الزمان والمكان.. بين الفلسفة والمسرح الحديث (1-2)

الزمان والمكان.. بين الفلسفة والمسرح الحديث (1-2)

العدد 998 صدر بتاريخ 12أكتوبر2026

انشغل الفكر البشرى على مدى آلاف السنين بمفاهيم الزمان والمكان، كما انشغل بعلاقتهما ببعض. هل الزمان وحدة مقتطعة من الأبدية، وهل المكان بطانة لهذا الزمان؟ هل الزمان منفصل عن المكان وهل المكان مرتبط بالزمان؟ هل يُمكن للمكان ان يكون دون الوجود الفعلى للزمان وهل العكس صحيح؟ ثم هل الاندماج الوجودى الميتافيزيقى للمفهومين باعتبارهما “زمكان” سيعمق من فهمنا؟ يُعتبر مفهوما الزمان والمكان من أعمق الاشكاليات الفلسفية منذ بدء التاريخ، فهما يُمثلان شرطين أساسيين لإدراك الواقع الملموس وتشكيل الوعى الذاتى. حيث إن الزمان والمكان فى فلسفة أفلاطون يُمثلان انعكاسات، أو ظلال، غير حقيقية لعالم المُثل الأبدى، فالمكان، كما يراه أفلاطون موقع التغيّر والحركة فى العالم الحسٌى، فى الوقت الذى يرى فيه الزمان كظل متساقط لزمان أبدى مثالى. غير أن أرسطو قام بتحديد المفهومين بتعريفهما، فالمكان عنده هو السطح الباطن الملامس للجسم، اما الزمان فهو مقدار الحركة او عدد الحركة من حيث ما مضى وما سيأتى، وبهذا يربط أرسطو الزمان بالحركة الطبيعية، أى الكم المتواصل والمرتبط بالتغيير، مما يجعل الزمان قابلًا للقياس فى حين يتحدّد المكان فى وجوده كحاوى للأجسام أى لما هو مادى. 
فى الفلسفة الحديثة، إن المفهومين هما أشكالًا حسيّة أولية، حسب إيمانويل كانت “فى نقد العقل الخالص” Critique of Pure Reason، فهو يرى المكان شرطًا لترتيب الظواهر خارجيا، أما الزمان فهو الشرط لترتيبها داخليًا، وهما شروطًا ذهنية تجعل المعرفة ممكنة. فهما عند كانت ظواهر وليسا صفات للاشياء ذاتها. ثم يأتى هنرى بيرغسون معتبرًا أن الزمان الحقيقى، أى الديمومة، تيّار خلاق غير قابل للقياس الرياضى (الحسابات)، أى يُدرك بالحدس وليس بالعقل، حيث ان بيرغسون يميز بين الديمومة المستمرة والزمان المكانى كما يفرضه العلم والرياضيات. الزمان النسبى، كما حدده أينشتاين بدمجه بالمكان كمفهوم موحد «الزمكان». ففى النظرية النسبية لأينشتاين إن الزمان والمكان ليسا كيانيين منفصلين، بل هما جانبان لواقع واحد رباعى الابعاد يُسمى «الزمكان» Spacetime. فليس هناك وجود مطلق، لا للزمان ولا للمكان، إنما كل شىء نسبى يقاس بسرعة المراقب وحركته. وعليه، فإن الزمان الماضى والزمان الحاضر ليسا بأزمنة مطلقة، فالزمان الحاضر يعتمد على الثوابت النسبية كإطار مرجعى. 
