العدد 972 صدر بتاريخ 13أبريل2026
كيف يمكن لشكل من أشكال التمثيل - مسرحية فى مسرح - أن يكون أمرًا جادًا؟ ربما لا يوجد شكل آخر من أشكال النشاط البشرى أكثر تناقضًا فى ظاهره. علينا أن نقول إن المسرح مرح وجاد فى آن واحد، وبينما هو مخادع بمعنى ما، فهو صادق بمعنى آخر. هل يمكن استخلاص فئة معينة من الحقائق لفحصها فقط من خلال أوهام ماكرة؟ وما هى أنواع الأوهام المختلفة؟ لقد عرّفنا أفلاطون بفكرة أن الواقع الجزئى لا يمكن الكشف عنه إلا من خلال الشكل المثالى الذى يمثله. فما هو خيالى يتوافق مع كونه مثالًا، لا يكشف فقط عن نفسه، بل يكشف عن الجزئى الذى يمثله كمثال عليه. ولكن أيضًا، كما هو معروف - كما كان أفلاطون مدركًا- فان خيالية المسرح تتوافق مع كونه هروبًا من واقع يخدع الذات. أن جاذبية المسرح تتراوح بين العظمة المظلمة والإغراء المريب فينزلق أمامنا كطبقة زيتية متلألئة على المحيط.
لا بد أن يبدو هذا الفن متناقضًا بالنسبة لنا بسبب طرق وصفه وتصنيفه التى لا جدال فيها، والتى تثير تساؤلات مضللة بشأنه. على سبيل المثال: خارج المسرح، نرى الواقع نفسه، ولكن كيف لنا أن نرى أى شىء آخر غير المظهر، مهما كان جذابًا ومنعشًا، عندما نشاهد ما يُعرض على خشبة المسرح؟ خارج المسرح، يكون المرء على طبيعته، بينما على خشبة المسرح، يتظاهر شخص بأنه شخص آخر، ويفعل ذلك لأشخاص يبحثون عن التسلية فى عالم الخيال على مستوى اجتماعى رفيع ومصطنع. فكيف لنا أن نكون إلا منفصلين ومنصرفين عن مهامنا الجادة أثناء وجودنا فى المسرح؟
والآن، دعونا نطرح أسئلة أخرى للرد على هذه الأسئلة. ماذا لو لم يكن بوسعنا إدراك الواقع إلا من خلال المظهر؟ ماذا لو كان المسرح يُجسد، بطريقة موضوعية ومتعمدة، ما يحدث بالفعل دون وعى فى تطور الذات، وبالتالى يُوسعها ويُكملها - أى يدمج طرق وجود الآخرين ونظرتهم لأنفسهم، بشكل محاكٍ، فى وعينا؟ ماذا لو كانت الحياة حياة إنسانية لأنها تتوسطها خيالات ومعتقدات جماعية حول كل حياة، وأن المسرح والفنون الأخرتعبر عن هذه الوساطة وتُكملها؟ وماذا لو كان ما نرفضه باعتباره ترفيهاً درامياً، يُمكن أن يكون تتويجاً لوجودنا؟
سأجادل بأن المسرح هو، أو يمكن أن يكون كذلك، هو كل هذا، وبالتالى يجب أن تنهار الفروق المألوفة، التى نحللها تقليديًا، والتى أحاطت بدراسته، أو أن نُعدّل: المظهر والحقيقة؛ الخيال والحقيقة؛ والذات والآخر؛ المفيد والمسلى. ونعيد صياغة كل هذه الفروق من الأساس؛ فبعضها فى النهاية بالكاد يمكن التعرف عليه.
الرؤية التى سأطرحها هى كالتالي: المسرح هو تتويج للمسار الرئيسى للتطور البشرى، وهو تطور يشبه المسرح فى منعطفات حاسمة. ومن خلال تحليل الأعمال المسرحية، يمكننا أن نرى بوضوح الشروط المسرحية لتماسك ووجود الذوات الحقيقية، بتوسع يكفى لرؤية شروط قد تغيب بسهولة. فمن الناحية الزمنية، تأتى المشاركة فى المسرح، بأى معنى حرفى ودقيق، متأخرة نسبيًا فى حياة الفرد، إن أتت أصلًا. لكن معرفة مبادئ المسرح تُلقى الضوء على شروط مماثلة للوجود الإنسانى، والتى يجب فهمها قبل أى شيء آخر فيما يتعلق بالذات. وبالتالى، فإن المسرح لاحق تاريخيًا، ولكنه سابق وجوديًا أو منطقيًا.
