صدرت كتب كثيرة عن «المسرح القومى» أو «الفرقة القومية» أو «مسرح حديقة الأزبكية» .. إلخ، وكلها كتب عظيمة وجيدة، استطاعت أن تؤرخ للفرقة الحكومية المسرحية المصرية، مهما اختلف اسمها، سواء كانت الفرقة القومية أو الفرقة المصرية الحديثة أو المسرح القومى .. إلخ، المهم أنها كتبت عن تاريخ الفرقة المسرحية الممثلة لمصر، بوصفها الفرقة الحكومية المسرحية الرسمية التى تُمثل باسم مصر سواء داخل مصر أو خارجها! وهذه الكتب – وفقًا لمناسبة صدورها – أرخت للفرقة ولكن بصورة توثيقية دون عمق فى تاريخها! كونها بدأت معلوماتها بالبداية الرسمية للفرقة، عندما مثلت مسرحية «أهل الكهف» لتوفيق الحكيم فى ديسمبر 1935، دون التطرق إلى أسباب ظهور هذه الفرقة، والمحاولات الأولى لإظهارها! وهذا ما سأتناوله فى هذه السلسلة من المقالات، وسأتطرق فيها أيضًا إلى أدق التفاصيل المجهولة لمسيرة الفرقة وعروضها الأولى، وفقًا لمشروعى القائم على كتابة ما لم يُكتب، ونشر ما لم يُنشر من قبل!«المحاولة الأول» إظهار الفرقة القومية أو الفرقة الحكومية، تزامنت مع اكتمال أماكن الترفيه الحكومية فى منطقة الإسماعيلية – نسبة إلى الخديو إسماعيل باشا، وهى منطقة الأوبرا والعتبة والأزبكية حاليًا - وهذه الأماكن، هي: مسرح الكوميدى الفرنسى الذى افتتح عام 1868 - ومكانه الآن مبنى البريد بالعتبة – ودار الأوبرا الخديوية وافتتحت عام 1869 - ومكانها الآن كراج سيارات الأوبرا - والسيرك وافتتح عام 1869 - وكان يقع خلف الأوبرا، وتم هدمه بعد سنوات قليلة وبُنى مكانه عمارة متاتيا - والأبيودروم أو مضمار سباق الخيل وافتتح عام 1871 - ومكانه حاليًا ميدان مصطفى كامل بوسط البلد - وأخيرًا مسرح حديقة الأزبكية الذى افتتح عام 1873، ومكانه الآن المسرح القومى بالعتبة!هذه الأماكن، كانت تُقدم فنونًا أجنبية، وباللغات الأجنبية! ويشاء القدر أن يتبنى - فى هذه الفترة - إسماعيل صديق باشا المفتش وزير المالية، مشروع التمصير والتعريب فى مصر، ونجح فى إقناع الخديو إسماعيل بإصدار قرار فى 9 يناير 1870 «بأن جميع المكاتبات، التى تتداول من الآن فصاعدًا، بكافة الدواوين والمصالح الأميرية، التى بداخل الجهات الحكومة، تكون باللغة العربية»! وهذا الاهتمام باللغة العربية، جعل مجلة «وادى النيل»، تهتم بالإعلان عن أماكن الترفيه الأجنبية، ومتابعة أنشطتها المتنوعة، وتكتب عنها باللغة العربية، لا سيما العروض المسرحية، حيث إن صاحب المجلة ومحررها أبو السعود أفندى، هو مُعرّب أوبرا عايدة، وابنه محمد أنسى هو مدير المجلة، ومحرر موضوعاتها الفنية والمسرحية! والذى نشر عام 1870 أمنية، قال فيها، بعد تغطيته لأحدى المسرحيات: «ويا ليته يحصل التوفيق، لتعريب مثل هذه التأليفات الأدبية، وابتداع اللعب بها فى التياترات المصرية باللغة العربية حتى ينتشر ذوقها فى الطوائف الأهلية، فإنها من جملة المواد الأهلية، التى أعانت على تمدين البلاد الأوروبية، وساعدت على تحسين أحوالهم المحلية». بناءً على ذلك قرر الخديو إسماعيل وحكومته إنشاء المسرح العربى فى مصر، أملًا فى تكوين فرقة مسرحية مصرية تعرض مسرحياتها باللغة العربية، وهذه كانت المحاولة الأولى لإنشاء «الفرقة القومية»! وعن هذه المحاولة وسبب ظهورها وأثرها فى نشأة المسرح العربى فى مصر، كتبت كتابًا بعنوان «الجديد فى نشأة المسـرح العربى فى مصـر، دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر، الإسكندرية 2020»، وتوجد نسخة منه «مجانية» منشورة فى الإنترنت.