قدّم الفيلسوف المتصوف إبن عربى، فى القرن الثالث عشر، رؤية فلسفية وجودية تجعل الزمان والمكان نسبيين، ومتحدين، ومتجددين ووهميين بالنسبة للإدراك البشرى، وهو ما يجعله يتداخل مع جوهر النظرية النسبية فى نفى المطلق وتوحيد “الزمكان”، لكنه يتجه بعد ذلك إتجاهًا صوفيًا موغلًا بالروحيّة. يُعد الزمان عند ابن عربى “مكانًا سائلًا”، فهومتحرك ومتجدد، وهو أمرٌمتوهمٌ (خياليًا أو وهميًا) وليس له وجود حقيقى مستقل فى الخارج، بل هو نسبة أو علاقة تدركها العقول والأوهام لترتيب الأحداث والحركات. أما المكان فهو “زمان متجمد” وهونسبى ايضًا، فهو مرتبط بالأجسام والحركة، وغالبًا ما يُعامل مع الزمان كثنائية وهمية. فالمكان يُعرَّف بأنه “ ما تستقر عليه الأجسام “ أو “ ما يحيط بالشيء “، لكنه ليس موجودًا مستقلًا، بل يُتوهم من خلال الأشياء الموجودة فيه.
هذه المفاهيم الفلسفية وغيرها الكثير، خرجت عن الإطار النظرى المجرد وتجسّدت دراميا فى المسرح الحديث، أى مسرح القرن العشرين وما بعده. فالزمان والمكان هما من أبرز المفاهيم الفلسفية التى شكلّت أساس الفكر الإبستمولوجى والمعرفى. وقد تحوّل هذين المفهومين فى المسرح الحديث الى أدوات درامية تعكس الإغتراب الإنسانى والتيه الوجودى، تجسيدًا لأفكار مارتن هيدغر عن الإغتراب أو جورج لوكاش عن “التشيؤ”. فتصبح خشبة المسرح فضاء “زمكانيًا” يفكك الوهم الدرامى. أما فى مسرح ما بعد الدراما فقد تجاوز هانز تيس ليمان “الزمان الجامد” الأفقى لصالح الحدث المتعدد الأزمنة. ففى المسرح الحديث تحول الزمان والمكان من معيارين تقليديين، كما عند أرسطو حيث زمان واحد ومكان واحد وفعل واحد، الى مادتين تفكيكيتين تناهضان أزمة الانسان ويتحديان الوهم الدرامى، حيث إن هذه المفاهيم أكدّت بأن الزمان والمكان ليسا بمادتين ثابتتين، بل ديناميكيتين تعبّران عن الذاتية والتاريخية فى المسرح الحديث. 
المكان فى المسرح الحديث ليس خلفية للدراما، بل فضاء ً رمزيًا أو ماديًا يُعاد تشكيله، أما الزمان فلن يكون تتابعًا أفقيًا، بل ظاهرة وجودية أو نفسية لها حضورها الدرامى الثقيل. ففى المسرح الحديث يتحول الزمان والمكان الى وجود ملموس يجادل ويصارع الشخصيات الدرامية، ولتوضيح ذلك نستعيد مفهوم الزمان عند هنرى بيرغسون فى كتابه «التطّور الخلاق» L’évolution créatrice ، والمتمثل بـ”الديمومة الحسيّة” (durée)، والتى تعنى بأن الزمان الحقيقى هو تدفق مستمر يتداخل فيه الماضى مع الحاضر، أى ان الحياة حالة من التغيير الأبدى، وهذه الرؤية تناقض المفهوم الكلاسيكى للزمان الخطى أو الأفقى، فهو يؤشر الى زمانٍ نوعى سلسٍ غير قابل للتقسيم، يختلف عن الزمان المكانى الخطى أو المتسلسل أفقيًا. 
