينة وشريحة محدودة من المتخصصين، وهو ما يجعل استمرارها جماهيريًا أمرًا صعبًا.
وفى رؤيته لدور الجوائز، يؤكد أنه لا يعتقد أن الجوائز تصنع المسرح، لكنها تمثل محفزًا قويًا للتجربة. فقد تدفع الفنان إلى خوض تجربة ثانية أو ثالثة، خاصة إذا نجحت تجربة سابقة ونالت تقديرًا. لكنه يحذّر فى الوقت نفسه من كون الجوائز سلاحًا ذا حدين، لأنها قد تدفع بعض المبدعين، خاصة فى بداياتهم، إلى تكرار نفس النموذج أو تقليده سعيًا للفوز، بدلًا من البحث عن صوتهم الخاص.
ويختتم أحمد فؤاد حديثه بالتأكيد على أن الجائزة الحقيقية هى النجاح الجماهيرى وتأثير العرض فى الناس، وأن يترك أثرًا حيًا فى وجدان الجمهور وذاكرتهم، لا أن يكون مجرد عرض نال تتويجًا فى مهرجان ثم انتهى أثره. ويرى أن أهمية المهرجانات تكمن أساسًا فى كونها مساحة للقاء وتبادل الخبرات، وتحفيز الفنانين على تقديم تجارب جديدة، ومشاهدة تجارب الآخرين، أكثر من كونها ساحة للتنافس حول «الأفضل» و«الأحسن»، لأن الفن – فى جوهره – لا يعرف معيارًا واحدًا للأفضلية، بل يظل دائمًا مجالًا لاختلاف الرؤى وتعدد وجهات النظر.

د. محمود سعيد: الجوائز لا تصنع مسرحًا.. الإبداع والاستمرارية هما الأساس
يرى الكاتب المسرحى الدكتور محمود سعيد أن الجوائز تحوّلت فى الوقت الراهن إلى حالة تسويقية ارتبطت بشكل لافت بالمهرجانات المسرحية، حيث يسعى بعض القائمين على المهرجانات إلى توسيع دائرة المشاركات واستقطاب أكبر عدد ممكن من العروض عبر «لعبة الجوائز». ويؤكد أن هذه الرغبة مشروعة فى ظاهرها، لكنها لا تسير دائمًا بمنطق فنى سليم، إذ تخلق أحيانًا وهم الإنجاز، فيتصور بعض المبدعين أن الجائزة هى الغاية القصوى، وتتحول من وسيلة تشجيع إلى هدف فى حد ذاته.
ويشير سعيد إلى أن السعى نحو الجائزة قد يصبح سعيًا زائفًا، خاصة فى هذه الأيام التى يشوبها - فى بعض الحالات - توافقات غير صحية مع لجان التحكيم، من خلال الدعوات المتبادلة أو ما يشبه المساومات، مؤكدًا فى الوقت نفسه أن هناك لجان تحكيم شديدة الاحترام والنزاهة لا يمكن تعميم الحكم عليها.
ويضيف أن بعض المبدعين يشتغلون منذ البداية على «ترويض الجائزة»، عبر إعداد خلطة فنية مخصوصة للفوز، قد تنجح مرة أو أكثر، لكنها لا تصنع مبدعًا حقيقيًا قادرًا على الاستمرار. فالجوائز، فى رأيه، تخضع فى النهاية لذائقة شخصية لثلاثة أو خمسة أفراد، قد يمنحونها لمن يستحق أو لمن لا يستحق، لأنها محكومة بالمزاج الشخصى ولا تمثل معيارًا حاسمًا لجودة العمل.
ولا ينفى الدكتور محمود سعيد أن يكون للكاتب نصيب من الجوائز، وقد يشعر بالإنصاف عند حصوله عليها، وهو شعور طبيعى ومشروع، لكن السؤال الأهم يظل مرتبطًا بالاستمرارية: هل يواصل الكاتب إبداعه الحقيقى أم يتوقف عند حدود الجائزة؟
ويحسم سعيد موقفه بالتأكيد على أن جوائز المهرجانات لا تصنع مسرحًا حقيقيًا، مستشهدًا بواقع عروض تحقق الجائزة الأولى فى بلدانها، ثم تشارك فى مهرجانات عربية أخرى دون أن تحصد أى جوائز. فالجائزة - بحسب رأيه - لا تصنع العرض، وإنما الإبداع، والاستمرارية، والجهد، والثقافة هى التى تصنع مسرحًا راقيًا.
