لا نقابة لكادحي مسرح التربية النوعية.. لماذا؟

لا نقابة لكادحي مسرح التربية النوعية..  لماذا؟

العدد 997 صدر بتاريخ 5أكتوبر2026

حين يطلب مدير إحدى المدارس من أخصائى المسرح أن يتنازل عن حصته الدراسية لصالح معلم اللغة العربية أو اللغة الإنجليزية أو الرياضيات، فإن الأمر لا يبدو فى ظاهره سوى إجراء إدارى عابر تفرضه ظروف الجدول أو عجز المعلمين، لكنه فى حقيقته يكشف أزمة أعمق بكثير من مجرد إعادة توزيع للحصص، إنها أزمة نظرة كاملة إلى المسرح المدرسى وإلى المتخصصين فيه، وأزمة اعتراف بدور الفن داخل المؤسسة التعليمية، وأزمة غياب جهة مهنية تستطيع أن تقول بوضوح إن هذه الحصة ليست ملكًا لأحد حتى يمنحها أو يسحبها وفقًا لاحتياجاته، وإنما هى جزء أصيل من المنهج التربوى الذى يهدف إلى بناء الإنسان، وهنا يبرز السؤال الذى يتردد فى أذهان آلاف خريجى كليات التربية النوعية، تخصص المسرح، إذا تعرض أخصائى المسرح لهذا التعسف الإدارى، أو حرم من ممارسة تخصصه، أو كلف بأعمال لا تمت إلى دراسته بصلة، أو ألغيت أنشطته لأن الإدارة ترى أنها أقل أهمية من غيرها، إلى من يلجأ؟ ومن يدافع عنه؟ ومن يملك حق مساءلة من صادر حقه فى ممارسة عمله؟ والإجابة المؤسفة أن هذا المتخصص، رغم سنوات الدراسة والتأهيل الأكاديمى، يجد نفسه غالبًا بلا كيان نقابى أو مهنى متخصص يحمل قضاياه أو يدافع عن حقوقه، فيصبح الحلقة الأضعف داخل منظومة تعليمية تعانى أصلًا من أزمات متراكمة.
إن الأزمة لا تكمن فى شخص مدير مدرسة أو مسؤول إدارى، وإنما فى ثقافة مؤسسية ترسخت عبر سنوات طويلة، ترى أن المسرح نشاط ترفيهى يمكن تأجيله أو إلغاؤه متى دعت الحاجة، بينما تنظر إلى بقية المواد الدراسية باعتبارها وحدها صاحبة القيمة الحقيقية، وهى نظرة تتناقض بصورة صارخة مع ما انتهت إليه النظريات التربوية الحديثة، فالفيلسوف الأمريكى جون ديوى أكد أن التربية ليست عملية تلقين، وإنما خبرة حياتية متكاملة، وأن التعلم الحقيقى يحدث عندما يمارس المتعلم الخبرة بنفسه، وهو ما يجعل المسرح أحد أكثر الوسائل التعليمية قدرة على تحويل الأفكار المجردة إلى مواقف إنسانية يعيشها الطالب ويتفاعل معها، وهى وظائف يؤديها المسرح بصورة طبيعية لأنه يعلم الطفل أن يسأل قبل أن يحفظ، وأن يناقش قبل أن يكرر، وأن يفكر قبل أن يطيع، ولذلك لم يعد المسرح المدرسى فى النظم التعليمية المتقدمة نشاطًا هامشيًا بل أصبح أحد أهم أدوات بناء الشخصية وتنمية المهارات الحياتية.
إن الطفل الذى يقف فوق خشبة المسرح لا يتعلم فقط كيف يلقى جملة أو يؤدى شخصية، وإنما يتعلم الانضباط واحترام الوقت والعمل الجماعى والقدرة على التواصل والثقة بالنفس وتحمل المسؤولية، ويتعلم كذلك كيف يصغى إلى الآخر، وكيف يحترم الاختلاف، وكيف يدير الحوار دون عنف، وهى مهارات أصبحت اليوم من أهم مؤشرات جودة التعليم فى العالم، ولذلك فإن كل دقيقة تضيع من المسرح المدرسى لا تعنى ضياع نشاط فنى فحسب، وإنما تعنى ضياع فرصة تربوية كان يمكن أن تسهم فى بناء مواطن أكثر وعيًا واتزانًا، ومن هنا تبدو المفارقة شديدة القسوة، فبينما تتحدث الخطط الرسمية عن بناء الإنسان المصرى، وعن تنمية الإبداع والابتكار، يظل المسرح المدرسى، وهو أحد أكثر الوسائل قدرة على تحقيق هذه الأهداف، يعانى من التهميش، ويظل المتخصصون فيه يعملون دون حماية مهنية حقيقية.