«المحاولة الثانية» كانت عام 1872، من خلال مشروع متكامل تقدم به «محمد أنسي» مع «لويس فاروجيه» أستاذ اللغة الفرنسية بمدرسة العمليات المصرية، ومؤلف مسرحية «الشاب العاقل المجتهد فى تحصيل العلم الكامل»، التى مثلها طلاب المدرسة عام 1870، وتحدثت عنها فى كتابى «المسرح فى مصر فى القرن التاسع عشر». وهذا المشروع - الذى يهدف إلى افتتاح مدرسة تدريب ممثلين من أجل تكوين فرقة مسرحية قومية - لم يتم وقتذاك وهناك تفاصيل كثيرة وتفسيرات أكثر حول هذا المشروع منشورة فى كتابى «الجديد فى نشأة المسـرح العربى فى مصـر».«المحاولة الثالثة» تقدم بها «أرنست ويلكنسون» عام 1882 إلى نظارة الأشغال العمومية، يطلب فيها تجديد امتيازه فى إدارة الأوبرا الخديوية، وقدم عدة اقتراحات لذلك، منها: بث الشعور الوطنى فى نفوس المصريين بتقديم روايات تاريخية مترجمة إلى العربية، وأيضًا روايات تختص بالتاريخ المصرى، لتعليم أبناء مصر تاريخهم وتاريخ الشعوب والأمم الأخرى. كما تعهد بتقديم «فرقة تمثيلية مصرية وطنية»، لا دخل للممثلين الأجانب فيها. كما أنه سيشجع المؤلفين المصريين بإعطاء مكافأة مجزية لكل مصرى يقدم له مسرحية مؤلفة! وللأسف تم رفض هذا المقترح من قبل مجلس النظار أى مجلس الوزراء.«المحاولة الربعة»: كانت مقترحًا – لم يُنفذ فى وقتها - وقام صاحبه «ظاهر الريس» من المنصورة، بنشره فى جريدة «المقطم» عام 1912، قائلًا: «أقدم اقتراحًا لعله يلقى قبولًا فيُعمل به فنكون رمينا حجرًا وأصبنا غرضين الأول خدمة الآداب بترقية فن التمثيل والثانى اتحاد الجوقات تحت لواء شركة أو نقابة تصدر أسهمًا معلومة يقبل عليها عُشاق الأدب ومديرو الجوقات وكبار الممثلين ناهيك بتوحيد مساعدة الحكومة للتمثيل العربى ومساعدة مجالس البلديات له ليتفق جوق أبيض وعبد الرازق والشيخ سلامة حجازى وعبد الله عكاشة وسليم عطا الله وجورج طنوس أصحاب النهضة الحاضرة ويتحدوا ويتآلفوا ويحررون اجتماعًا عامًا يدعون إليه بعض الأفاضل من رجال الصحافة ورجال القانون وعشاق الأدب أمثال حضرات الدكتور فياض وخليل مطران وعزيز عيد وأمين عطا الله ومحمد بهجت وأحمد فهيم وبعض السيدات اللواتى اشتهرن بالتمثيل والبلبل المغرد والمطرب المبدع .. جوازًا وسائر الممثلين والممثلات فإذا صادف الاجتماع حظًا وميلًا من الحاضرين يسعون إلى تأليف نقابة لفن التمثيل العربى ويقررون توحيد الجوقات الأربع ثم ينتخبون رئيس شرف ورئيس عامل وأعضاء.. إلخ ويقررون لائحة تضم الرواتب والمزايا والتمثيل.«المحاولة الخامسة»: نشرها الناقد «محمود كامل» فى جريدة «السياسة» فى أبريل 1925، تحت عنوان «إعانة التمثيل وكيف يجب أن تنفق؟»، وجاء فيها الآتى: «الحقيقة التى لا ريب فيها أنه لم يتكون لنا بعد «مسرح مصرى قومى»! أليس من الواجب أن نسعى جهدنا لإيجاد ذلك المسرح مهما كلفنا الأمر من جهد ومشقة؟ إننى لا أشك فى أننا لو تركنا الأمر يخضع لسُنة التطور فسيتحقق الأمل ولكنى بجانب هذا لا أشك فى أن زمن تحققه سيكون بعد (عمر طويل)! لذلك من الواجب أن نفكر فى طريقة عملية ناجحة توجد لنا مسرحنا القومى المنشود. ذلك المسرح الذى يقوم بدوره فى تكوين الثقافة المصرية التى نرجو بل ونوقن بأنها ستكون خصبة تأتى بثمرها عاجلًا. هذا من جهة أصحاب الفرق. أما جمهور النظار فلا شك أن القارئ يعلم معى نفسيته. فلقد أراد الله أن تمر مصر فى هذا القرن بظروف قاسية أضعفت من عزيمة الجماهير ثم جاءت نظم التعليم الفاسدة فساعدت على نمو ذلك الضعف وبات القوم فى مصر لا يثقون فى عمل إلا إذا تدخلت فيه الحكومة تدخلًا فعليًا. فهم دائمًا يتعلقون بتلك الحكومة وهم دائمًا يتعهدون أنفسهم منذ الصغر ليفنوا فيها عندما يصبحون رجالًا أشداء. ولا شك أن هذه النزعة الممقوتة كانت سببًا فى فشل كثير من المشروعات وفى تثبيط همة العازمين على إنشاء أمثالها. ولكنها حقيقة أخرى جديرة بالتأمل. وهى تنطبق على الفن انطباقها على غيره من نواحى الحياة الاجتماعية المصرية. وأظنى بعد كل ما ذكرته مستطيع أن أواجه القارئ بالنتيجة اللازمة وهى أن العلاج الوحيد لمرض التمثيل فى مصر هو تدخل الحكومة. نعم يجب أن تتدخل فتنشئ لها مسرحًا حكوميًا. أما الكُتاب المسرحيون فيجب أن يكون قبول قصصهم بطريق المباراة [أى المسابقة] حتى نقضى على الفوضى الهائلة المتجلية الآن فى اختيار القصص كما يجب اشتراط أن يكون نصفها على الأقل مصريًا مؤلفًا حتى نضع الحجر الأول فى أساس مسرحنا القومي».«المحاولة السادسة»: كانت فكرة جاءت على لسان «يوسف وهبي» عام 1925 فى حوار له مع الناقد «محمد عبد المجيد حلمي» فى جريدة «كوكب الشرق»، وفيها قال: «أما ما يجب عمله لرواج هذا الفن فهو إنشاء دار للتمثيل فى كل عاصمة من عواصم المديريات وبناء دار جديدة للتمثيل فى القاهرة على آخر ما وصل إليه الفن الحديث تكون خاصة بفرقة حكومية تقدم أنواع الروايات الراقية البعيدة عن التهويش والصخب الفارغ ثم وضع برنامج حازم تطوف بموجبه «الفرقة الحكومية» أنحاء القطر من حين إلى آخر كمبشر بجديد نافع».كل هذه المحاولات لم تنجح فى إنشاء «الفرقة المسرحية الحكومية» - أو الفرقة القومية المصرية المأمولة – ولكن فى عام 1927 حدث أمر أوجب الحكومة بإعادة النظر فى موضوع «الفرقة القومية» ووجوب إظهارها، كون هذا الحدث يمسّ كرامة مصر المسرحية أمام العالم! ففى هذ العام كان «زكى طليمات» يدرس المسرح فى فرنسا، وكان فى الوقت نفسه مراسلًا للاتحاد الفرنسى لجمعية المسارح الدولية التابع لمعهد التعاون الفكرى، والذى يرأسه «المسيو جيميه» مدير مسرح الأوديون بفرنسا! هذا ما أخبرتنا به جريدة «كوكب الشرق» المصرية، تمهيدًا لنشرها نص تلغراف من «المسيو جيميه» يطلب من طليمات أن يبلغ المسئولين فى مصر أن يبذلوا الجهد لاستقدام فرقة مصرية إلى معرضنا الموسيقى القادم، والمقصود به مهرجان مسرحى بمفهومنا المعاصر!بناء على ذلك أرسل طليمات إلى وزير المعارف العمومية فى مصر تقريرًا فى هذا الشأن باحتمالية استقدام فرقة مصرية إلى المعرض الفنى الدولى الذى تنظمه فى باريس الجمعية الدولية للمسارح، حيث إنها استقبلت من إنجلترا واليابان وهولندا وفلاندر وهنغاريا قطعًا تولت تمثيلها فرق ممثلة لمسارح تلك البلدان! ويطالب طليمات من الوزير أن يستغل الفرصة فى إرسال فرقة مسرحية مصرية تشارك باسم مصر فى هذا المهرجان أو هذه التظاهرة المسرحية، مستخدمًا فى ذلك الإعانة التى تمنحها الحكومة المصرية لمساعدة التمثيل استخدامًا مفيدًا لمصر، وبذلك تسير مصر جنبًا إلى جنب مع الأمم الغربية فى كل علم وفن.