كما يحذر من أن الجوائز قد تخلق أحيانًا صراعات وهمية داخل فريق العرض المسرحى الواحد، وهو ما يجعل دور المخرج الواعى حاسمًا فى تأهيل فريقه للعمل من أجل الإبداع ذاته، لا من أجل الفوز بجائزة قد تأتى أو لا تأتى.

د. أحمد مجدى: الجوائز فى المسرح لها وجهان متناقضان
يرى الدكتور أحمد مجدى، عضو هيئة التدريس بقسم الدراما والنقد المسرحى بكلية الآداب - جامعة عين شمس، أن الجوائز المسرحية لا تعكس بالضرورة تطور الحركة المسرحية بشكل كامل، إذ تظل مرتبطة بدرجة كبيرة بلجان التحكيم نفسها: تكوينها، وتوجهاتها الفكرية والجمالية، وذائقتها الفنية، فضلًا عن الظروف العامة المحيطة بالعروض المشاركة وجودتها فى لحظة بعينها. ومن ثمّ فإن الجوائز تبقى رهينة سياق محدد وزمن محدد، ولا يمكن اعتبارها مؤشرًا حاسمًا على تطور شامل للحركة المسرحية، بقدر ما تمثل تصنيفًا آنيًا لما قُدِّم فى لحظة راهنة.
ويشير إلى أن بعض الجوائز يثبت مع مرور الوقت أنها كانت فى محلها، حين يواصل العرض الفائز نجاحه لسنوات ويترك أثرًا حقيقيًا فى المشهد المسرحى، بينما تكشف جوائز أخرى عن محدودية تأثيرها، إذ لا تعبّر عن إضافة نوعية بقدر ما تكافئ عروضًا متكاملة فنيًا قياسًا بالمنافسين فى دورة بعينها، دون أن تُحدث تحولًا فعليًا فى مسار الحركة المسرحية.
وفيما يخص معايير التحكيم، يؤكد د. أحمد مجدى أن الأزمة ليست فى غياب المعايير ذاتها، فهى موجودة منذ نشأة المسرح والمسابقات المسرحية، وإنما تكمن فى كيفية تطبيق هذه المعايير وفى قدرة لجان التحكيم على التوافق حولها. فالتغيرات السريعة التى طرأت على عناصر العرض المسرحى، وتداخل التكنولوجيا الحديثة معه، أسهمت فى تغيير الذائقة الفنية نفسها، ما يجعل من الصعب أحيانًا تطبيق معايير ثابتة وموحدة على جميع العروض، خاصة إذا تدخلت اعتبارات التحيز أو العلاقات أو التفضيلات الشخصية فى عملية الاختيار.
وعن تأثير الجوائز فى المسرح، يوضح أن لها وجهين متناقضين، أحدهما إيجابى والآخر سلبى، يتوقفان على طريقة استخدامها والظروف المحيطة بها. فمن ناحية، يمكن للجوائز أن تشجع المواهب الشابة وتحفّز الممثلين والمخرجين، خاصة فى ظل ضعف الإمكانات الإنتاجية، حيث تمثل الجائزة المالية دعمًا حقيقيًا قد يساعد على تمويل عروض مستقبلية ورفع مستوى الأداء المسرحى. كما أن الجوائز تمنح اعترافًا إعلاميًا ورسميًا بالمبدعين، وتسهم فى تسليط الضوء عليهم نفسيًا ومهنيًا، لا سيما إذا صدرت عن لجان تحكيم تضم أسماء متخصصة وذات ثقل فنى حقيقى.