من المؤكد أن أحد أكبر العقبات التى تحول دون فهم المسرح هو كثرة الأمور التى تُعتبر «صحيحة بشكل واضح» والتى قيلت عنه، وهى مواقف تخفى تحيزات عميقة، وغموضًا، والتباسًا. على سبيل المثال، نصيحة هاملت الشهيرة للممثلين، والتى يُعتقد عادةً أنها تُجسد وصفة شكسبير الخاصة للمسرح وأنها صحيحة بشكل بديهى، مليئة فى الواقع بالمشاكل.
اجعل الفعل متوافقًا مع القول، والقول متوافقًا مع الفعل؛ خاصة مع مراعاة ألا تتجاوز حدود الطبيعة: لأن أى شيء مبالغ فيه يكون بعيدًا عن الغرض من اللعب، الذى كان هدفه، فى البداية والآن، هو أن يكون بمثابة مرآة للطبيعة؛ أن يُظهر الفضيل ملامحها، ويحتقر صورتها، وعصر وجسد الزمن نفسه شكله وضغطه.
يكمن الغموض الجوهرى فى استعارة رفع المرآة أمام الطبيعة فى أنها توحى بأن استخدام المرآة قد يكون ضروريًا لكى ترى الطبيعة نفسها (لترتيب جمالها، ربما؟)، ولكن قد لا يكون ضروريًا لأى مراقب للطبيعة - مهما كان متعاليًا أو مثاليًا - أن يستخدمها لرؤيتها. فالمراقب يستطيع رؤية الطبيعة مباشرة، وربما يكون قد أخبرها ببساطة عن سماتها. والطبيعة تستخدم المرآة فقط لتجعل وجهها واضحًا لنفسها، ولكنهذا لا يوضح إلا نقاطًا كان من الممكن من حيث المبدأأن تتكشف لها بطريقة أخرى. والمسرح ببساطة يعيد إنتاج ما هو مفهوم بالفعل، أو ما هو قابل للفهم بالفعل، على الأقل من قبل شخص ما فى مكان ما، بشكل صارخ ونابض بالحياة. وبالتالى، فإن المسرح باعتباره مرآة هو أمر زائد عن الحاجة.
لكن ثمة قراءة أخرى، أقل وضوحًا، لهذه الاستعارة تتبادر إلى الذهن، وهى أقرب إلى واقع الأداء المسرحى، فى رأيى، ومع ذلك فهى أكثر صعوبة، وربما مستحيلة، كتفسير حرفيً بحت: لا يوجد مراقب متعالٍ أو مثالى - أو على الأقل هذا المراقب لا يتواصل معنا إطلاقًا - ونحن البشر نقف معًا، جنبًا إلى جنب مع أشياء أخرى من الطبيعة، متجهين فى اتجاه واحد فقط نحو فراغ. لا نستطيع الالتفات للنظر مباشرة إلى بعضنا البعض. إذن، قد يكون وضع مرآة المسرح فى مواجهة الطبيعة، وفى مواجهة طبيعتنا المشتركةالخاصة بنا، هو السبيل الوحيد (أو ربما السبيل الأول الوحيد) لرؤية ملامح معينة من وجوهنا وأنفسنا. إذن، لن نتمكن من إدراك الواقع إلا من خلال المظاهر، التى سيكون بعضها فنيًا وخياليًا بشكل لا يمكن اختزاله.
