الطليعة والابتكار.. فى السينوغرافيا الرقمية(4)

الطليعة والابتكار.. فى السينوغرافيا الرقمية(4)

العدد 938 صدر بتاريخ 1أغسطس2025

في الأداء المباشر لجمهور بعيد، لا تدعي ستوبييلو أنها شعرت بالحضور في مكان بعيد جسديًا، ولكن يمكن القول إن الجمهور والمتعاونين في الموقع البعيد (مدينة نيويورك) قد شعروا بحضورها المباشر الوسيط في فضائهم المحلي. وهذا في حد ذاته ليس جديدًا؛ يمكن القول إن قراء الأخبار وخبراء الأرصاد الجوية احتلوا منازل محلية في جميع أنحاء العالم، في الوقت الفعلي، لعقود من الزمان قبل بث إلكترونيك كافيه إنترناشيونال ECI. ومع ذلك، فإن البث التليفزيوني عبر القارات غير المؤسسي وغير الحكومي كان جديدًا بالتأكيد. بالإضافة إلى إمكانية الحوار المرئي مع المواقع البعيدة جسديًا، فإن الهاتف المرئي يضع أيضًا قوة البث التلفزيوني في أيدي المنظمات الفنية المستقلة. كانت اليكترونيك كافيه انترناشيونال ECI رائدة في بعض الغزوات الأولى في المجال الجمالي والمعرفي الجديد لمؤتمرات الفيديو، والتمثيل عن بعد والحضور عن بعد، قبل أن يتم وضع المفاهيم النظرية. ورغم أن هذه الظاهرة أصبحت أمراً مسلماً به في أيامنا هذه، مع وجود أمثال سكايب وقدرات البث المباشر التي يوفرها موقع يوتيوب، فقد تطلب الأمر جهوداً هائلة لتشغيل هذه التكنولوجيا في أوائل تسعينيات القرن العشرين. ولا ينبغي لنا أن نقلل من شأن التأثير الذي خلفته هذه الإبداعات التكنولوجية الثقافية على المشهد الاجتماعي والسياسي والاقتصادي. وتشكل مثل هذه التأثيرات عنصراً أساسياً في حجج بنيامين وفيريليو.
يرى فيريليو أن إمكانية النقل المباشر للرموز السمعية والبصرية تفرض وضعاً اجتماعياً سياسياً أكثر خطورة من ذلك الذي تصوره بنيامين. فبالنسبة لبنيامين، يمكن للتقنيات الميكانيكية أن تزيح الأشياء من موقعها الأصلي وتغير الواقع؛ وبالنسبة لفيريليو، فإن التقنيات الإلكترونية السيبرانية تعمل على إزالة تصورات المسافة والفضاء بشكل أساسي، مما يؤدي إلى محو الواقع وتسريع نشوء عالم جديد من الوسائط خالٍ من العمق أو الإحداثيات. ومع استبدال البصريات واسعة النطاق بالأنواع الصغيرة الحجم، تتضاءل الأوقات والمواقع المميزة التي تشكل التوجيه والحكم النقدي، مما يؤدي إلى تعزيز الشعور بالخوف من الأماكن المغلقة على نطاق عالمي. يكتب فيريليو: 
إن التواجد المحتمل عن بعد - والوجود المشترك معه عن بعد - لا يلغى «خط» الأفق المرئى فحسب.. بل يقوض أيضًا مرة أخرى مفهوم الراحة ذاته، مع اللمس والتواجد الملموس عن بعد الآن والذى يربك بشكل خطير ليس فقط التمييز
بين “الحقيقي» و»الافتراضي».. ولكن أيضًا حقيقة القريب والبعيد، وبالتالى يلقى الشك على وجودنا هنا والآن ويفكك الظروف الضرورية للتجربة الحسية.