وقد أثرّت هذه الفلسفة والمفاهيم المنبثقة عنها، خاصة مفهوم «التشيؤ» Reification لجورج لوكاش، فى كتابه «التاريخ والوعى الطبقى»، الذى ربط مفهوم الزمان بالوعى الطبقى، حيث إن مفهوم التشيؤ يُشير الى عملية تحويل الأفكار أو المفاهيم المجردة الى كائنات أو أشياء ملموسة، وبهذا يصبح المكان فضاءً متشيئًا يعوق التواصل الإنسانى. أثرت هذه المفاهيم على حداثة المسرح عامة، وبشكل أكثر وضوحًا، على مختلف تيّارات المسرح الحديث بدءً من مسرح القسوة وإنتهاءً بمسرح ما بعد الحداثة، مرورًا بمسرح اللامعقول والعبث، من خلال تصوير الزمان كدورة فارغة تعكس الاغتراب الإنسانى، تأثرًا بفلسفة هنرى بيرغسون التى حوّلت مسرح العبث الى إشكالية معاندة وناقدة للزمان «التشيّؤى»، فحالة الانتظار، مثلًا، ترمز للدورة الإنسانية المعذبة، وهو ما يوثّق العلاقة، بشكل محكم، بين الفلسفة والدراما الوجودية.
يتضح مفهوم بيرجسون عن الزمان فى مسرحية «فى انتظار جودو» لصموئيل بيكيت، فالزمان يتبلور كإنتظار دورى رتيب بلا نهاية، حيث يُعاد ويتكرر اليوم ذاته دون تقدم، عاكسًا “الديمومة الحسية” الزمنية كمعتقل وجودى. ولهذا فإن بيكيت يستخدم الصمت والحوار المنقطع ذو الايقاع الموسيقى المبعثر، ليكشف عن الزمان الآخر، الزمان الداخلى الجاف والمتصلّب، ذلك الزمان الذى يُجسّد فشل الوجود بفضائه، وإندحارالكينونة فى الخروج من حتمية «الديمومة الحسيّة» الزمنية وفق مفهوم بيرجسون.
ففى مسرحية “فى إنتظار جودو” كما فى مسرحية “ نهاية اللعبة” لصمؤيل بيكيت نجد أن الزمان يستبطن الانتظارفى زمان دائرى راكد، زمان متجمد، لا حركة فيه، فالشخصيات تعيش حالة من الروتين الحاد بفعل تكرار الأحداث وسقوط المعانى من اللغة والحوار بشكل دورى. فهو زمان مُستل من فلسفة هنرى بيرغسون، “زمان الديمومة الحسيّة”، إنه زمان معكوس ليتحول الى فخ وجودى، فالشخصيات محاصرة فى الحاضر أى فى “الآن” الذى يتكرر بلا نهاية، وبلا تقدم ولا تأخير حقيقى. فالإنتظار لا يحمل هدفًا ولا معنىً واضحًا، بل صورة مجسمة للزمان الدائرى، حيث خيبة الوجود الإنسانى فى زمان ملتوى على نفسه لا يستولد الاّ الإنتظار الأبدى. 
أما المكان فهو إنعكاس عن خواء الروح وإنسداد الأفق، ففى مسرحية “فى إنتظارجودو” يرمز الى طريق مهجور لا يفضى الى أى إتجاه، وشجرة جافة وحيدة فى أرض قاحلة، أما فى مسرحية نهاية اللعبة فالمكان يبدو أكثر قسوة حيث نجد غرفة صماء مغلقة أبديًا يغيب عنها الأفق تمامًا، فالمكان هنا، فى المسرحيتين، يُفرض كشرط حسيّ، لكنه يتحول الى مُعتقل نفسى يُلغى الإمتداد الحر، فالمكان يتحول الى “فخ زماني” يُغذى الانتظار ويحوله من فعل رتيب وممل الى شخصية درامية فاعلة وشاخصة الحضور. 
