«سالب واحد».. دعوة إنسانية هادفة ومعالجة مسرحية راقية

«سالب واحد»..   دعوة إنسانية هادفة ومعالجة مسرحية راقية

العدد 744 صدر بتاريخ 29نوفمبر2021

عبر مشاعر فياضة امتلأت أجواء العرض المسرحي «سالب واحد» لمدة أكثر من ساعة، بالدفء الإنساني على مسرح الهناجر للفنون بالأوبرا الذي تشكل على هيئة خشبة مسرح ‘يطالي تقليدية، إنتاج المعهد العالي للفنون المسرحية، إشراف الأستاذ الدكتور مدحت الكاشف عميد المعهد، وتأليف محمد عادل، وإخراج عبدالله صابر؛ وهم شباب من المبدعين طلاب قسم التمثيل بالمعهد، قدموا لنا جرعة فنية عالية المستوى في معالجة درامية لرواية «أين نذهب يا بابا؟» للكاتب والمخرج الفرنسي جان لوي فورنيه عن تجربة حقيقية عاشها مع ولديه.
      وقد اختزل مؤلف العرض الإعداد ليتناول حالة أحد الولدين المعاقين فقط، اللذين عالجتهما الرواية السردية، حيث اختار لها اسم «سالب واحد»، وهو عرض مسرحي مثير يتناول مشكلة ذوي الهمم ممن يتجاهلهم المجتمع وتشعر الأسرة معهم بالمعاناة منذ اللحظة الأولى للميلاد. يبدأ العرض مع ميلاد أحد الأطفال من ذوي الهمم لأسرة تشعر بالصدمة لذلك، سواء الأب أو الأم، فلا يعترفان به ولا يقدران على التعامل معه؛ بل يلوم الأب الأم ويتهمها بأنها السبب في إنجابه، وتلوم الأم الأب وتتهمه بأنه ميراث مرضي من أبيه، ويستمران في تبادل الاتهامات في حين يكبر الابن رويدا رويدا، ولا يقدر أن يتحدث إلا بجملة وحيدة يكررها على مسامع الجميع مهما حاول الأبوان معه لتغييرها، هي: (حنروح فين يا بابا؟)، فينصرف الأب للسهر وشرب الخمر ويمتلئ ضجرا وسخطا على الأم التي تقضي كل وقتها في رعاية الطفل وتهمله رغم شعورها بأن كل ذلك عقاب من الله، وهو ما يتضح من خلال مونولوجاتها المختلفة.
 أما الأب فيعامل الطفل بقسوة لأنه أصبح حائلا بينه وبين الأم، ورغم ذلك يستدعي له مدرسين ربما يستطيعون مساعدة الطفل في نطق الكلمات الأخرى، كما يستدعي أحد الأطباء بلا جدوى، وينتهي الأمر باستدعاء أحد المشعوذين كي يخرج الروح الشريرة من الطفل كما يدعي؛ بل ويستغل الأب كي يحصل منه على المال، ويطلب منهما أن يشدّا وثاق الطفل بحبل حتى يغيرا حركته، فتتألم الأم وتصرخ من هول ألم الطفل، وعندما تفشل محاولات الأب يقرر أن يتخلى عن الطفل، رغم أن الطبيب المختص واجههما بالمشكلة الحقيقية، وهي أن الطفل يحتاج إلى رعاية خاصة، وأن عدم اعترافهما بالطفل واحتياجاته مشكلة تكمن فيهما وليس في الطفل نفسه، عندها تنهار الأم التي لم تلمس طفلها سوى 99 مرة، على حد قول الراوية التي تمثل المعبر عن مشاعر الطفل، والتي نجح المؤلف في توظيفها في خدمة العرض، ثم تموت الأم من أثر عنف الأب وإصراره عن التخلي عن الطفل بعد اشتباك مع الأب، مما يصدم الأب وتتحرك مشاعره ناحية الطفل للمرة الأولى، بعد أن ماتت الأم التي كانت رغم ضجرها هي الوحيدة التي تشفق على الطفل وتحيطه بالرعاية والاهتمام، من هنا يتفهم الأب للمرة الأولى حالة طفله ويهتم به، ويسعد الطفل ويعرف معنى الابتسام بعد أن تعرف على شكل الاتبسامة وروحها في وجه الأب، كل ذلك عبر معالجة واعية من المؤلف والمخرج الذي لجأ إلى تقنية الراوية للتعبير عن مشاعر الطفل تلك المشاعر الدفينة التي لا يقدر على التعبير عنها، لتلتحم الراوية مع الطفل في رقصة استعراضية بعد أن ترك الطفل الكرسي المتحرك في إشارة إلى رغبته في تحرر مشاعره المكبوتة بعد أن ركزت الإضاءة الصفراء في منتصف سقف المسرح عليهما، وعندما يتم التحول في موقف الأب تجلس الفتاة الراوية/ الروح المعبرة والمتحررة، على كرسي الطفل، ويقضي الطفل أوقاتا سعيدة وتنتهي معاناته النفسية، وينتهي العرض بدرس إنساني عميق لكل منا.
