مسرح المقهورين بين النظرية والتطبيق2

مسرح المقهورين بين النظرية والتطبيق2

العدد 761 صدر بتاريخ 28مارس2022

في مسرح “أوجست بوال” نجد العملية المسرحية التقليدية، ولكن مضاف لها تغيير جوهري تخطى التغيير الذي قام به الألماني برتولدت بريشت «بريخت”؛ فسابقا قام “بريخت” بكسر الحاجز الرابع وتكوين علاقة مباشرة بين المتفرج وخشبة العرض المسرحي مستخدما شتى الطرق الفنية من إلقاء النكت والمونولجات والراوي وإلقاء بعض الجمل المسرحية إلى الجمهور؛ متكأ في كل ذلك وغيره على عصا “التغريب”؛ لكسر الإيهام الأرسطي الذي يرسخ لهدم أي محاولة للثورة وللتغيير؛ فصاغ “بريخت” مسرحه الملحمي واضعا المشاهد نصب أعينه؛ فجعله ناقدا متأملا يعمل عقله؛ ليثور على أوضاعه السياسية والمجتمعية السيئة هذه الثورة الفكرية، والنظرة الجديدة لدور المتفرج المسرحي هي الرابط المشترك الأهم بين مسرح “بريخت” ومسرح “بوال”؛ فكلا المسرحيين حاول دفع المتفرج للتمرد على أوضاعه السيئة؛ وجاء ذلك  من خلال تقديم شكل مسرحي جديد متجاوزا الطريقة الأرسطية، ولكن “بوال” تعدى كسر الحاجز الرابع الذي قام به بريخت؛ ليقوم بإشراك (المتفرج | الممثل) في العرض المسرحي؛ أي ان المتفرج في مسرح المقهورين والمعروف باسم “المسرح التفاعلي” يمكّنه الصعود إلى خشبة المسرح ليتبادل الدور مع أحد الممثلين وتحديدا الممثل الذي يقوم بدور المقهور؛ حيث يلعب المشاهد هذا الدور، أي دور المقهور ويواجه القاهر المستفيد من قهره، والذي لن  يتخلي عن موقفه أمام مقهور أغلب الظن حدث له تماهي مع القاهر للدرجة التي توحد فيها معه؛ بل ووصل للدفاع عن القاهر. 
قيام المتفرج بالصعود إلى خشبة المسرح يفسر لنا لماذا قام “بوال” بتقديم كتابه الأشهر تحت عنوان (ألعاب الممثلين وغير الممثلين) فالتمثيل المسرحي عند «بوال» متاح ومباح للجميع. 
هذه النقلة المسرحية المدهشة والتي قلبت الموازين راسا على عقب سبق وأشرت في المقال السابق انها جاءت عن طريق الصدفة؛ فذات يوم وتحديدا في ستينيات القرن الماضي كانت فرقة «بوال» تقدم أحد العروض المسرحية في منطقة ساو باولو الفقيرة، وكان العرض المسرحي يناقش مشاكل الفلاحين مع الطغاة الذين يستولون على أرضهم، وكان الممثلين يحملون بنادقهم وينشدون مقاطع غنائية: (دعونا نسكب دماءنا من أجل الحرية .. دعونا نسكب دماءنا من أجل الأرض) وعقب انتهاء العرض المسرحي تقدم أحد الفلاحين البسطاء، وعبّر عن سعادته من وجود أناس من نفس المدينة يشاطرونهم نفس التفكير.  
في هذه اللحظة  تأكد  «بوال» من نجاح طريقته القائمة على  تحريض المقهور على مقاومة القهر؛ فشعر بفخر شديد، وبدأ يدرك ان رسالته وصلت للجمهور .. إلا ان الفلاح باغته ودعاه لتناول الغذاء وبعدها يذهبون جميعا لتحرير أرض زميلهم الفلاح من الإقطاعيين. 
يقول «بوال»: (شعرنا حينها بفقدان الشهية)، وحاول توضيح أن بنادقهم لا تطلق نار؛ لكن الفلاح تعجب: (مسدسات لا تطلق نار؟ لماذا هى إذن؟) .. رد «بوال»: (هى لتقديم العروض؛ نحن فنانون جادون ونؤمن بما نقول لكن كما ترى هى مجرد دمى)؛ فقال الفلاح: (دعونا نرميها جانبا فأنتم لستم دمى لقد شاهدتكم تغنون كيف يلزم ان نسكب الدماء فتعالوا معنا فلدينا ما يكفي من السلاح), حاول «بوال» قدر الاستطاعة أن يوضح موقفه؛ لكنه منذ تلك اللحظة بدأ يتساءل أين الخلل؟، ومن وقتها توقف «بوال» عن تقديم النصائح والرسائل فى مسرحه، وبدأ يقدم عروض مسرحية يطرح من خلالها المشكلة، وفي لحظة الأزمة يوقف العرض المسرحي؛ ليبدأ الجمهور في النقاش لتقديم المقترحات التي يقوم المؤدون بارتجالها، وكان من حق الجمهور إيقاف العرض واقتراح أفعال جديدة للمؤدين. 