كذلك فإن الزمان والمكان، فى مسرحية “الكراسي” ليوجين أونيسكو، يُعاملا بطريقة تتحدّى الترتيبات التقليدية الساكنة، مما يعكس جوهر مسرح العبث، فالزمان والمكان يرمزان للوهم والفراغ الوجودى. فالزمان لا يتحدد بتاريخ دقيق واضح، حيث إن أزمنة الحاضر والماضى والمستقبل تتداخل فى ذكريات الزوجين العجوزين (الشخصيتين الرئيسيتين) بصورة متناقضة، لهذا مثلًا، يُشار الى زمنٍ مستقبلى بعيد، (على مبعدة 400 ألف سنة بعد حدوث كارثة ما)، ولكن هذا يحدث دون تسلسل زمنى، بل بلغة منثورة بعبث يشّع باللامعقول. المكان فى هذه المسرحية يتحدد بفضاء، ضمن جزيرة مدوٌرة، وبرج عالٍ، حيث يحيط بالجزيرة بحر راكد، والفضاء (المسرحي) معدّ بنوافذ وأبواب متناضرة توحى بأجواء المسرحية الملتبسة. يمتلئ هذا الفضاء بكراسى لضيوف غير مرئيين، مما يُحوّل ذلك الى مسرح داخل المسرح، (أو ميتا مسرح) وهو ما يُزيد من رمزية الوهم والاغتراب عن الواقع. يُحطّم أونيسكو المكان كوحدة تقليدية، ففضاء المسرح يبدو فارغًا، ولكنه مزدحم جدًا بالخيال، أما الدلالات فى استخدامات المكان والزمان، فى هذه المسرحية، فتكشف عن عمق الفراغ الانطولوجى أى مساقات العزلة الوجودية، فالكراسى الفارغة تعكس غياب الوجود الحقيقى، والحوارات المبتورة والمتناقضة والفاقدة للتسلسل المنطقى تعكس خيبة متبادلة لعدم القدرة على التفاهم، وإنعدام التواصل الإنسانى. وهو تكثيف لصراع الانسان بحثًا عن معنى لوجوده فى عالم لا معقول وعبثى، ومتناثر، ومشوش، ومتناقض. 
فى مسرحٍٍ آخر لا يصنف ضمن “مسرح العبث”، سأدرج عدد من الأمثلة، أولها مسرحية “ست شخصيات تبحث عن مؤلف” للويجى بيرانديلو، حيث الزمان والمكان يُطرحان بوصفهما فضائين غير متكاملين وغير ثابتين، غير أن هذين الفضائين يعكسان الحقيقة والوهم كفلسفة أساسية للمسرحية. فالزمان فى هذه المسرحية ليس بدائرة مغلقة تمثل الماضى، والحاضر، والمستقبل، بل كزمان مركّب ومعقد ومتداخل، حيث ان الماضى يعود حاضرًا من خلال ذاكرة الشخصيات، فالسردية الدرامية تقع فى الماضى فى حين ان الشخصيات يقومون بإحيائها فى الحاضر، أى فى “ الآن” على المسرح، فهى حالة مربكة من إحلال الزمن بذاته. 
المكان فى هذه المسرحية هو خشبة المسرح ذاتها حيث تقدم المسرحية، فالمكان اذن يتحول الى ميتا مسرح «metatheater» أى مسرحة «ما هو مسرحى» فى المسرح، أو مسرح داخل المسرح. فالمكان يتحول من سياقه التقليدى الى فضاء أكثر رحابة وإتساعًا ليسمح للشخصيات المسرحية بمسرحة الوقائع ضمن فضاء يناور بين الواقع والخيال. وفى نهاية الامر فإن الزمان والمكان، فى هذه المسرحية، ليسا مجرد إطارين للحدث، بل يستخدمان لصوغ السؤال الفاصل بين الحقيقية والوهم. فالزمان هنا يعود من الماضى ويستقر فى الحاضر، أما المكان فيتحول من سردية خيالية أو وهمية الى المسرح ذاته الذى يقدم فيه العرض المسرحى، حيث قام لويجى بيرانديلو بتحويل المسرح الى مختبر وجودى، حيث يفقد الزمان والمكان ثباتهما التقليدى وينفتحان امام الهوية المتشظية، والعبث، علاوة على إن ذلك يزيد فى التّورط بصراع خفى بين الذى يروى السردية، وبين من يُروى له. 
