هل اتسعت قاعدة جمهور عروض الرقص أم لا تزال مغلقة على نخبتها؟

هل اتسعت قاعدة جمهور عروض الرقص أم لا تزال مغلقة على نخبتها؟

العدد 856 صدر بتاريخ 22يناير2024

بدأ ظهور المسرح الراقص والتأسيس له بشكل احترافي في مطلع القرن العشرين في أمريكا، ومن أهم رواده هناك ايزادورا دنكن ومارثا ابراهام وفي ألمانيا بينا باوش وهي تعبتر رائدة الرقص العصري في أوروبا ومن أهم رواد الرقص المعاصر في تاريخ هذا الفن، حيث أسست فرقة مسرحية باسم (فوبرتال)، تطورت هذه الفرقة وأصبحت اتجاها فنيا للعديد من الفرق المسرحية ورمزا للمسرح المعاصر في أوروربا وأمريكا، ومن أهم رواد ومؤسسي الرقص الحديث في عالمنا العربي الفنان وليد عوني مؤسس فرقة الرقص المسرحي الحديث في مصر، والتي احتفلت دار الأوبرا في ديسمبر 2023 بمرور 30 عاما على تأسيسها، ودخول هذا اللون من الفنون لأول مرة إلى مصر، ولكن هل ما زال جمهور هذا اللون من الفنون مقتصرا على النخبة؟ هل أصبح هناك وعي به وبمفهومه؟ هل هو فن مستقل بذاته أم لا بد أن ينصهر في لون فني آخر كالعروض المسرحية والسينمائية والدراما التليفزيونية؟ «مسرحنا» أجرت استطلاعا لآراء بعض المتخصصين والنقاد ليجيبونا عن هذه الأسئلة.

وليد عوني: جمهورنا مثل أي جمهور فن مسرحي بمصر
قال المخرج وليد عوني مؤسس فرقة الرقص المسرحي الحديث: لا يمكننا أن نسأل هل أصبح لدى الرقص المسرحي الحديث جمهور، لأن كل مسرح وله جمهوره، على سبيل المثال الباليه له جمهوره، والفلكلور كذلك وإلى آخره، قالوا في البداية إن جمهوري من النخبة فقط، ولكننا ربينا جمهورا، جمهورنا مثل أي جمهور فن مسرحي بمصر، وكل الفنون مقبولة، وكل من خرجوا من مدرسة وليد عوني أصبح لديهم جمهور وفكر ومنهج يعملون به، وأرى أن كل فن له طبيعة خاصة وهذه ليست سُبة وإنما شكل للفن يميزه.
وأضاف: الوعي من وجهة نظري هو الوعي الاجتماعي، ومجالات المسرح الحديث أوسع بكثير من أن ينحصر مفهومه في منطقة معينة، المسرح الحديث بعيد عن الحوار الكلاسيكي والنمطي المتعارف عليه في باقي المسارح مثل القومي وغيره، ولكننا نعتمد على الحركة والجسم، وكل الفنون مستقلة بذاتها، والاستقلالية ترجع للجمهور.

مناضل عنتر: لدينا قاعدة جماهيرية كبيرة
كما قال المخرج ومصمم الاستعراضات مناضل عنتر: فرقة الرقص المسرحي الحديث احتفلت نهاية العام الماضي بـ30 سنة على تأسيسها، ولكننا منذ أكثر من 10 سنوات ونحن بعيدون جدًا عن الجمهور العادي، نحن نتعامل مع صفوة النقاد والمتخصصين، والعروض لم يكن لها جمهور، كانوا لا يتعدون الـ50 فردا، حتى تمت نقلة في الفرقة، أصبحت المدير الفني لها لمدة 7 سنوات، وبدأت أعمل على أن تكون هناك قاعدة جماهيرية كبيرة حتى تستمر، وليس كافيا أن نعرض فقط للصفوة، بدأنا العمل على الروايات المصرية المعاصرة، وقدمنا مولانا والفيل الأزرق والزيني بركات، وقدرنا أن نكسب أكبر عدد من الشباب يعي ويفهم ما نقدمه، وأصبحت هناك قاعدة جماهيرية كبيرة، إلى جانب أنني أخرج مسرحا دراميا، فأنا أتحرك بقاعدة جماهيرية، فعليًّا قبل 2012 الرقص المعاصر والحديث شيء وبعده شيء آخر، استطعنا أن ننخرط مع المجتمع الفني، وهذا صنع قاعدة جماهيرية كبيرة جعلت تذاكر العروض تباع بالكامل.
وأضاف: استطعت أن اصنع جمهورا يُعنى بالرقص المعاصر في وقت قليل من خلال العمل على الرواية المصرية المعاصرة، أي رواية في العالم جمهورها تكون لديه رغبة وتشوق أن يراها في قالب فني، قدمت «مولانا» و»الفيل الأزرق» على المسرح قبل أن يتم تقديمهما في السينما، الناس كان لديهم رغبة في كيف حولت الرواية لمسرح راقص، وهذا صنع جمهورا وقاعدة، وأصبحوا يثقون فيما أقدمه كمخرج ومصمم، وبعد ذلك قدمت «البصاصين» و»عشم إبليس» وغيرها من الأعمال.
وتابع: يجب أن يكون لدينا وعي بالمسرح بشكل عام أكثر من ذلك، لدينا مشكلة في جمهور المسرح بشكل عام وليس في الرقص فقط، فكرة قلة المسارح، مع تواجد السينما والمنصات، الناس لم تعد مهتمة بالفنون التفاعلية، إلا في حالة تقديم الجديد، وهذا ما نسعى له دائمًا، العمل على الجديد وتطوير ما نقدمه دائمًا.