وبناءً على ذلك تدخلت جريدة «كوكب الشرق» وأدلت بدلوها، واقترحت الآتى، قائلة: إذا صح ما جاء - فى التلغراف والتقرير - فإن أمام الوزارة إذن مهمة من أشق المهمات وأدقها وهى اختيار الفرقة التى تُحسن تمثيل مصر هناك، وتكون رسولًا صادقًا لأقدم الأمم مدنيّة فى فرنسا مهد الحياة والنور. ستتقدم الفرق المصرية بلا شك طالبة أن تكون كل واحدة منها هى الفرقة التى يقع عليها الاختيار، لكن هل فى مصر اليوم فرقة فى مجموعها تستطيع أن تمثل مصر التمثيل اللائق بها! لا نظن ذلك، إذ فى كل فرقة من الفرق المصرية مواضع ضعف ظاهرة، ونحن لا نريد أن نذهب إلى باريس ليضحك منا هؤلاء الغربيون، وبدلًا من أن نمثل يُمثل بنا!وبدأت الجريدة تذكر رأيها بوضوح وصراحة فى كل فرقة مسرحية مصرية، فقالت عن «فرقة رمسيس» إنها أغنى الفرق بأفرادها، ولكنها ليست متماسكة أو متجانسة! حيث نرى فيها الممثل النابغ والفنان القدير، ونرى بجانبهما المهرج الذى لا يعرف من أصول التمثيل قليلًا ولا كثيرًا. وفرقة «دار التمثيل العربي» فرقة ضعيفة جدًا فى قسمها النسائى، لو استثنينا السيدة فاطمة رشدى والسيدة سرينا إبراهيم، لرأينا جميع الباقيات لا يزلن فى دور التكوين والإنشاء، ولم يبلغن بعد الدرجة التى تجعلنا نطمئن على نجاحهن إذا وقع الاختيار على هذه الفرقة. وفرقة «حديقة الأزبكية» فقدت الكثير من أبطالها وبطلاتها هذا العام بعد انفصال الشيخ عبد الله عكاشة وقرينته فكتوريا موسى. وفرقة «منيرة المهدية» لا تزال تتعثر فى أذيالها ولم يتم إلى اليوم بناؤها. والتمثيل الكوميدى فى مصر لم يخرج إلى اليوم عن نوع الفودفيل ولا تتقدم مسارحه إلى الأمام إلا بخطوات قليلة بطيئة. إذن فجميع الفرق التى تعمل فى مصر الآن لا يبعث نظام تكوينها على الاطمئنان إذا ما سافرت لتمثل مصر فى هذا المعرض.بناء على ذلك، أعلنت الجريدة عن مقترح تشكيل «الفرقة المختلطة»، وهو أول مقترح لتكوين «الفرقة القومية المسرحية» على طريقة «المنتخبات» أسوة بمنتخب مصر لكرة القدم، قائلة: «الطريقة المثلى إذن إذا قدر لوزارة المعارف أن تجيب جمعية المسارح الدولية إلى طلبها، هى المنتخبات! تلك الطريقة التى تشابه تمام الشبه، ما يسير عليه الاتحاد المصرى لكرة القدم، إذا ما دعى لتمثيل مصر فى الألعاب الرياضية. الممثلون النابغون الممتازون أصبحوا معروفين لا لرجال وزارة المعارف فحسب، بل للجمهور الكبير من الشعب المصرى. والممثلات القادرات أصبحن غير مجهولات أيضًا، وذلك بفضل النهضة التمثيلية الحالية! إذن فخير ما ننصح به وزارة المعارف أن تختار من كل فرقة كل من دلّ عمله على كفاءته وقدرته وكل من أثبت ماضيه الفنى أنه على جانب كبير من النبوغ. ولدينا من أمثال هؤلاء الأساتذة جورج أبيض، ويوسف وهبى، وعزيز عيد، وحسين رياض، وعبدالرحمن رشدى، وعمر وصفى، وبشارة واكيم، وفؤاد سليم، وأحمد علام، ومحمد بهجت، وعلى الكسار، ونجيب الريحانى، وحسن البارودى، وفتوح نشاطى، وعباس فارس، وزكى رستم، ومحمد يوسف، وعبد العزيز خليل، وغيرهم كثيرون. ولدينا من الممثلات النابغات السيدات والآنسات: فاطمة رشدى، وزينب صدقى، ومارى منصور، وأمينة رزق، ودولت أبيض، وسرينا إبراهيم، وفكتوريا موسى، ورتيبة رشدى، ومنيرة المهدية، وغيرهن كثيرات. وتُحسن وزارة المعارف لو أنها قامت بتأليف لجنة فنية كتلك اللجنة التى قامت بتأليفها وزارة الداخلية للألعاب الرياضية وعُهد إلى هذه اللجنة اختيار الممثلين والممثلات لتكوين «فرقة مختلطة» من جميع الفرق، تسافر إلى فرنسا لتمثيل مصر فى جمعية المسارح.