فى عالم آخر هو عالم الكاتب المسرحى البريطانى هارولد بينتر Harold Pinter يُعدّ مفهومى الزمان والمكان كأعمدة أساسية لمسرح الذاكرة او “مسرح التهديد”، فبينتر لا يتعامل مع هذين المفهومين كوحدات فيزيائية ثابتة، بل كأدوات سيكولوجية معقدة. فالزمان يُختزل بإجواء من التوتر النفسى، بينما يتقلص المكان الى مساحة مغلقة، ولكن بترابط هذين المفهومين فى المسرح، ينشأ عالم تعسفى مغلق، ومعبأ بالإحساس بالإختناق والقمع، عالم داكن مشحون بسنوات من التوتر، ضمن سردية النص الدرامى، ليُكشف فيها عن توترات العلاقات الاجتماعية. 
ولتوضيح مفهومى الزمان والمكان فى السياق الدرامى لبينتر، لننظر أولا الى المكان بحدوده الخانقة كما فى معظم مسرحياته، فالمكان غالبًا ما يكون غرفة واحدة صغيرة وضيقة، لأن المكان لا يُشكّل خلفية مجرّدة للاحداث، بل هو شخصية درامية بحدّ ذاتها. لذلك فالغرفة تُمثل عالمًا داخليًا آمنًا تحاول شخصيات المسرحية حمايته من تهديدات العالم الخارجى المجهول، فالمكان هنا يتحول الى ملجأ أو أرض خارج المعركة الخارجية المجهولة. المكان يتخذ أيضا ادوارًا أخرى مختلفة، فيتحول الى أداة للسلطة، حيث إن السيطرة على المكان تعنى السيطرة على الحقيقة. فالشخصية التى تملك الحق فى الجلوس على الكرسى او السماح بالدخول او حتى فتح النافذة هى الشخصية التى تفرض سلطتها الدرامية، أى الشخصية التى غالبا ما تزيد من الإحساس القسرى بالاختناق بسبب ممارساتها التعسفية الاضطهادية. ولكن المكان، نفسه، عند بينتر يدعوالى الرهاب Claustrophobia فهولا يحمل أمانًا حقيقيًا، حيث إن المكان «الداخلى» يتم اختراقه وتجاوزه دائمًا عبر زوار غرباء مما يُحوّل الملجأ الى معتقل والى ساحة إستجواب. 
أما مفهوم الزمان فلسفيًا عند بينتر فهو يتأثر بفكرة إن الماضى ليس حدثًا إنتهى، بل هو قوة فاعلة تُشكّل الحاضر، أى إن الزمان رخو وسائل، وبهذا فإن الذاكرة تصبح إنتقائية. لعل ذلك ما دعى بينتر الى إستخدام التسلسل الزمنى العكسى، أى أن يبدأ من النهاية ويعود الى الماضى كما فى مسرحيته “الخيانة” Betrayal ليثبت بأن معرفتنا بالنتائج تغير فهمنا للأسباب التى أفضت لها، فالذاكرة تصبح أداة تضليل حيث إن الزمان عند بينتر ليس موضوعيًا، بل “ذاتيّ”. فالشخصيات تتذكر أحداِثًا متناقضة عن نفس اللحظة الزمنية، بإعتبار إن الزمان لا يُمثل مرجعًا صادقًا ونهائيًا للحقيقة، بل يتحول الى منصة للصراع الشخصى، حيث تُعيد كل شخصية، من شخصيات المسرحية، صياغة ماضيها ليناسب إحتياجاتها الآنية. كذلك فإن بينتر يستخدم الصمت والتعثر او الوقفات فى الكلام كلحظات يتوقف فيها الزمان الخارجى ليتيح للمتفرج سماع دويّ الصراعات الداخلية تحت السطح. ولهذا يتضح بإن المكان والزمان يرتبطان بشكل وثيق ليخلقا حالة من الشك واللايقين، وبإيجاز تام، فإن المكان عند بينتر هو الحدود التى ندافع عنها، اما الزمان فهو المادة الخام التى نعيد تشكيلها للهرب من الحقيقة او لمواجهتها، فالمكان دائمًا ضيّق ومحاصر، فى حين ان الزمان رخو، وسائل وغير موثوق. 