ويأسف فيريليو على قدرة التكنولوجيا الرقمية على إذابة المسافات وتجاوز المساحات الطبيعية الشاسعة، والتي يعتقد أنها شروط ضرورية للتفكير النقدي واتخاذ القرارات الصحيحة. وعلى الرغم من تقدمه المفيد في نظرية بنيامين وبعض الفرضيات الثاقبة حول السياسة والسرعة، فإن نصوص فيريليو مليئة بالتشاؤم والحنين الذي يفرض نقدًا متوطنًا للتكنولوجيا. وعلى العكس من ذلك، وعلى الرغم من أن بنيامين أُرغم على المنفى من قبل النازيين، فإنه لا ييأس تمامًا بشأن التطورات في تكنولوجيات الإدراك؛ بل إنه حذر من كيفية نشرها، لا سيما لأغراض تجميل السياسة، وهو المسعى الذي يعزوها إلى الفاشية. ويؤدي تخوف فيريليو من حجب إمكانيات تقدير الجوانب المفيدة لنقل الصور الرقمية في الوقت الفعلي. ومع ذلك، فإن فلسفة برنارد ستيجلر الأحدث لا تتخذ مثل هذا الموقف الجدلي ضد التطورات التكنولوجية. إذ يؤكد ستيجلر أن كل تطور تكنولوجي يجب أن يُنظر إليه مع فهم أن هناك دائمًا جوانب إيجابية وسلبية له. ويصف هذا بأنه الدواء،(1) أو أي شيء يمثل سمًا وعلاجًا في نفس الوقت. بالنسبة لستيجلر، فإن جميع التقنيات مرتبطة بالشرط الأساسي لعلم الدواء.  

التمزق وعلم الدواء فى الاتصالات الرقمية عن بعد 
يرى ستيجلر أن الثقافة الغربية في القرن العشرين كانت منخرطة بالكامل في نموذج من أعلى إلى أسفل للإنتاج الثقافي ونشره، والذي سهلته تقنيات التمثيل والبث التناظرية. وقد وضعت الثقافة التليفزيونية أحادية الاتجاه الجماهير كمستهلكين سلبيين وخاضعين للمحتوى. كان هذا بمثابة رفض صريح لإمكانية مساهمة الجمهور في الإنتاج الثقافي وحماقة مميزة للفترة التي أعقبت «التحول  الأول للحساسية الميكانيكية «. ويصف هذا، وفقًا لبنيامين وفيريليو، إعادة تنظيم شروط الإدراك والتفاعل بين الأشخاص نتيجة للانقطاع التاريخي للثورة الصناعية - بداية العمليات التلقائية. وقد مارست هذه التطورات في المجال التقني تأثيرًا عميقًا على العلاقات بين الفنان والجمهور ودور الفن. إذ تحول دور الجماهير من منتجين إلى مستهلكين للمحتوى الثقافي، الأمر الذي أدى إلى نشوء حالة , بحيث أصبح الفنانون والفنون عمومًا «بروليتاريا» - فقد تم التقليل من قيمتهم ووضعهم في خدمة الرأسمالية. باختصار، وتغيرت العمليات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والجمالية بشكل أساسي بسبب الذاتية التكنولوجية، حيث أصبحت تقنيات إنتاج الأشياء آلية وصناعية مما أدى إلى نقل الغموض الذي يشكل أهمية قصوى للتجربة الجمالية من صانع إلى آلة - وهو ما يمثل تآكلًا لمركزية الإنسان.