فى المقابل، يحذر من التأثيرات السلبية المحتملة، حين يتحول السعى إلى الجائزة إلى هدف فى حد ذاته، على حساب البحث عن جودة فنية أصيلة. ففى هذه الحالة، قد يلجأ بعض الفنانين إلى تكرار أنماط جاهزة تتماشى مع “موجة” سائدة أو ذائقة لجان التحكيم، ما يؤدى إلى تضييق مساحات الإبداع. ومن هنا ظهر مصطلح «عرض مهرجانات»، فى مقابل عروض تُقدَّم للجمهور، وهو تقسيم يعكس إشكالية حقيقية قد تضع المبدع تحت ضغط نفسى وصراع داخلى بين رغبته فى تقديم فن صادق ومعبر عن أفكاره وإمكاناته، وبين صناعة عرض مُصمَّم خصيصًا للفوز بالجوائز.
وفى هذا السياق، يخلص د. أحمد مجدى إلى أن جوائز المهرجانات لا تصنع بالضرورة مسرحًا حقيقيًا، بقدر ما قد تصنع أحيانًا عروضًا موجهة للفوز. ويبقى الرهان الحقيقى على وعى المبدع نفسه، وعلى قدرة المؤسسات الثقافية ولجان التحكيم على إعادة التوازن بين تشجيع الإبداع الحر، وعدم اختزال التجربة المسرحية فى لحظة تتويج عابرة.

د. جمال الفيشاوى: الجوائز المسرحية بين التحفيز الفنى ومخاطر الإبهار الزائف
يرى الناقد الدكتور جمال الفيشاوى أن الجوائز المسرحية، فى مجملها، تسهم فى دعم وتطوير الحركة المسرحية، إذ تمثل حافزًا حقيقيًا للمبدعين، لا سيما المواهب الشابة والهواة، للعمل الدؤوب على صقل أدواتهم الفنية وتقديم تجارب جديدة ومتميزة تحفظ لهم مكانتهم وسط أقرانهم. كما تساعد الجوائز على ضخ دماء جديدة فى جسد المسرح، بما يعزز الاستمرارية والتنوع، ويثرى التجارب الفنية بما يخدم تطور الحركة المسرحية. أما على مستوى المحترفين، فتمثل الجائزة شهادة فنية توثق مسيرتهم الإبداعية، وتمنحهم دفعة إضافية لاختيار أعمالهم وتقدير منجزهم داخل الوسط الفنى. كذلك تشجع الجوائز الفرق المسرحية، سواء للهواة أو المحترفين، على تقديم عروض مرتبطة بقضايا المجتمع، تسهم فى بناء وعى المتلقى وتعميق تفاعله مع واقعه المعيش.
وفيما يتعلق بمعايير التحكيم، يؤكد الفيشاوى أن المسألة شائكة ولا يمكن حسمها بإجابة قاطعة، نظرًا لاختلاف المعايير وتغير المعطيات المحيطة بكل تجربة مسرحية. فمسؤولية لجان التحكيم تقتضى الحياد والنظر إلى جميع العناصر الفنية للعمل، مع ضرورة اختيار لجان متنوعة ومتخصصة تضم ممارسين فعليين لفن المسرح فى مختلف فروعه، إلى جانب نقاد ذوى خبرة. كما يلفت إلى أن العرض المسرحى بطبيعته كائن حى، يتأثر بعوامل متعددة مثل مكان العرض وتوقيته والفضاء المسرحى والإمكانات التقنية، فضلًا عن الحالة الإنسانية للفنانين، وهى عناصر قد تختلف من عرض إلى آخر. يضاف إلى ذلك اختلاف القيمة الفنية للعروض المشاركة داخل كل مهرجان، وهو ما يفسر فوز عرض بجائزة فى مهرجان وعدم فوزه فى مهرجان آخر.
ويشدد الفيشاوى على أهمية أن تتحول الجوائز إلى مرجعية فنية ونقدية، عبر تسليط الضوء على الأعمال الفائزة وشرح أسباب فوزها، من خلال الندوات النقدية المتخصصة والحوارات الجادة والكتابات النقدية التحليلية، لا الاكتفاء بالمعالجة الصحفية السريعة. هذا المسار، فى رأيه، يرسخ مرجعيات نقدية وعلمية تفيد الباحثين، وتسهم فى تكوين جيل جديد قادر على قيادة الحركة المسرحية فى اتجاهها السليم.