فى المسرح الملحمى لبرتولت بريخت، يُعتبر مفهومى «الزمان والمكان» من الأسس الجوهرية التى أعاد صياغتها بريخت انطلاقًا من الفلسفة الماركسية الجدلية التى تهدف الى تغيير العالم وليس محاكاته، وهكذا يصبح كلّ من الزمان والمكان أدوات أيديولوجية، ولكن تجريدية لتفكيك الوعى البورجوازى وإعادة تشكيله. وبهذا فقد إبتعد عن الرؤيا الارسطية لمفهومى “ الزمان والمكان” اللذان يُفضيان الى “الإيهام” فى المسرح، حيث جعل من هذين المفهومين أدوات للنقد والتحليل. فالزمان والمكان عند بريخت ليسا مجرد خلفية للسردية الدرامية، بل هما سياق إجتماعى وإقتصادى، وبهذا يكون «الإنسان» فى السردية البريختية إبن ظروفه الزمنية والمكانية وهو يشدد على إمكانية تغيير هذه الظروف. 
الزمان عند بريخت زمان منقطع أى غير متدفق وغير مستمر، فهو ينتقل بقفزات زمنية فى سرديته، كما فى مسرحية “الام الشجاعة”، هذا الانقطاع يُلغى الوهم عند المشاهد ويجعله يتسائل حول مصيرالشخصية، داخل السردية الدرامية، ويحلٌل مالذى أنتجته السنوات (فى زمن المسرحية)، مع ملاحظة أن بريخت غالبًا ما يضع «لافتات أو شخصية الراوى» فى بداية المشهد للكشف عن نتائج الحدث ما يجعل الجمهور متيقظًا ومشاركًا فى الاحداث التى تهدف الى عرض ونقد الحاضر السياسى والاجتماعى والاقتصادى. 
أما المكان عند بريخت فهو بمثابة «مختبر سوسيولوجى» أى إقصاء الديكور الواقعى وجمالياته. فمثلًا بدلًا من بناء غرفة واقعية كاملة يكتفى بريخت بوضع إطار لنافذة أو باب أو ببساطة وضع لافتة تصف مضمون الديكور، فهو لا يلتزم بمكان واحد فى مسرحياته كما فى الام الشجاعة، فالشخصيات تتنقل بين الأماكن إشارة الى عدم إستقرار الانسان فى ظل الأنظمة الإستغلالية. كذلك يُبرز بريخت المكان كقوة قاهرة وكعنصر ضغط على الشخصيات، مثل ساحة الحرب والقتال، ليكـشف عن كيفية تأثير المحيط المادى على وعى الانسان وسلوكه. 
إن حالتى الزمان والمكان عند بريخت ينزعان الالفة من المتفرج، ويؤثرا بشكل مباشر وملموس على تشكيل حالة «الاغتراب» التى يتحسسها طيلة مدة العرض المسرحى، حيث لا يندمج المتفرج بأحداث المسرحية لا زمانًا ولا مكانًا بل يبقى يقظًا واعيًا محاولًا فهم وتفسير الاحداث، علاوة على أن التلاعب بالزمان والمكان يمنع الإندماج والتوحد مع أبطال المسرحية، فالمتفرج لا يتيه فى زمان أو مكان شخصيات المسرحية ويبقى نبهًا ومراقبًا، من الخارج، يحلّل وينقد الأوضاع الاجتماعية، وصيغ الصراع الطبقى التى تفرزها سردية العمل. 
