المسرح الأمريكى بين التفاؤل والتشاؤم

المسرح الأمريكى بين التفاؤل والتشاؤم

العدد 725 صدر بتاريخ 19يوليو2021

خبر سار أسعد عشاق المسرح فى الولايات المتحدة وربما خارجها . موضوع الخبر هو مدرسة أو معهد الدراما  فى جامعة ييل الأمريكية العريقة التى تقع فى ولاية كونكتكت والتى تعد من أهم معاهد تدريس الفن المسرحى فى الولايات المتحدة. وقد تخرج فيها عدد كبير من نجوم المسرح والدراما فى الولايات المتحدة مثل ميريل ستريب وأنجيلا باسيت وفرانسيس ماكدورماند.
أصبحت الدراسة مجانية فى هذه المدرسة التى يتهافت الطلبة من  عشاق الفن المسرحى والدراما بوجه عام  من جميع أنحاء الولايات المتحدة ومن خارجها للدراسة فيها بفضل سمعتها العالمية منذ إنشائها عام 1925.
منحة سخية
أما السبب فى هذه المجانية فهو منحة سخية للغاية من المنتج السينمائى والمسرحى الشهير ديفيد جيفين (78 سنة) التى تبلغ 150 مليون دولار التى ستوضع فى البنوك وتخصص عوائدها للإنفاق على المدرسة.
وتقول المدرسة فى بيان لها أنها أكبر منحة تلقتها المدرسة منذ إنشائها قبل 96 عاما  وأكبر منحة فى تاريخ المسرح الأمريكي حتى مع مراعاة قيمة الدولار عبر هذه الفترة الطويلة. وأشار بيانها إلي أن جيفن لم يضع أي شرط على استخدام المنحة وطلب فقط إطلاق اسمه على المدرسة ليصبح اسمها «مدرسة ديفيد جيفين للدراما». وقد وافق مجلس الجامعة بالإجماع على هذا الطلب.
وجاء فى البيان أن هذه المنحة سوف تساعد المدرسة على أن تجعل الدراسة مجانية فى كافة مراحلها وأن كان ذلك سوف يعنى تشديدا أكثر على اختيار الطلبة الراغبين فى دراسة فن المسرح.
وسوف يعنى ذلك -كما يقول رئيس الجامعة بيتر سالوفى -فى الوقت نفسه السماح للعديد من أصحاب القدرات المتميزة فى الفن المسرحى الذين لا تساعدهم قدراتهم المادية على الالتحاق بالمدرسة على الالتحاق بها لدراسة فن المسرح وصقل مواهبهم ليكون   المسرح  وعشاقه هم المستفيدين فى النهاية .
عاشق المسرح
ويملك جيفين عددا من شركات الإنتاج الفنى مثل شركة جيفين للتسجيلات وجيفين للإنتاج الدرامى واستوديوهات دريم للإنتاج السينمائى. لكنه يكن عشقا خاصا للمسرح الذى بدأ حياته الفنية فيه واكتسب بين كواليسه خبرات واسعة أهلته لاقتحام مجالات فنية عديدة. وهذا فى رأيه أمر طبيعى لان المسرح أبو الفنون ويقوم بتغذية الفنون الأخرى.
ويقول أن علاقته بهذه المدرسة تعود إلي عام 1978 عندما انتدبته لتدريس صناعة التسجيلات الموسيقية فاعجب بارتفاع المستوى العلمى للمدرسة وببرامجها الناجحة لتدريب الممثلين والكتاب والمخرجين ومهندسى الديكور.
وأعرب عن أمله فى أن يحذو أخرون حذوه ويتبرعوا  للمعاهد المتخصصة فى تدريس المسرح الذى يمكن أن يلعب دورا كبيرا فى حياة المجتمعات من خلال مناقشة مشاكلها واقتراح الحلول لها. واعرب عن أمله فى أن تساعد المنحة على تطوير تعليم الفن المسرحى باستخدام أحدث التقنيات وأن يقوم المعهد بإنتاج بعض الأعمال المسرحية.
ولم يفت جيفن أن يعبر عن حزنه الشديد لاحتراق مسرح شكسبير بالمدينة فى جريمة اعترف بها مرتكبها ولم يذكر سببا محددا لإقدامه على جريمة حرق هذا المسرح التاريخى الذى وقف على خشبته رواد الفن المسرحى فى الولايات المتحدة على مدى اكثر من سبعين عاما.
ووسط حالة التفاؤل التى سادت الأوسط المسرحية الأمريكية بسبب التبرع السخى من الملياردير الأمريكي خرج الكاتب المسرحى الأمريكي الشهير «جيريمى أوهارا« على عشاق المسرح والفن بوجه عام بتعليق متشائم.
جاء هذا التعليق بعد الإعلان عن عودة الإصابات بفيروس كورونا بمختلف أنواعه إلي الارتفاع فى الولايات المتحدة رغم الانخفاض الكبير فى حالات الوفيات إلي نحو 250 حالة يوميا بعد أن وصلت فى بعض الأيام إلي 3400 حالة. وساد القلق من أن تعود حالات الوفيات إلي الإرتفاع مرة أخرى.
 قال أوهارا فى تعليقه الصادم أن برودواى قد تغلق أبوابها إلي الأبد بسبب كورونا بعد أن ظلت مغلقة لأكثر من عام من جراء هذا الوباء. وحتى لو تم فتح المسارح فلن تحقق إيرادا كافيا كى تستمر بسبب ضعف الإقبال الجماهيرى المتوقع خوفا من العدوى.