إن الانقطاع الذي يسبب تحولاً في الإدراك لا يحدث إلا نادراً للغاية ولا يمكن أن يحدث إلا من خلال اكتشاف جديد جوهري (انظر المقدمة، الصفحة 17). ووفقاً لستيجلر، فإن الوعي البشري يتشكل من خلال طرف اصطناعي إدراكي تقني، أو “روحاني”، يكون دائماً “دوائياً”، ويعمل نحو تصنيع كل من التقنيات والوقت - التقنيات بمعنى استبدال العمليات الإنتاجية بآلات ميكانيكية، والوقت بمعنى جذب انتباه المرء، وهو مسألة التخلي عن وقت المرء. ومنذ الاستيلاء على التقنيات السينمائية لأغراض التسويق والعلاقات العامة في أوائل القرن العشرين، تم الاستيلاء على قدرات الانتباه لدى الجماهير واحتجازها وإعادة برمجتها من قبل نموذج ثقافي صناعي مذهل ومذهول يفرض فقدان المعرفة - معرفة “savoir-faire” [معرفة ما يجب القيام به] و “savoir vivre” (معرفة كيفية العيش). هذا لا يعني أن التقنيات السينمائية خبيثة في حد ذاتها، بل على العكس تمامًا؛ كانت التقنيات السينمائية “حتى الآن وظائف صناعية خاضعة لسيطرة.. القوة النفسية للتسويق وصناعات الثقافة”. وعلى مدى أغلب القرن العشرين، لم يكن من الممكن الوصول إلى التقنيات السينمائية وأساليب التوزيع العالمية إلا من خلال دور الإنتاج ذات رأس المال الكبير والمؤسسات الخاضعة لسيطرة الحكومة، والتي استخدمتها بهدف التلاعب بالعواطف الإنسانية واستغلالها من أجل حشد الأرباح والإقناع السياسي. ومن ثم، تم تأسيس اقتصاد هجيني يقوم على “بروليتاريا الحساسية” ، أي وضع الدافع والرغبة موضع التنفيذ.(2)  
وعلى أساس تحليله الدوائي، يزعم ستيجلر أن التقنيات الرقمية، التي تشكل “التحول الميكانيكي الثاني للحساسية” ، لديها القدرة على أن تكون الترياق لسلائفها الميكانيكية. ويشير هذا التحول الإدراكي الثاني إلى المنظور المدعوم على نطاق واسع والذي مفاده أنه عندما يتم حشد الأنظمة الرقمية أخلاقياً وبشكل مسئول، فإنها يمكن أن تعيد تنشيط التفاعل بين الجماهير بالإيجابية والمساواة، لأنه من الناحية النظرية، يمكن لجميع المشاركين في النظام أن يُمنحوا صوتًا للمساهمة في الحوار الاجتماعي والسياسي والمشاركة في خلق الثقافة. وقد سمحت الإلكترونيات الرقمية الدقيقة وظهور الحساب بمساعدة الكمبيوتر بالتسارع المفرط للعمليات الآلية، التي تعمل الآن بسرعة الضوء. وفي عصر بنيامين، كان التشغيل الآلي الدوري (مثل بكرة الفيلم) محسوسًا، ويحدث بسرعة “الديناميت في عُشر الثانية” . وفي العصر الرقمي، تحدث الأتمتة (التلقائية) الاليكترونية الدورية الآن على شكل نبضات كهربائية (دائرة تحتية) بسرعة غير محسوسة، أسرع بحوالي مائة مليون مرة من سرعة التكنولوجيا الميكانيكية؛ والواقع أن الوقت نفسه يُقاس الآن بوحدة قياس لا يمكن تصورها: هي النانو ثانية.(3) والفرق الرئيسي بين العصرين هو مسألة السرعة والحجم. ويوفر المعالج الإلكتروني الدقيق وضع عمليات تلقائية (أوتوماتيكية) داخل العمليات التلقائية. ويشكل هذا التكديس للعمليات الآلية (الأتمتة) السيبرانية، وهو اختراع جديد تمامًا، وقد تسبب ظهوره في صدمة تكنولوجية تاريخية تتضمن إمكانيات جديدة. 
خلال الفترة الناشئة من التطور التكنولوجي السيبراني، سلط المنظرون الضوء على صفاتها الدوائية. نشر عالم السيبرانية المؤسس المشارك نوربرت وينر تقارير أخلاقية تعكس التأثير الاجتماعي والسياسي لممارساته العلمية على العقل والجسم والمجتمع (1989). إذ فهم كيف أن التكنولوجيا لديها القدرة على فتح “كميات لا حصر لها على ما يبدو من القوة الآلية والتحكم المعقد.. والتي يمكن إخضاعها للتوجيه البشري”، أو تفاقم قدرات “البشر” على قتل واستعباد بعضهم البعض». هذه الخاصية الدوائية للتكنولوجيا السيبرانية محورية لفهم الإمكانات الثنائية للثقافة الرقمية المعاصرة، وهي مركزية في الجماليات الشاملة لهذا الكتاب. فمع كل طفرة تكنولوجية تطورية، هناك إمكانية لتأثير إيجابي أو سلبي على المجتمع، لذلك تنطوي الوظائف في النهاية على ثنائية أخلاقية. وبالتالي، بينما نحتضن الخصوصيات الثقافية المتطورة، ونحتاج أيضًا إلى فحصها باستمرار. وهناك حاجة ملحة لتعزيز الجوانب الإيجابية للتكنولوجيات الرقمية - “علم الدواء الإيجابي”.