أما الكاتب والمخرج والمنظّر أنتونين آرتو، وهو واحد من أكثر المتمردين تأثيرًا فى تاريخ المسرح والفلسفة، فيقصى تماما مفهومى الزمان والمكان عن الفهم التقليدى معتبرًا المسرح “فضاءً جسديًا” خالصًا، حيث لم يعد المكان حيزًا جغرافيًا، إنما أصبح إمتدادًا عضويًا للجسد وللصرخة الغاضبة العنيفة، أما الزمان عنده فقد تحوّل إلى لحظة وحشية متفجرة تأبى المنطق المتسلسل، مستلهمًا من بيرجسون مفهوم الديمومة الحسيّة سعيًا الى إيقاظ وإستنهاظ اللاوعى عبر الأصوات والصراخ وزخم التشكيل والصور، متجاوزًا عقم الكلمات وجمود اللغة، حينها يستحيل العرض المسرحى الى طقس بدائى يُعيد صياغة الوجود فيغدو المكان جسدًا جماعيًا يتلوى تحت سوط الزمان الآنى وعنفه، إنه مسرح القسوة الذى أراد به آرتو تحطيم الرؤية النمطية للعالم وتفتيت الادراك الحسّى السائد لدى المتفرج.
لم يقف آرتو عند حدود المكان كإطار مادى بارد، إنما جعل منه أداة لإستحضار القوى الكامنة التى تستنهض الوعى المتمرد، لذا فقد قاد ثورة على «مسرح العلبة» وخشباته التقليدية التى تبنى جدران العزلة بين الممثل والجمهور، مقترحًا فضاءً أكثر رحابة وشمولًا. لقد دعا آرتو الى الغاء المسافات الفاصلة، جاعلًا الجمهور فى قلب الحدث، ليكون محاصرًا بفيض «مسرحى» ينهمر عليه من كل جانب. ثم يتحول المكان من مساحة للعرض الى فضاء ميتافيزيقى يبتلع الحواس. فالفضاء المسرحى عند آرتو لم يعد مجرد ديكورًا صامتًا، إنما أصبح كائنًا حيًّا ينبض بالضوء والصرخات مؤثثًا الفراغ ليكون أداة لتطهير الروح، أو ربما آلية متقدمة للتعذيب عبر نكهات الألم، وبجماليات لا ترتكن الى معايير المجتمع. ولأن اللغة المنطقوقة قاصرة عن بلوغ رؤياه، فقد إستبدلها بلغة الفضاء الحر، الفضاء الخام، حيث الحركة والايماءة والرقص الفطرى هى التى تمنح المكان معناه المادى الوجودى عبر إشارات وحركات تعبيرية تخاطب الوجدان دون حاجة لوساطة الكلمة المكتوبة.
وبهذا يصبح الزمان عمودى وطقسى، ينسلّ من رحم الحلم أو الغيبوبة، ليجرد المتفرج من قيود الزمان المألوف الذى تقيسه عقارب الساعة، لهذا فإن الزمان عند آرتو لم يعد مجرد لحظة مغتصبة، إنما هو يسعى للتشبع التام فى «الآن» المطلق، تلك اللحظة اللا نهائية التى شبهها آرتو بالطاعون، باعتبار أن كليهما (الزمان والطاعون) يُوقف المسار الرتيب للحياة، ويُجبر البشر على مواجهة مصائرهم وحقائقهم العارية، فى ومضة عنيفة وخاطفة من الزمان.
بمعنى آخر فإن الزمان هو رحلة عودة الى الينابيع الأولى، الى الزمان الإسطورى الذى تذوب فيه الحواجز بين الروح والمادة، ويستعيد فيه الإنسان إتصاله المفقود بالقوى الخفية للكون. أى إنها لحظة مكاشفة جريئة تسعى لاختراق حجب الميتافيزيقيا والغوص فى غيبوبة اللحظة الآنية. فى دراما آرتو يتحول الزمان الى إيقاع صوتى، ونبض صرخات تسحق التدفق التقليدى للأحداث، محطمة الوعى الزائف لتمنح المتفرج حالة من النشوة الكفيلة بإعادة صياغة كينونته من جديد. 
(يتبع القسم الثانى والأخير)


علي ماجد شبو