      الديكور الذي صممه عبدالرحمن خالد يتكون من مستويين: أحدهما عمق المسرح وهو مستوى أعلى بحوالي المتر تقريبا من مستوى خشبة المسرح، حيث يعبر المستوى العالي عن الأحداث الماضوية في البداية، ثم حالة خوف الطفل وهو نائم مع تواتر الأحداث. أما مستوى خشبة المسرح فتدور فيه أغلب أحداث المسرحية، ولا يوجد به سوى كنبة في المنتصف لجلوس الطفل والأب والأم، وهناك مكتب وكرسي على يسار المسرح في المقدمة لجلوس الراوية، كما أن هناك منضدة عليها ورود صناعية يرويها الأب من وقت لآخر، مما يعطي إيحاء بزيف الحياة وعدم جدواها، وكذلك افتقاد الطفل للنمو الذهني والبدني، وهو الأمر الذي أشار إليه الطبيب المختص في نهاية المسرحية في مواجهة مع الأبوين في حوار يحاول فيه دفعهما لتغيير سلوكهما مع الطفل، كل ذلك يتم التأكيد عليه من خلال حالة التحول بعدها عندما تقدم الراوية/ الطفل وردة طبيعية في نهاية العرض للأب مخبرة إياه أنها حقيقية بعد انتعاش مشاعر الأب تجاه الطفل، أيضا هناك كرسي ومنضدة إلى اليمين وقفص عصافير خال في سقف المسرح ليعبر عن حالة الكبت والاختناق الذي يعاني منها الطفل.
 أما الإضاءة لياسمين هاني، فكانت معبرة منذ اللحظات الأولى عن حالة الصراع الجسدي والنفسي والاشتباك بين الأب والأم، وحالة رفض الطفل عبر إضاءة صفراء وحمراء، كما تخللت الأحداث أغانٍ بصوت نادين عامر التي عبّرت عن اللحظات الدرامية المختلفة، وعن الإنسان وحيرته في هذا العالم، وعن الحلم القريب وتحقيقه، إضافة لألحان أحمد حسني، وعزف الكمان والبيانو والتوزيع الموسيقي لأحمد منصور الذي صور الطابع الشعوري لحالة الشخصيات، وبخاصة حالة التحرر في ذات الطفل في نهاية المسرحية من خلال السلام والتفاهم بينه وبين الأب الذي يسمح لطفل الحديقة في نهاية المسرحية باللعب مع طفله المعاق بالكرة في إشارة واضحة إلى استيعابه لطفله وبراءته واحتياجاته.
وقد استطاع الممثلون بذكاء التعبير عن الشخصيات وحالاتها المختلفة، حيث عبّرت سالي سعيد عن دور الأم المتألمة عبر إرهاق جسدي ونفسي شديد اتضح من خلال صراعها مع الأب مصطفى رشدي الذي نجح بدوره في التعبير عن الرفض الداخلي والمعلن للطفل، كما نجح الطفل أحمد عباس بذكاء وعبر تطويع جسده وصوته في التعبير عن الشخصية. أما الراوية يارا المليجي، فقد نجحت بدورها في التعبير عن مشاعر الطفل المختلفة، وهو ما ظهر في رقصتها الاستعراضية مع الطفل، حيث حالة المناجاة الداخلية التي عبّرت عنها الأغنية المصاحبة والحركات المعبرة عنها.
كل ذلك إضافة إلى نخبة من الممثلين، ومنهم مصطفى عبدالهادي وعبدالرحمن محسن والطفل يوسف شعراوي، والأزياء التي قامت بتصميمها نوران الشيمي، واستعراضات مي زريق، وقد ساعد في الإخراج كل من ندى غنيم ونور الدمرداش ومخرج منفذ محمود حسني.
عرض «سالب واحد» لمخرجه عبدالله صابر الذي كتب الأشعار أيضا، عرض مبشر بمستقبل فني واعد لباقة من النجوم الذين استطاعوا بحق جذب مشاعر وقلوب وأبصار المشاهدين، والخروج بقيم مثلى لا غنى عنها خاصة في التعامل مع فئة مهمة في حياتنا تحتاج منا إلى وعي وإدراك إنساني مختلف لأنهم في أمسّ الحاجة لنا كأفراد وكمجتمع.


أحمد عصام الدين