وتزداد هذه المفارقة وضوحًا إذا نظرنا إلى خريجى كليات التربية النوعية، تخصص المسرح، فهؤلاء لم يلتحقوا بتخصص عابر أو هواية مؤقتة، وإنما درسوا سنوات طويلة نظريات التربية وعلم النفس، والإخراج، والتمثيل، والسينوغرافيا، والكتابة المسرحية، وطرق تدريس المسرح، والتطبيقات التربوية للفنون، ثم تخرجوا ليكتشفوا أن تخصصهم لا يمتلك كيانًا نقابيًا مستقلًا يعبر عنه، ولا مؤسسة مهنية تتحدث باسمه، ولا جهة تستطيع الدفاع عن حقوقه عندما يتعرض للتهميش داخل المدرسة، وهو وضع يخلق شعورًا دائمًا بأن هذا التخصص أقل قيمة من غيره، رغم أن أثره التربوى لا يقل أهمية عن أى تخصص آخر، بل إنه يتكامل معه فى صناعة الشخصية المتوازنة التى تحتاجها الدولة والمجتمع.
ومن هنا فإن المطالبة بكيان نقابى أو مؤسسى مستقل ليست مطالبة فئوية ضيقة، ولا محاولة لإضافة نقابة جديدة إلى المشهد النقابى، وإنما هى مطالبة بإعادة الاعتبار إلى تخصص أكاديمى كامل، وإلى آلاف المتخصصين الذين يؤدون دورًا تربويًا وثقافيًا لا يمكن الاستغناء عنه، فهذا الكيان المنشود لن تكون مهمته المطالبة بالمزايا المالية وحدها، بل الدفاع عن حق أخصائى المسرح فى ممارسة تخصصه، والتصدى لأى ممارسات تنتقص من دوره داخل المدرسة، والمشاركة فى تطوير اللوائح المنظمة للنشاط المسرحى، وتوفير التدريب المهنى المستمر، والتواصل مع الجهات المعنية من أجل ترسيخ مكانة المسرح المدرسى بوصفه جزءًا من المنهج التربوى، لا نشاطًا يمكن الاستغناء عنه متى تغيرت أولويات الإدارة أو ازدادت ضغوط اليوم الدراسى، فالمجتمع الذى يحمى معلم المسرح، إنما يحمى فى الحقيقة حق أطفاله فى تعليم أكثر إنسانية، وأكثر قدرة على صناعة العقل والوجدان معًا.
ولا تتوقف الأزمة عند حدود المدرسة، بل تمتد إلى الجامعة، وهى المؤسسة التى يفترض أن تكون الحاضنة الطبيعية للإبداع، والمعمل الحقيقى لتخريج الفنانين والباحثين والنقاد وصناع المستقبل، إلا أن واقع المسرح الجامعى يكشف هو الآخر عن مجموعة من التحديات التى تستحق التوقف أمامها، فالطالب الذى يدخل الجامعة وهو يحمل شغفًا بالمسرح يكتشف سريعًا أن الطريق إلى تقديم عرض مسرحى ليس مفروشًا بالرغبة والإبداع وحدهما، وإنما تحكمه شبكة معقدة من الإجراءات الإدارية، وتعدد الموافقات، وضعف الميزانيات، وندرة المسارح المجهزة فى بعض الجامعات، إلى جانب تفاوت الاهتمام بالنشاط المسرحى من إدارة جامعية إلى أخرى، وهو ما يجعل مستقبل النشاط المسرحى فى بعض الأحيان مرتبطًا بمدى اقتناع القيادات الجامعية بقيمة المسرح وأهميته، فحين تجد الإدارة الجامعية فى المسرح وسيلة لبناء شخصية الطالب يزدهر النشاط، وتفتح المسارح، وتقدم التسهيلات، وتولد التجارب الجديدة، أما عندما ينظر إليه باعتباره نشاطًا ثانويًا يمكن تأجيله أو تقليصه، فإن اللوائح الإدارية تصبح أكثر تعقيدًا، والإجراءات أكثر بطئًا، فيفقد كثير من الطلاب حماسهم قبل أن تبدأ تجربتهم الأولى.