إن كل تطور تكنولوجي هو تطور دوائي صحيح أيضًا من الناحية الاقتصادية، لأنه على الرغم من أن زيادة عدد الآلات الميكانيكية في الصناعة تؤدي إلى استبدال العمالة البشرية، فإنها تؤدي أيضًا إلى خفض تكاليف الإنتاج. وهذا يعني أن الجماهير غير المهنية تحصل على إمكانية الوصول، ليس فقط إلى الأجهزة والبرامج السينمائية التي كانت باهظة الثمن سابقًا والتي تسهل التقاط المواد السمعية والبصرية وما بعد العرض، ولكن أيضًا الوصول إلى معدات جديدة، فريدة من نوعها في العصر الرقمي، مثل أجهزة الكمبيوتر، وتقنيات الاستشعار الإلكتروني، وشبكات التوزيع، وقنوات الترويج على وسائل التواصل الاجتماعي والبرامج التي تسمح بتعديل البيانات بطرق لم تكن متخيلة من قبل. إن توافر هذه التقنيات الجديدة لممارسي المسرح يساعد في تحفيز إعادة تعريف العلاقات بين الفنان والجمهور، ما يؤدي إلى ظهور منعطف سينوغرافي ثانٍ، حيث يتم منح الفنانين المستقلين والهواة قدرة نشطة ونقدية وإنتاجية للمساهمة في الثقافة وتشكيلها. إن عمل ترويكا رانش هو مثال ممتاز على هذا “التعويض” الذي توفره الثورة الرقمية. 
النزعة التجريبية والابتكار والإجراءات 
من السهل أن نعتبر توفر التقنيات الرقمية في أيامنا هذه أمراً مسلماً به، نظراً للسرعة التي انتشرت بها في الثقافة الجماهيرية. ولكن هذا لم يكن الحال بالنسبة لترويكا رانش وإلكترونيك كافيه انترناشيونال، في بداية هذا المشروع. ورغم أن أوائل التسعينيات كانت نقطة تحول في التوافر الشامل للمكونات اللازمة لإنجاح المشروع (على سبيل المثال، أجهزة الكمبيوتر المكتبية، ووحدات التحكم Midi، وأجهزة استشعار الانحناء، وأجهزة إرسال الراديو)، فإن نجاح المشروع كان يعتمد كليًا على قدرة الفنانين الإبداعية؛ فلم تكن هناك أجهزة منتجة بكميات كبيرة لتتبع الإيماءات، أو أجهزة تسجيل الفيديو التي تعمل بطريقة حركية أو البث اللامركزي، ولم يكن هناك برنامج لجعلهم جميعًا يتعاونون. ويتذكر كونيجليو: “في ذلك الوقت كنت أبني كل هذه الأشياء لأنها لم تكن موجودة بخلاف ذلك. لم يكن هناك شيء من هذا القبيل. كانت الطريقة الوحيدة للحصول عليها هي أن تصنعها بنفسك. لحسن الحظ كنت جيدًا بما يكفي للقيام بهذا النوع من الأشياء”.
يُظهر الفنانون ميلًا إلى الإبداع من خلال تطوير تقنية هجينة مخصصة، وتصميم رقص أصيل يقوم على مبدأ بناء جملة رقص جديدة يمكن قراءتها بواسطة الإنسان والحاسوب. وعلى هذا النحو، تتألف عرض “مذكرات لمسية Tactile Diaries” من نوعين من الابتكار: الابتكار التكنولوجي المادي (MidiDancer-cum-videophone) والابتكار الكوريجرافي (قواعد إشارية يمكن قراءتها بواسطة الحاسوب). ودمج هذين الابتكارين في عمل واحد يجعله مساهمة أساسية في المجال الذي يفتح إمكانيات جديدة في الفنون المسرحية، على أساس وساطة الكمبيوتر.