عمرو باتريك: جذبنا  جمهور الرواية
كذلك قال الراقص ومصمم الاستعراضات عمرو باتريك: الرقص الحديث جمهوره تطور كثيرا، عندما التحقت بفرقة الرقص الحديث، كان جمهور العروض قليلا جدًا، أصبحنا نرى المسرح ممتلئا، مع الوقت وعي الناس بهذا الفن يتطور، وعندما كان مناضل عنتر مدير الفرقة قدم عروضا مشهورة عن روايات، فبدأ يجذب جمهور الرواية للمسرح، وأصبح المسرح «أرش كومبليت»، ومع الوقت أصبح الجمهور متنوعا ومختلفا وغير مقتصر على فئة معينة، وأصبح هناك جمهور للراقصين، هناك جمهور يأتي خصيصًا لي ولغيري من زملائي.
وأضاف: الرقص المسرحي والحديث من الممكن أن يناقش قضية أو يكون للترفيه فقط، مثله مثل أي فن آخر، وهو  من الفنون الصعبة مبني على أسس وقواعد، ثم الخروج من خلالها عن المألوف، مفرداته أكثر من الباليه، هو أكثر نوع يشمل مفردات حركية.
وتابع: من الممكن أن يكون مستقلا بذاته أو ينصهر في الفنون الأخرى مثل السينما والمسرح، ولكن في السينما سيكون اسمه رقصا حديثا، وهناك مغنون يستخدمون الرقص المسرحي على المسرح في حفلاتهم خارج مصر أكثر، والرقص الحديث يحتاج إلى راقصين مثقفين، حتى يتم تصديقه على المسرح، وحتى لا يصبح مجرد روبوت يقدم حركة فقط.

كريمة بدير: عندما قدمت القصص التراثي زاد حجم الجمهور
فيما قالت المخرجة ومصممة الاستعراض كريمة بدير: بعد 30 سنة تكونت قاعدة من الجمهور  بحكم تطور المسرح واستخدامه للرقص المعاصر في جميع أنحاء العالم، تقريبا لا يوجد مهرجان يخلو من الرقص، تقريبا كل العروض بها رقص معاصر أو حركة معاصرة، العالم أصبح منفتحا على بعضه البعض، وفي مصر أصبح هناك جمهور للرقص المعاصر، وعن تجربتي الشخصية معه، وفرقة فرسان الشرق أقول: عندما أصبحت أقدم القصص التراثية بطريقة معاصرة، أصبح هناك جمهور أكبر، لأن لديه وعيا بالحكاية، يدخل العرض ليرى صورة مختلفة، أصبحت هناك أكثر من جهة تقدم مهرجانات للرقص المعاصر وعروضا معاصرة، سواء داخل الأوبرا أو خارجها، فرقة فرسان الشرق للتراث والرقص المعاصر وفرقة الرقص الحديث من داخل الأوبرا، وأحيانًا نقدم عروضنا خارج الأوبرا في مهرجانات أو على مسارح أخرى.
وأضافت: فكرة الحركة هي التي يجب أن تكون مبتكرة ومواكبة للعصر، من هنا يأتي التكوين، والرقص المعاصر يقدمه كل شخص بأسلوبه وطريقته، على حسب المكان وفئة الجمهور، أصبح هناك تنوع في الأماكن يتسع لكل فئات الجمهور، وأعتقد أنه لا يوجد ممثل لديه فكرة عن الرقص المعاصر، وأغلبهم يسعون للحصول على ورش في الرقص أو الحركة لتطوير مهاراته، الحركة أصبحت تنوب عن الكلمة في عروض كثيرة، وأصبحنا نساوي عرضا راقصا بدون كلام بعرض يقوم على الحوار دون رقص، طالما المعنى وصل للجمهور، وفكرة التصنيف تحتاج  الى مراجعة.