الدولة مسئولة
والسبب هنا فى رأيه أن الدولة لم تقدم الدعم اللازم لإنقاذ هذه الصناعة الثقافية على حد تعبيره وتركتها تواجه مصيرا مؤلما.
ويعيد أوهارا إلي الأذهان الكساد الكبير الذى مرت به الولايات المتحدة فى نهاية العشرينيات ومطلع الثلاثينيات من القرن المنصرم. أعلنت الحكومة وقتها عن «البرنامج الفيدرالى للمسرح» لإنقاذ صناعة المسرح الأمريكي. وحدثت أزمات عديدة بعد ذلك تدخلت فيها الدولة على النحو المطلوب ...فلماذا لم تفعل هذه المرة ولا تزال مترددة.
ويمضى أوهارا قائلا ... إذا لم تكن الدولة تهتم بصناعة المسرح فلتهتم بالمشتغلين بالمسرح باعتبارهم مواطنين أمريكيين يستحقون مساعدة الدولة وقت اللزوم.
ويتحدث عن موقف مر به عندما استقل تاكسى وعلم السائق انه كاتب مسرحى. قال له السائق «إنني أشفق عليكم أهل المسرح . فأنا أعمل سائقا لن أعدم أن أجد عملا أخر إذا فقدت هذا العمل. لكنكم أهل المسرح لا تجيدون سواه ومن الصعب  أن تجدوا عملا بديلا بسبب كورونا. ولن يكون أمامكم سوى العمل فى المطاعم والمتاجر والفنادق ومحطات البنزين وغيرها. ويؤمن أوهازا على قول السائق فيقول أن هناك الألوف من المشتغلين بالمسرح فى برودواى فقدوا أعمالهم بسبب كورونا وباتوا فى حاجة إلي دعم الدولة. وهؤلاء ينتمون إلي فئات عديدة منها بدءا من الكتاب والممثلين والمخرجين  وحتى حراس الأمن ومشرفى الصالات لا يجدون عملا منذ أكثر من عام ولن يجدوا قبل ستة شهور أخرى وفقا لأكثر التقديرات تفاؤلا.
عهد روزفيلت
ولا ينكر أوهارا أن هناك جهودا لدعم صناعة المسرح والفنون الأخرى، لكنها جهود خاصة لن تكفى مثل صندوق فنانى المسرح الذى أسسه النجم الأمريكي سام منديز الذى يعتمد على تبرعات من أفراد وشركات ومؤسسات فنية.
وحتى فى حالة وجود برنامج حكومى لعدم صناعة المسرح يجب التأكد من أنها تعمل بميزانيات كافية كما كان الحال فى الكساد الكبير فى عهد الرئيس فرانكلين روزفيلت الذى أنشأ الصندوق الفيدرالى للمسرح بهدف محدد أن تستمر المسارح فى أداء وظيفتها الثقافية وان تكون متاحة لكل المواطنين خلال الأزمة الاقتصادية الصعبة. وكان المسئول عن إدارة الصندوق وقتها الكاتب والمخرج المسرحى البارز «هولى فلاناجان«.وخلال هذه الفترة كان ثلثا تذاكر المسارح توزع مجانا. ويتوقف هنا ليشير إلي أن المشكلة فى برودواى إرتفاع أسعار تذاكر المسرح بها حيث يصل متوسط سعر التذكرة إلي 110 دولار وهو رقم يفوق قدرة الأسرة الأمريكية المتوسطة.
وكانت هناك تجارب للفرق المسرحية مثل عرض مسرحيات عبر الإنترنت وحققت نجاحا أحيانا لكنها لم تكن كافية. وكل هذا لن يغنى عن مسرح يتنفس فيه الممثلون والجمهور هواء واحدا على حد تعبيره. ولن تكون الولايات المتحدة أول من يدعم صناعة المسرح بل سبقتها إلى ذلك دول عديدة أخرها ألمانيا.
خطايا الإنسان السبع
ويقول أنه يشعر بالأسف بسبب مسرحية «خطايا الإنسان السبع» التى عرضت بنجاح فى فلوريدا فى عدة مقاه متلاصقة  على شاطئ ميامى وحققت نجاحا كبيرا ولم يمكن عرضها فى برودواى بسبب إجراءات كورونا. ويتم عرضها حاليا على مسرح  فى منطقة أخرى هى «ميت باكنج« بمانهاتن. قال أن المسرحية تعرض حاليا وسط إجراءات وقائية مثل التباعد وإلزام المشاهدين بارتداء الأقنعة  وإخراج المشاهد بحيث لا يقترب الممثلون كثيرا من بعضهم البعض . فلماذا لم يسمح بتقديمها على احد مسارح برودواى وسط نفس الإجراءات.
والمسرحية كما ذكرنا فى عدد سابق عبارة عن سبع مسرحيات صغيرة تعالج خطايا الإنسان السبع التى يمكن أن تدمر حياته كما حذر منها الإنجيل وهى الغرور والطمع والاندفاع فى الغضب والحقد والشهوة والكسل والإفراط فى الطعام  التى تدمر حياة الأسر فى إطار فكاهى. وهى تشبه مسرحية الهمجى للفنان المصرى محمد صبحى . وكل مسرحية من تأليف كاتب مختلف. والمسرحية أو المسرحيات السبع من إخراج المخرج الأمريكي الفنزويلى موسيز كوفمان الذى كتب إحداها وهى الخاصة بالطمع. ويأمل أن يقنع نجاح المسرحية المسئولين بتوجيه دعم حقيقى إلي صناعة المسرح.


ترجمة هشام عبد الرءوف