كان الفيديو كونفرانس والتمثيل عن بعد من الموضوعات الرئيسية في عرض مذكرات لمسية Tactile Diaries؛ وبالتالي، كانت الدافعية والتفاعل بين الأشخاص والحيوية من العناصر الأساسية للمفاهيم الأساسية للعمل. وقد أرادت ستوبيللو وكونجليو استخدام تقنية MidiDancer جنبًا إلى جنب مع الفيديوفون، لكنهما كانا ولا يزالان في بداية فهم إمكانات تقنيتهما الخاصة؛ وبالتالي، لم يكونا متأكدين من مبرر مزج التقنيتين. لقد استثمرا الكثير من الطاقة في التساؤل والتوفيق بين ما يعنيه الأداء باستخدام الجهازين. ثم تطور المفهوم إلى فكرة استخدام MidiDancer كطرف اصطناعي إلكتروني يسمح لستوبيللو بتحفيز الهاتف المرئي حركيًا لمسح الرسائل وإرسالها. يعتمد عرض مذكرات لمسية Tactile Diaries بشكل أساسي على الفضول؛ إذ كانت تقنية المسح البطىء جديدة تمامًا في ذلك الوقت وأرادت ترويكا رانش تحديها ودفعها إلى أقصى حد واكتشاف ما هو ممكن. وهذا يثبت أن ممارساتهم كانت في الأساس مبنية على التجريبية، وهي صفة جوهرية للطليعة تدعمها الإرادة لاستكشاف أراضٍ معرفية جديدة وفتح مجالات جديدة للاستقصاء. “عندما لا يستطيع الدافع أن يجد الأمان المسبق في الشكل أو المحتوى، فإن الفنانين المنتجين مجبرون موضوعيًا على التجربة”. هذا الدافع التجريبي لتحدي المعايير السائدة (الذي أسسه معهد الفن) يمثل طلبًا عامًا على الأصالة والجديد في الفن المعاصر الذي تحدده الاقتصاديات الاجتماعية الرأسمالية المتأخرة، والحاجة إلى الاستجابة للظروف التكنولوجية  والاجتماعية والثقافية المتطورة. وعلى غرار الطريقة التي زعزعت بها تكنولوجيا التصوير الفوتوغرافي استقرار وظيفة الفنان البصري كمنتج لوثائق تصويرية طبيعية، دفعت تقنيات التسجيل السمعي البصري إلى تطور الأداء الحي؛ في مواجهة التكرار، كان على المسرح أن يبتكر ويقدم شيئًا أكثر من السينما(4). ومن هنا نشأ المسرح الطليعي الحديث. إن أقوى موقف مضاد  للمسرح يتمثل في قدرته، من ناحية، على احتضان الحضور المجسد، من خلال إخراج ممثلين أحياء، ومن ناحية أخرى، تأسيس نفسه كمساحة هجينة يمكنها استيعاب كل من الممثل الحالي والممثل الوسيط (المسجل مسبقًا).(5) كما أتاح الاستخدام المتزايد للتكنولوجيا على المسرح الحي إعادة تصنيفه كصندوق رمل، ومساحة للتجريب، وبحث ليس فقط في التفاعل بين الإنسان والإنسان (الوسائط) ولكن أيضًا التفاعل بين الإنسان والآلة.