وحول مسألة تكريس اتجاهات جمالية بعينها، يؤكد أن الجوائز المسرحية لا تفرض جماليات محددة، لأن الجمال فى المسرح ليس زينة شكلية أو ترفًا بصريًا معزولًا عن المعنى، بل هو بنية داخلية ناتجة عن تفاعل جميع عناصر العرض داخل رؤية إخراجية واحدة. وتتباين هذه الجماليات من مبدع لآخر تبعًا لمستوى نضجه الفنى، وهو ما يجعل أى مهرجان مسرحى كاشفًا لتعدد الطاقات الجمالية، ولمدى التوازن الذى يحققه صناع العمل بين عمق الفكرة ومتعة التلقى.
ويصف الفيشاوى الجوائز بأنها سلاح ذو حدين؛ فهى مفيدة حين يشعر المبدع بالمسؤولية التى تضعها الجائزة على عاتقه، ويتعامل معها بوصفها اعترافًا بتميزه وحافزًا لمزيد من التطوير، كما تمثل دعاية إيجابية للعمل الفنى تسهم فى جذب الجمهور واستمرار عرضه. لكنها قد تتحول إلى عامل سلبى عندما تنحرف المنافسة إلى هوس بالفوز، فينصرف المبدع إلى إرضاء لجان التحكيم على حساب المتلقى وقيمة العمل الفنى.
وفى خلاصة رؤيته، يؤكد الدكتور جمال الفيشاوى أن جوائز المهرجانات قادرة على صناعة مسرح حقيقى عندما تدعم المواهب الصادقة وتشجع التجارب المتميزة، فى إطار حراك ثقافى تنويرى يرفع من المستوى الفنى والتقنى ويضع المسرح فى خدمة المجتمع. لكنه لا ينكر أن بعض الجوائز قد تصنع أحيانًا عروضًا موجهة للفوز فقط، تُنتج خصيصًا للمهرجانات، ويغلب عليها الإبهار البصرى والتوظيف المفرط للتكنولوجيا دون عمق فنى حقيقى، خاصة فى ظل غياب النقد البنّاء.

سعيد سليمان: الجوائز فى بدايات الفنان قد تسهم فى تشكيل هويته، لكنها لا تصنع مسرحًا حقيقيًا
يرى سعيد سليمان أن الجوائز فى بدايات أى فنان - سواء كان مخرجًا أو ممثلًا أو موسيقيًا - تمثل هدفًا أساسيًا، باعتبارها مرحلة عمرية يسعى فيها الفنان إلى إثبات وجوده الفنى، وإعلان حضوره على الساحة. فى هذه المرحلة، تكون عين الفنان موجهة إلى الجائزة أكثر من توجهها إلى الجمهور، إذ يهمه أن يقول: «أنا موجود»، حتى لو كان ذلك على حساب التفاعل الجماهيرى.
ويستعيد سليمان تجربته الشخصية فى بداياته، حين كان شغوفًا بالمشاركة فى مهرجان القاهرة الدولى للمسرح التجريبى فى التسعينيات، مثل كثيرين من أبناء جيله. كان الحلم هو دخول المهرجان، والحصول على جائزة، وتمثيل مصر، وكانت لحظات انتظار لجنة المشاهدة مشحونة بتوتر استثنائى. فى تلك الفترة، لم يكن عرض العمل بعد المهرجان أمرًا حاسمًا، بقدر ما كان القبول فى المسابقة ذاته هو الغاية، وهى مرحلة لا يستطيع الفنان التحكم فيها، لأنها مرتبطة بتكوين الهوية وتأكيد الذات.
ويؤكد أن هذه المرحلة قد تنتهى بطريقين: إما أن يخوض الفنان تجارب متعددة، ويحصل على جوائز، ويتشبع بها، فتفقد بريقها لديه، أو ألا يحالفه الحظ فى الفوز، فيصيبه الإحباط ويدير ظهره للمهرجانات والجوائز من منطلق اليأس. وفى الحالتين، تظل هذه المرحلة ضرورية فى مسار التكوين.