رحيل عماد: تقديم عروض الرقص في الأوبرا تثبت نخبويته
وقالت الفنانة رحيل عماد الحاصلة على جائزة أفضل تصميم استعراضات من المهرجان القومي للمسرح المصري في الدورته الـ15: الرقص المعاصر انتشر الفترة الماضية بشكل ملحوظ وكون قاعدة جماهيرية جيدة، واستطاع أن يدخل في أعمال فنية كالمسرح والسينما، ولكن من وجهة نظري أنه ما زال مقتصرا على فئه معينة من المشاهدين، هم من يفهمون معنى هذا الفن بالشكل السليم.
وأضافت: أن يتم تقديم عروض الرقص المعاصر في الأوبرا معظم الوقت يثبت أن هذا النوع من الرقص له جمهور خاص به، لذا يجب أن يكون هناك اهتمام بنشر الوعي تجاه هذا الفن، ووعي الجمهور بأهمية هذا الفن يأتي بانتشاره في الأعمال الفنية المختلفة، الرقص المعاصر رقص من الشارع إلى الشارع، بعيدًا عن التطور الذي حدث فيه، ولكن هذا هو أصله، وهو نوع مرن، من الممكن أن يكون منفصلا بذاته أو متصلا بألوان الفنون المختلفة.

حسام عطا: أن يكون الاستمتاع بالفنون عادة اجتماعية
وعن رأي النقاد قال الناقد الدكتور حسام عطا: لا تزال النخبة هي فقط التي تذهب إلى الأوبرا، ليس فقط للرقص المعاصر والحديث، ولكن إلى معظم أنشطة الفنون الجميلة، الجمهور يذهب مهتمًا بحفلات الموسيقى العربية التي تقدمها دار الأوبرا، وعدا ذلك فنون بعينها مثل فرقة باليه القاهرة والقاهرة السيمفوني وفرقة الرقص المسرحي الحديث وما إلى ذلك، هي اختيارات نخبوية محدودة لعدد من الجمهور المهتم، فإذا أردنا أن تحدث طفرة ونغير الذوق العام، فعلينا القيام بتحويل فعل الاستمتاع بالفنون إلى عادة اجتماعية تتم تنميتها منذ الصغر، وما زالت مركزية هذه الفرق في الأوبرا، ويندر تحركها خارج القاهرة، ولا شك أن وليد عوني نجح في تقديم عروض رائعة، وساهم في تدريب مجموعة من المصممين الجدد الذين يكملون مساره، ونتمنى منهم أن يأخذوا الرقص الحديث إلى نواح مختلفة من التعامل مع الأسطورة والتراث والارتباط بالحياة اليومية في مصر ليكونواأاكثر قربًا - بمعالجتهم الجديدة - لما يدور في المجتمع، حتى يقتربوا أكثر من الجمهور، وهناك من فعلوا ذلك فعلًا منهم كريمة بدير ومناضل عنتر وآخرون.

أحمد خميس: الأوبرا لا تدعم عروضها ولا تساعد في انتشارها
وقال الناقد المسرحي أحمد خميس: بعد 30 سنة من الرقص المعاصر، أصبح لدينا مخرجون لديهم تجارب بارزة مثل محمد شفيق ومناضل عنتر وكريمة بدير وكريم التونسي وسالي أحمد، ومن الذين تخرجوا لدى مؤسس هذا اللون والفرقة وليد عوني، لكل منهم بصمته المميزة، وعروضهم الخاصة، وأصبح لديهم جمهور يأتي لهم خصيصًا، ورغم كل ذلك ما زالوا ينتمون إلى جمهور النخبة، لأن الأوبرا لا تدعم هؤلاء المخرجين، بعدد أيام كافية لتقديم عروضهم، عادة ما يقدم العرض يومين أو ثلاثة على أقصى تقدير، وهذه ليست مساحة جيدة، خاصة للعروض التي حصلت على جوائز، ومعروف أنها مهمة، على سبيل المثال عرض وليد عوني «إخناتون» الذي حقق جماهيرية كبيرة في مصر والوطن العربي، كما لا تعلن الأوبرا بشكل كاف عن عروضها، وفاعلياتها، والمهرجان الذي كانت تقدمه لا تعلن عنه في الأوساط الثقافية والجماهيرية، ويتوقف الدعم الإعلامي لهذه العروض على مجموعة أخبار متناثرة على المواقع الإلكترونية أو الصحف القومية، فالعدد المحدود من الأخبار، لا يهتم به إلا المتخصصون،  يجب أن نقوم بتوسيع دائرة الجمهور بزيادة أيام العرض وزيادة الإعلان، ودعم وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية.
وأضاف: الجمهور يستطيع أن يستوعب كل نوع يقدم له، طالما الصانع يستطيع أن يوصل أفكاره بشكل جيد، الجمهور يستطيع أن يستوعب كل ألوان الفنون، ويتجاوب مع الأفكار المتطورة والمختلفة وبطرحها بشكل جمالي وفني جيد ومنطقي وطبيعي.


إيناس العيسوي