أجيال المسرح العربي بين الاتصال والانفصال (ثقافة العزلة في خطاب المسرح العربي)

أجيال المسرح العربي بين الاتصال والانفصال (ثقافة العزلة في خطاب المسرح العربي)

العدد 608 صدر بتاريخ 22أبريل2019

مدخل:
أسهمت العولمة التي تحول العالم على وفق طروحاتها إلى (قرية صغيرة) في إنتاج بعض المفاهيم التي غيرت من نظم التفكير ودفعت بالمجتمعات الخاضعة إلى سطوتها للبحث عن بدائل (تكنو ثقافية) للوصول إلى صيغ وأشكال مغايرة عن تلك النظم التي كانت تسود الثقافة، لا سيما العربية منها، ولم يكن فن المسرح بمعزل عن هيمنة تلك النظم العولمية التي استطاعت عن طريق مجساتها المتنوعة التي توافرت في (الشبكة العنكبوتية) تحويل العلاقة بين المسرح بوصفه فنا اجتماعيا قائما على التواصل بين أفراد المجتمع، سيما وأنه قد ولد من رحم المجتمع منذ نشأته الأولى في بلاد الإغريق، إلى فن يعتمد العزلة بين المتلقي وصناع العرض بما يشبه الانحسار الثقافي، سعيا وراء تحقيق فكرة العولمة الثقافية التي تحولت الثقافة فيها إلى سلعة لا يستطيع جميع أفراد المجتمع تداولها، وعلى وفق تلك المعطيات التي صار المسرح معها يقف بمعزل عن الجمهور، فإن ولادة الانفصال جاءت ابتداء عبر تطوير النظم التكنولوجية التي اكتسبت مسميات عدة تأتي في طليعتها (وسائل التواصل الاجتماعي) التي أسهمت على نحو فاعل في تعزيز فكرة العزلة، الأمر الذي بات من الممكن أن نطلق عليها (وسائل العزلة الاجتماعية).
المحور الأول: الخطاب المسرحي بين الاتصال والانفصال:
بدا واضحا أن تحولات جذرية أسهمت في تغيير بنية الخطاب المسرحي الذي كان يحتكم على فكرة التواصل مع المتلقي، إلا أن فكرة التواصل بدأت بالانحسار مع ظهور تيارات فكرية ونقدية تعمل على إرجاء المعنى، تحت مسميات مختلفة منها (ما بعد الحداثة، وما بعد الدراما) التي تخلت في بعض مقترحاتها عن اللغة الدرامية، سواء عن طريق العمل على تشظي مفهوم اللغة داخل الخطاب المسرحي ومحاولة الإطاحة بها وتغييبها داخل بنية النصوص المسرحية، كما في مسرح اللامعقول، الذي تحولت فيه اللغة من نسق دلالي يمتلك خصوصيته في تحقيق التواصل، لمصلحة الفكرة التي يمكن التعبير عنها عبر وسائل مختلفة لا تكون اللغة فيها عنصرا مهيمنا، وتأتي مسرحية (نَفَسْ) للكاتب (صموئيل بيكيت) بوصفها إنموذجا للإطاحة باللغة الدرامية، الأمر الذي دفع بالمتلقي إلى البحث عن مقترحات بديلة للتواصل مع العرض المسرحي، إلا أن فكرة العزلة بدت حاضرة في الخطاب المسرحي، لا سيما وأنها ظهرت بعد الحرب العالمية التي فقد فيها الإنسان الأوروبي قدرته على التواصل مع البيئة الثقافية التي كانت حاضرة قبل الحرب، والتي لم تتمكن من السيطرة على ذلك العقل الشرير الساعي إلى القتل والتدمير، الأمر الذي دفع بالفرد الأوروبي إلى العمل على مغادرة الحاضنة الثقافية السائدة والعمل على إيجاد ثقافة بديلة تسهم في إعادة الثقة بالإنسان عن طريق طروحات بعض المفكرين وكتاب المسرح، كما في مقولة (جون أوزبورن) (انظر إلى الماضي بغضب)، والتي تحمل في طياتها معاني عدة منها السعي إلى إيجاد حاضر مختلف يعتمد خطابا مغايرا عن ذلك الخطاب الذي كان سائدا ولم يمتلك القدرة على الحفاظ على الإنسان بعيدا عن الحرب ودمارها.