ورغم ذلك، فإن لهذه المرحلة ميزة مهمة، وهى الحرص الشديد على تقديم عمل مختلف ومميز، سواء بهدف الفوز بالجائزة أو التميز الفنى، حيث يهتم الفنان بالتفاصيل، وبملامح الهوية الخاصة، وبصناعة مسرح يصعب تقليده، ويعبر عنه هو شخصيًا. وهذا الحرص، فى حد ذاته، يعد من مكاسب السعى نحو الجوائز.
لكن الخطورة - من وجهة نظره - تكمن فى التوقف عند هذه المرحلة وعدم تجاوزها. فالنضج الحقيقى يبدأ عندما يمتلك الفنان كيانًا ومنهجًا وهوية واضحة، ويصبح شغله الشاغل هو مشروعه الفنى، وتفاعله مع الجمهور، وليس مجرد الدخول فى مسابقة أو الفوز بجائزة. عندها تصبح المهرجانات والجوائز أمرًا مرحبًا به إن حدث، لكنه ليس شرطًا للاستمرار أو للوجود.
ويشير إلى أن بعض العروض الفائزة تجد فى المهرجانات فرصة ثمينة، ليس فقط للحصول على الجوائز، بل للعرض فى مسارح مجهزة لليلتين أو أكثر، وهو فى حد ذاته مكسب كبير، خاصة للفرق المستقلة التى تتحمل تكاليف الإنتاج من جيوبها الخاصة.
ويستدعى تجربة المسرح التجريبى فى الماضى، حين كانت تُنتج عروض خصيصًا للمهرجان بميزانيات مستقلة، وقد تُعرض لاحقًا أو لا، وهو ما كان يتسق مع فلسفة التجريبى آنذاك. أما اليوم، فقد أصبحت المهرجانات - سواء نوادى المسرح أو الأقاليم أو المهرجان القومى - هى المحرك الأساسى لكثير من الفنانين، حتى بات العرض الموجَّه للجمهور أقل أهمية من العرض المشارك فى المهرجان.
ويؤكد سعيد سليمان أنه شخصيًا تجاوز هذه المرحلة، وأصبح الجمهور هو الأهم بالنسبة له، بعد أن تخطى هاجس التصعيد والجوائز. ويعتبر أن هذه المسألة مرتبطة بدرجات تطور الفنان نفسه، فالشباب من الطبيعى أن يمروا بمرحلة التطلع إلى الجائزة، ولا يمكن انتزاعهم منها قسرًا. لكن الفارق الحقيقى يظهر لاحقًا: فإما أن يمتلك الفنان مشروعًا واضحًا يستمر به دون الاعتماد على المهرجانات، أو يظل أسير فكرة تقديم عرض خصيصًا للجائزة فقط.
وفى الخلاصة، يرى أن الجوائز فى بدايات الفنان قد تسهم فى تشكيل هويته، لكنها لا تصنع مسرحًا حقيقيًا إلا إذا كان الفنان واعيًا بمشروعه، ومدركًا لمسار تطوره. أما من لا يتجاوز هذه المرحلة، فتصبح الجائزة لديه البداية والنهاية معًا، وتتحول إلى لحظة تباهٍ أولى وأخيرة. لذلك، فإن الحديث عن الجوائز لا يمكن فصله عن المراحل المختلفة لتطور الفنان، من إثبات الهوية، إلى تجاوزها، والانشغال بمشروع فنى ممتد يتجاوز حدود المهرجانات والتتويج.

أمنية حسن: الجائزة ليست المقياس الوحيد لمكانة الممثل، والحضور الحقيقى يُصنع بالاختيارات والقدرة على الأداء
ترى المخرجة والممثلة والمطربة أمنية حسن أن الجوائز، رغم تأثيرها الواضح، لا تصنع بالضرورة الاسم الحقيقى للممثل ولا تمثل دلالة قاطعة على كونه الأفضل. فالجائزة فى النهاية تخضع لرؤية لجنة تحكيم لها ذائقتها وتوجهاتها الخاصة، وهى اجتهاد بشرى قد يُتَّفق معه أو يُختلف حوله. لذلك، لا يمكن اعتبار الفوز بالجائزة معيارًا كاملًا أو نهائيًا لموقع الممثل داخل الوسط المسرحى.