وبهذه الطريقة المسرحية الفعالة بدأ في أخذ خطوة جادة في طريق الاقتراب من تقديم مسرحا أكثر اعتمادا على المشاهدين؛ وهو ما أسماه مسرح الحوار أو «الديالوج» بديلا عن مسرح الحديث من طرف واحد أو «المونولوج»، وهو المسرح الذي يتحول فيه المشاهدون من مجرد «نظارة» إلى مشاهدين/ ممثلين.
استمر «بوال» في تقديم مسرحة بهذا الشكل، وذات يوم وفي أحد العروض المسرحية التي كانت تناقش مشكلة زوجة مخدوعة قام زوجها بخيانتها ووصل به الأمر إلى استغلال جهلها بالقراءة والكتابة فكان يترك معها خطابات عشيقته على اعتبار انها ايصالات وفواتير، ولكن الزوجة المخدوعة وبمحض الصدفة اكتشفت خيانته؛ فمكثت في المنزل ثائرة غاضبة متحفزة تنتظر قدومه لتواجهه؛ وكالمعتاد اوقف «بوال» العرض وطلب من الجمهور اقتراح حلول يقوم المؤدون بارتجالها، وبالفعل بدأ الجمهور يقترح الحل تلو الآخر، ومع كل حل يطرحه الجمهور ويرتجله الممثلين على خشبة المسرح كانت هناك سيدة تجلس بين الجمهور غاضبة جدا غير راضية عن أداء الممثلين، وكلما اجتهد المؤدي في ارتجال الحل؛ كلما تصاعد غضبها بشكل سبب توتر عام؛ فما كان من «بوال» إلا انه طلب من هذه السيدة الصعود لخشبة المسرح لتؤدي بنفسها الفعل المسرحي الذي تراه مناسبا وصعدت السيدة.
وفي هذه اللحظة ولد مسرح المقهورين  لمبدعه المخرج البرازيلي «أوجست بوال» هذا المسرح الذي جعل المتفرج ممثل يستطيع التمثيل على الخشبة المسرحية من خلال مسرحيات أعدت خصيصا لمناقشة  قضايا القهر التي نظّر لها المفكر التربوي البرازيلي «باولو فراري»، والتي سبقه في ذلك العلامة «ابن خلدون»  والذي قال: (المغلوب مولع أبدا بالاقتداء بالغالب في شعاره وزِيّه ونحلته وسائر أحواله وعوائده)، وفي موضع آخر يقول: (من كان مرباهُ بالعسف والقهر من المتعلمين أو المماليك أو الخدم فقد سطا به القهر..إلخ). المتأمل في نظرة ابن خلدون ومن بعده «باولو فراري» يخلص إلى أن المقهور يتبع القاهر إذا جاءته الفرصة. 
قضايا القهر بل وطبيعة العلاقة بين القاهر والمقهور تشكل الثيمة الرئيسية في مسرحيات «بوال» فالصراع المسرحي عنده يدور بين قاهر ومقهور .. القاهر متضخمة ذاته ويحاول دائمًا وبشتى الطرق إفقاد المقهور أهميته إلى ان تتلاشى إنسانيته، وبالتالي فالقاهر لا يبدى أي تعاطف تجاه المقهور؛ بل على العكس تماما يستمر القاهر فى قهره؛ فهو أثير ذاته متمتعا بكل حقوقه السيادية مهمته إحباط أي محاولة يقوم بها المقهور للحصول على أي من حقوقه، وبذلك يكون هدف القاهر الحفاظ على مكانته لأنه ببساطة شديدة مستفيد من قهره. ومن هذا المنطلق ليس بمستغرب أن نُعبّر عن القاهر أكثر من تعبيرنا عن المقهور؛ فهو ببساطة دائما ما يشغل بال المقهور المستسلم الراضخ لقاهره؛ الذي يريد ويحاول بشتى الطرق ان يشعر المقهور بالدونية إلى أن يصل إلى أدني درجات السلم الإنساني، ولكنه أي المقهور يظل متربصا بالقاهر كي ينال منه وهنا تتضح الفرضية التي تؤكد على ان المقهور يستخدم نفس أساليب القاهر عندما تتبدل بينهم الأدوار، ولكن هذه الفرضية تختلف في جوهرها عن الفرضية التي  توضح المقهور مفتقدا للطابع الاقتحامي واقعا أثير الاستسلام  والانسحاب ميلاً متجنبا أي صدام بينه وبين القاهر.  هذا الصدام الحتمي الذي لابد ان يحدث في اليوم الاستثنائي في النص المسرحي وهو اليوم الذي ينفجر فيه المقهور في وجه القاهر. 
كانت هذه هي المنطلقات الفكرية والأبعاد الدارمية التي تقوم عليها طبيعة الشخصيات الدرامية في مسرح بوال. والذي يقدم نصوص مسرحية موجه مكتوبة وفق طريقة محددة. 


مينا ناصف