إن مغادرة اللغة الدرامية والركون إلى صيغ تعبيرية أخرى أسهمت في إحداث قطيعة بين المتلقي والعرض المسرحي، ويعود ذلك إلى أن العروض المسرحية بدت غارقة في الشكل البصري مستفيدة من الثورة التكنولوجية التي اجتاحت المسرح، وقد تطلب ذلك بناء جيل مسرحي جديد قادر على التواصل والانسجام مع تلك الصورة (الرقمية) التي هيمنت على صناعة العرض المسرحي، فضلا عن ذلك فإن المقترحات الجديدة للعرض لم تكن تثير اهتمام الجيل المسرحي الذي كان يعمل على التفاعل مع فكرة ونسيج درامي وشخصيات درامية تعتمد في بنيتها على لغة درامية تمتلك دلالاتها ومعانيها، الأمر الذي أوجد قطيعة بين جيلين لا يستطيع أحدهما إدراك الآخر.
لم يكن المسرح العربي بمعزل عن تلك المتغيرات، سيما وأن المسرحيين في الوطن العربي يمتلكون القدرة على تبني المفاهيم الجاهزة من دون أن يكون لها حضور وفاعلية داخل مجتمعاتهم العربية، بل ويسارعون إلى تقديمها ومن ثم استهلاكها والبحث عن مقترحات جديدة أسهمت بدورها في خلق حالة من (الانفصال والقطيعة) على حد سواء، وتأتي فكرة الانفصال داخل الجسد المسرحي بين الأجيال المسرحية التي قد تبدو قاسية وغير منصفة لكل تأريخ المسرح العربي، ويعود ذلك إلى أن الجيل المسرحي الجديد قد اختار طريق التكنولوجيا للتعبير عن وجهة نظره المسرحية وملاحقة التطور من دون أن تدخل تلك التكنولوجيا بمسمياتها المتعددة وتقانتها البصرية المثيرة داخل نسيج العرض المسرحي محققة انسجاما بين العناصر المسرحية، بل على العكس صار العرض المسرحي يعتمد على قدرة المخرج في توظيف التقنيات البصرية (الرقمية) في محاولة للتواصل مع المتلقي (الجديد) الذي ينتمي إلى تلك الثقافة التكنولوجية الجديدة التي صارت تحتكم إلى (وسائل التواصل الاجتماعي) التي باتت الفيصل في التعبير عن النتاج الفني، الأمر الذي انحسر معه مفهوم النقد المسرحي بوصفه منجزا محايثا للمنجز الفني، يمتلك القدرة على قراءة العرض المسرحي، ومساهما فاعلا في تحقيق فكرة التواصل مع المتلقي على وفق معايير علمية وجمالية؛ إلى ما يسمى الفضاء الافتراضي، الذي أتاح الفرصة لكل من لديه رغبة في التعبير عن رأيه بالمنجز الفني سواء عن معرفة أو عن طريق تشكيل انطباعات (فيسبوكية أو تغريدات «تويترية»)، وبذلك يكون انحسار النقد المسرحي عاملا مساعدا في تعميق الانفصال بين الأجيال المسرحية، ذلك أن أحد اشتراطات النقد المسرحي هي القدرة على تفكيك عناصر العرض وتحليلها للمتلقي، وبما أن عناصر العرض المسرحي لا تعبر عن انسجام فيما بينها، بل على العكس فإن التقاطع فيما بينها صار سمة ظاهرة في العروض المسرحية التي سيطرت عليها الشاشات وصار فيها الممثل صورة تكميلية للعرض بعد أن كان صاحب الحضور الأبرز في العرض المسرحي.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ضمن أبحاث ملتقى الشارقة السادس عشر للمسرح العرب الذي عقد بمهرجان دبا الحصن للمسرح الثنائي في الفترة من 27 فبراير وحتى 3 مارس


د.صميم حسب الله