وتؤكد أن ما يُحسب للممثل حقًا هو اختياراته الفنية، وقدرته على المجازفة والخروج من منطق “الجلد الواحد”، واستعداده لتقديم أدوار مختلفة يتقنها بصدق. النجاح، فى رأيها، لا يعنى أن يكون الممثل هو الأفضل دائمًا، بل أن يجتاز كل تجربة بجدارة، وأن يبرهن على قدرته الأدائية وتطوره المستمر، فهذه العناصر هى التى تُرسّخ مكانته الحقيقية.
وعن العروض المهرجانية والجماهيرية، توضح أمنية حسن أنها لا تفضل نوعًا بعينه، إذ ترى فى كليهما قيمة مضافة مختلفة. فالعرض المهرجانى يمنحها فرصة لاختبار تقنياتها وحرفيتها كممثلة ومجربة، وهو أمر ممتع ومفيد على المستوى الشخصى والمهنى. أما العرض الجماهيرى، فيمنحها اتصالًا أوسع وأقرب مع الجمهور، خاصة الجمهور غير المتخصص، الذى يتفاعل بعفوية، يضحك ويبكى ويتأثر بصدق، وهو تفاعل تعتبره شديد الأهمية ومتعة خاصة. وتضيف أن أجمل التجارب هى تلك التى تدمج بين الجماهيرية وبعض التقنيات التى تعتمد على الممثل وحرفيته وصفاته التمثيلية.
وفى ما يتعلق بتأثير الجوائز على طبيعة الأداء، تشدد على أن الممثل الحقيقى لا يلعب من أجل الجائزة، بل من أجل التصديق؛ أن يصدقه الجمهور أولًا. فالأداء الصادق هو الهدف الأساسى، وليس حسابات الفوز أو التتويج.
أما عن عدالة توزيع الجوائز التمثيلية، فترى أن الأمر يختلف من مهرجان إلى آخر، تبعًا لتشكيل لجنة التحكيم وقواعد المهرجان وشروطه ونِسَب الجوائز فيه. وتؤكد أن فكرة “العدالة المطلقة” غير موجودة، لأن ما يُرضى طرفًا قد لا يُرضى آخر، والعكس صحيح، وبالتالى تبقى الجوائز مسألة نسبية لا يمكن القياس عليها بشكل حاسم.
وتصف أمنية حسن الجائزة بالنسبة لها بأنها تقدير وعبور مهنى فى آن واحد؛ تقدير لمجهود بذلته وتعب صدقته، ومكافأة معنوية مهمة، سواء تمثلت فى شهادة أو كأس. لكنها تشدد فى الوقت نفسه على أن الجائزة ليست المقياس الوحيد للنجاح، فالمعيار الحقيقى هو مدى اجتهاد الفنان وشطارته وقدرته على التطور.
وفى رؤيتها العامة لواقع المهرجانات، تعبر عن قلقها من أن الجوائز فى الفترة الأخيرة باتت تصنع أحيانًا عروضًا “من أجل الفوز فقط”، مشيرة إلى أن الصناعة تغيرت خلال السنوات الماضية، وأن بعض المخرجين باتوا يعملون وفق منهجية تقوم على استعراض أدوات بعينها وإبرازها بشكل محسوب لخدمة فكرة الجوائز. وهى تعلن بوضوح أنها لا تؤيد هذا الاتجاه، وتتمنى أن تعود العروض المسرحية لتُصنع من أجل أن تُمتع الجمهور وتُرضى الفرق المتخصصة فى آن واحد، وأن تكون تجربة حقيقية وصادقة قادرة على الوصول والتفاعل، لأن هذا وحده هو ما يصنع مسرحًا حقيقيًا.