ورغم أن الجامعات المصرية كانت على مدار تاريخها مصنعًا حقيقيًا لكبار الفنانين والمخرجين والكتاب، فإن المسرح الجامعى ما زال فى حاجة إلى رؤية مؤسسية أكثر وضوحًا، تعترف بأنه ليس مجرد نشاط ترفيهى داخل الحرم الجامعى، وإنما مساحة للتدريب على القيادة، والعمل الجماعى، والابتكار، والبحث العلمى، والتعبير الحر المسؤول، فالجامعة التى تسمح لطلابها بالتجريب والإبداع تنتج خريجين أكثر قدرة على التفكير النقدى، وأكثر استعدادًا للمشاركة فى الحياة العامة، بينما الجامعة التى تضيق مساحات النشاط الثقافى والفنى، حتى وإن التزمت باللوائح، فإنها تخسر جانبًا مهمًا من رسالتها التعليمية، لأن المعرفة لا تنمو داخل قاعات المحاضرات وحدها، وإنما تنمو كذلك فوق خشبة، المسرح، وفى قاعات الموسيقى، وداخل المعارض الفنية، وفى كل مساحة تسمح للطالب بأن يكتشف ذاته ويختبر قدراته.
ومن هنا تتكامل أزمة المسرح المدرسى مع أزمة المسرح الجامعى، فكلاهما يعانى فى أحيان كثيرة من غياب رؤية تعتبر المسرح ضرورة تربوية وثقافية، لا مجرد نشاط إضافى، وكلاهما يحتاج إلى سياسات أكثر استقرارًا، وإلى لوائح تشجع الإبداع بدلًا من أن تعرقله، وإلى مؤسسات تدافع عن حق المتخصصين والطلاب فى ممارسة نشاطهم الفنى باعتباره جزءًا من العملية التعليمية، لا عملًا هامشيًا يخضع لتغير الإدارات أو اختلاف الأولويات، وقد يظن البعض أن الحل يكمن فى الانضمام إلى نقابة المهن التمثيلية، غير أن هذا التصور لا يعالج جوهر القضية، لأن طبيعة النقابة واختصاصاتها المهنية ترتبط فى الأساس برعاية الممثلين والعاملين فى مجالات الأداء الفنى والتمثيل، وبمتابعة حقوقهم المهنية وفرص عملهم فى مجالات الإنتاج المسرحى والدرامى والسينمائى، وهو دور مهم لا خلاف عليه، لكنه يختلف بطبيعته عن احتياجات أخصائى المسرح المدرسى أو الأكاديمى، فهؤلاء يواجهون قضايا تتعلق باللوائح التعليمية، والتوصيف الوظيفى، والحقوق المهنية داخل المؤسسات التعليمية، والتطوير الأكاديمى، وهى ملفات تحتاج إلى جهة متخصصة تمتلك المعرفة بطبيعة هذا المجال وتستطيع الدفاع عنه أمام المؤسسات المعنية.ولهذا فإن إنشاء كيان نقابى أو مهنى مستقل لخريجى التربية النوعية، تخصص المسرح، لم يعد رفاهية تنظيمية، بل أصبح ضرورة لحماية تخصص أكاديمى كامل من التهميش، وللدفاع عن حقوق آلاف المتخصصين الذين يعملون فى المدارس والجامعات والمؤسسات الثقافية، وليكون شريكًا فى تطوير المسرح التربوى، وإعداد البرامج التدريبية، والمشاركة فى مناقشة التشريعات واللوائح، وتقديم الدعم القانونى والمهنى لأعضائه، كما يمكن أن يكون حلقة وصل حقيقية بين وزارات التربية والتعليم، والتعليم العالى، والثقافة، بما يسهم فى صياغة استراتيجية وطنية للنهوض بالمسرح التعليمى، إن القضية فى جوهرها ليست قضية نقابة جديدة، وإنما قضية اعتراف، اعتراف بأن المسرح المدرسى والجامعى ليسا نشاطين يمكن الاستغناء عنهما، وإنما ركيزتان من ركائز بناء الطفل، واعتراف بأن خريج التربية النوعية، تخصص المسرح، ليس موظفًا يؤدى مهمة ثانوية، بل متخصص يحمل رسالة تربوية وثقافية لا تقل أهمية عن أى رسالة تعليمية أخرى، وإذا كانت الدولة تتحدث اليوم عن بناء الطفل المصرى، فإن هذا البناء لن يكتمل إلا عندما يحصل المسرح على المكانة التى يستحقها داخل المدرسة والجامعة، وعندما يجد من يعملون فى هذا المجال كيانًا مهنيًا يحميهم، ويدافع عن حقوقهم، ويضمن أن يبقى المسرح حاضرًا فى قلب العملية التعليمية، لا على هامشها، لأن الأمم التى تريد صناعة مستقبل مختلف لا تبدأ ببناء الجدران، وإنما تبدأ ببناء الإنسان، والمسرح كان وسيظل أحد أكثر أدوات هذا البناء تأثيرًا وعمقًا.


حسن عبد الهادي