إن الميل نحو التجريبية يدفع الموضوع الفني إلى استخدام “أساليب لا يمكن التنبؤ بنتائجها الموضوعية” ؛ حيث يتم إلقاء النتيجة النهائية في عالم عدم التحديد، وهذا يدفع إلى منهجية تحتفل بتدفق العملية على منتج نهائي ثابت (تم شرحه بالفعل باسم البحث الاجرائي التشاركي). إن التركيز على العملية في البحث الاجرائي التشاركي يؤدي إلى تحول نموذجي يزعزع استقرار الفنان، باعتباره رسولًا استبداديًا، ويضع الأداء كنظام حي، يتنفس، وقابل للتغيير من الأشياء المركبة التي يجب على الفنان أن يحدد القواعد وينظم العناصر فيها. ويجسد عرض مذكرات لمسية هذا التحول الوظيفي للفنان، باعتباره معدِّلًا فرديًا وسلطويًا وذاتيًا للمادة، نحو مصمم أو مهندس أو مخترع لنظام يقوم على القواعد، والذي بدوره يعدل حدث الأداء من خلال طارئه الخاص. لا يمكن التقليل من أهمية دور التكنولوجيا، كعامل في هذه العملية. ففي “مذكرات لمسية”، تفتح التعقيدات العلائقية التي كشفت عنها التقنيات الجديدة وعدم اليقين التوتر بين طلب راقصة Midi لقواعد شكلية ومنظمة قابلة للقراءة آليًا، والدراما المرتجلة التي تحركها صفات المحادثة في الفيديوفون. وبين إعادة استخدام التقنيات الكمية والتقنية والعلمية، بواسطة كونيجليو، والتفسير الفني النوعي للتخصص الكوريجرافي، بواسطة ستوبييلو، هناك تذبذب بين الشكلية والتعبيرية، وبين الصرامة والارتجال، مما يحول التركيز المفاهيمي من منتج ثابت إلى نظام أداء مفتوح النهاية مع نتيجة غير متوقعة وقابلة للتغيير.

الهوامش
1- في محاورة فيدروس، يعلن أفلاطون أن تقنية الكتابة بالكتابة هي دواء - سم وعلاج - لأنه (1) على الرغم من أن الكلمة المكتوبة تساعد الذاكرة إلا أنها تعيق التذكر والفكر الخالص، و (2) أنها تقصر دائرة الحضور الحقيقي والحواري، وتعزز التلوث البلاغي وتوفر التفسيرات (الخاطئة)، أو الكذب. يستخدم جاك دريدا مقطع أفلاطون كأساس لانتقاد هيمنة مركزية المنطق في الثقافة الغربية والدعوة إلى فوائد الكلمة المكتوبة (دريدا 1981: 67-119). يدعم ستيجلر، تلميذ دريدا، الحجة ويطبقها على التقنيات الحديثة للكتابة، على سبيل المثال، مسجلات الأشرطة، والكاميرات، وأجهزة الكمبيوتر وما إلى ذلك.
2-  ويؤكد ستيجلر على وجود توافق واضح مع أطروحة أدورنو وهوركهايمر بشأن صناعة الثقافة. ويتم استكشاف هذا الموقف المشترك بالتفصيل في الفصلين الخامس والسادس.
3- النانو ثانية هي وحدة قياس الزمن تساوي جزءًا من مليار من الثانية (10−9 أو 1/1,000,000,000 ثانية). وهي وحدة القياس القياسية لقياس سرعة الأجهزة مثل المعالجات وبطاقات الرسومات.
4- يناقش بنيامين “الأزمة التي نرى فيها المسرح” كنتيجة لظهور تكنولوجيا الفيلم (بنيامين 1999: 223).
5- وبعد الزيادة الكبيرة في استخدام الشاشات وأجهزة العرض وتقنيات الوسائط على المسرح الحي، أصبح حتى صحة وجود الممثل الحي (المتجسد) محل تساؤل (كوسي 2006: 13-29). كما تجلت الجدلية حول التحديد التكنولوجي للوجود المسرحي بشكل شامل في المناظرة بين بيجي فيلان وفيليب أوسلاندر التي دارت في أواخر تسعينيات القرن العشرين. فقد زعمت الأولى أن “الحياة الوحيدة للأداء هي في الحاضر” (فيلان 1993: 146) بينما زعمت الثانية أن الوساطة هي التي تخلق الأداء في المقام الأول (أوسلاندر 2008).


ترجمة أحمد عبد الفتاح