أحمد سمير: المسابقات المسرحية، تمثل أهمية كبرى للحركة المسرحية
يرى الكاتب المسرحى أحمد سمير أن المسابقات المسرحية، خصوصًا تلك المعنية بالتأليف، تمثل أهمية كبرى للحركة المسرحية، إذ تطرح باستمرار عشرات النصوص الجديدة، وتُسهم فى إفراز جيل جديد من المؤلفين، ويضع نفسه ضمن هذا الجيل الذى بدأت تجربته فعليًا عام 2019 بعد تتويجه فى مسابقات كبرى مثل مهرجان شرم الشيخ الدولى للمسرح الشبابى وجائزة الهيئة العربية للمسرح. ويؤكد أن ثقافة الجوائز كان لها تأثير بالغ على نوعية النصوص المكتوبة، لا سيما مع المسابقات الكبيرة التى باتت تفرض شكلًا محددًا وموضوعات بعينها للكتابة، وهو ما يراه إشكالية حقيقية ستنعكس كأزمة رئيسية فى تجارب الجيل الحالى، خاصة أولئك المنخرطين فى العمل من أجل المسابقات فقط.
ويشير إلى أن هذا التوجه أدى إلى تشابه ملحوظ بين النصوص، حيث تحمل عشرات الأعمال الاتجاه ذاته والموضوعات نفسها، مع اختلافات طفيفة تقتصر غالبًا على زاوية المعالجة، لا على جوهر الرؤية أو التفرد الإبداعى. لكنه فى الوقت نفسه يوضح أن الكاتب وحده لا يتحمل مسؤولية هذه الإشكالية، فالكاتب كغيره من الأفراد يسعى لتحقيق ذاته ماديًا ومعنويًا، ومن حقه أن يتجه إلى ما يضمن له الاستقرار حتى وإن أضر ذلك بالتجربة الإبداعية ككل. ويقترح فى هذا السياق أن تُوجد مسابقات أخرى موازية، غير محددة الموضوعات، وتمنح العائد المادى نفسه، بما يحقق طموحات الكاتب دون توجيهه القسرى نحو موضوعات بعينها، وهو ما قد يفتح الباب أمام كتابات أكثر حرية وصدقًا مع أفكار أصحابها وتوجهاتهم الحقيقية.
ويؤكد أحمد سمير أن النص الفائز ينال فى الغالب ما ينتظره كاتبه على الأقل، فالقيمة المالية الكبيرة للجائزة تمثل عاملًا مهمًا لا يمكن إنكاره، إلى جانب ما توفره المسابقات من دعم واسع للنص الفائز عبر النشر والاحتفاء الإعلامى وتقديم الكاتب للوسط المسرحى العربى، وما يتبع ذلك من لقاءات وحوارات وتناول نقدى. ويشير إلى أن هذا الدعم يمنح الكاتب شعورًا بأهمية ما يقدمه، بينما قد يظل مجهولًا تمامًا دون الفوز. كما يلفت إلى واقع لا يمكن تجاهله، وهو أن كثيرًا من المخرجين باتوا يبحثون عن “التريند” فى النصوص أكثر من بحثهم عن قيمتها الفنية، الأمر الذى يجعل النص الفائز بالجائزة هو الأوفر حظًا فى الدخول إلى دائرة الإنتاج.
وفى تقييمه النهائى، يرى أن الكاتب رابح فى جميع الأحوال من المشاركة فى الجوائز، حتى وإن بدت كتابته جزءًا من سياسة أو فلسفة الجهات المانحة، إذ لا أحد يخسر من الاشتراك. ويذهب إلى أبعد من ذلك حين يلاحظ انتقال بعض الشعراء إلى كتابة المسرح، ليس حبًا فيه بقدر ما هو بحث عما يمكن جنيه ماديًا ومعنويًا، تمامًا كما يلجأ آخرون إلى التمثيل المسرحى باعتباره بوابة نحو الإعلام. ويؤكد أن الصدق مع النفس والآخرين يفرض الاعتراف بأن الكاتب لا يخسر على طول الخط، حتى لو خسر مشروعه الإبداعى المتفرد مقابل مكاسب الجوائز. أما الخاسر الحقيقى، فى نظره، فهو المناخ المسرحى العام ومشروع الكتابة المسرحية ككل.


سامية سيد