لا يمكننا البدء فى شرح جدية المسرحية، فى رأيى، إلا من خلال هذه القراءة الثانية؛ وكيف تستحوذ على ضمائرنا - ووعينا - وتكشف الحقائق؛ على الأقل كيف تفعل ذلك عندما تكون أبعد ما تكون عن مجرد ترفيه. بمجرد أن نتجاوز هذا الجانب من الغموض المحورى فى استعارة المسرح كمرآة، نرى أفقًا جديدًا من التحقيقات، ونتحرر من قبضة الصياغات الخاطئة القديمة للأسئلة: على سبيل المثال، كيف يمكن للفن أن يكون إبداعيًا، ومن ناحية أخرى مُستنسخًا أو مُحاكيًا؟ أو، كيف يمكن أن يكون هناك جنس مشترك لكل من الفن التمثيلى والفن غير التمثيلى؟ لكن إذا كانت «مرآة» الفن هى السبيل الوحيد، أو أحد السبل الأساسية التى لا يمكن اختزالها، لرؤية أنفسنا، وإذا كانت رؤية أنفسنا أساسية لما نحن عليه كذوات، فإن رؤية الذات تعنى إحداث تغيير فى الذات بمجرد الرؤية. إن رؤية ما نحن عليه فعلاً هى رؤية هذا كمثال فقط على الإمكانية التى يطرحها الخيال، وهى رؤية هذه الإمكانية كواحدة من بين إمكانيات عديدة. إن معرفة الأشخاص لبعضهم البعض هى حالة خاصة من ادعاء معرفى عام لا يمكن المبالغة فى تأكيده: فنحن لا ندرك ما هو كائن إلا بعد أن نتخيل ما يمكن أن يكون عليه. ولا نرى ماهية الشىء إلا بعد أن نتخيل كيف يمكن أن يكون هناك أى شىء ممكن من هذا القبيل.
إن رؤية أنفسنا تُثير حتمًا السؤال الجذاب: ما الذى يمكن معرفته أكثر لكى يقدّم لنا مجموعة من الطرق الممكنة للوجود. إن القيام بفعل المعرفة هو تجاوزها. فحتى إعادة إنتاج أنفسنا «بشكل واقعي» ينطوى على فعل إبداعى من خلال الخيال، وهو يختلف تمامًا عن رفع المرآة بالمعنى الحرفى. ومن هنا، فإنّ الثنائية الصارمة التى تفصل الفن المستنسخ أو التمثيلى عن الفن غير المستنسخ أوغير التمثيلى - «الإبداعى الخالص» – تتلاشى بشكل ملحوظ.
لنأخذ مثالاً آخر على وصفٍ يبدو «صحيحاً» للمسرح، ولكنه مع ذلك يُخفى مشاكل جوهرية، ألا وهو محاولة إريك بنتلى لتلخيص المسرح إلى جوهره: (أ) يُقلّد (ب) نيابةً عن (ج) آخر. يبدو هذا الوصف فى ظاهره صحيحاً، وهو ليس مُضللاً. وبالتأمل، ندرك أنه لا حاجة لنص مكتوب فى أى عرض مسرحى وأن وجود ممثل واحد على الأقل ضرورى؛ فالعروض التى لا تضم ممثلين يُمكن أن تُولّد وجهة نظر مسرحية، ولكنها تُعتبر حالاتٍ هامشيةً للمسرح الحقيقى. يجب أن يكون هناك جمهور واحد على الأقل، لأن الجمهور - سواءً كان حقيقياً أو مُحتملاً - عنصر أساسى فى كل فن (ولا نشكك هنا فى مكانة الفنان كجمهوره). علاوة على ذلك، يجب أن يكون هناك تقليد بمعنى ما. بما أن الحوض، أو المكعب، أو التفاحة لا يمكن النظر إليها مسرحيًا دون أن تصبح رموزًا فيسيولوجية عامة، دون أن تمثل جميع الأحواض، والمكعبات، والتفاح الممكنة، فكذلك لا يستطيع الممثل الوقوف على خشبة المسرح دون أن يمثل نوعًا من الإنسانية. سيحدث هذا التوصيف حتى مع أنه لا يوجد نص مكتوب، ولا يُعطى لشخصيته اسم، ولا ينطق بكلمة. نحن نتعرف عليه كنموذج فى عائلة البشر، وحقيقة أننا نتواجد فى حضوره ونتعرف عليه على هذا النحو تُضفى عليه الشرعية؛ وبما أننا نقف مع الشخصية فقط من خلال وقوفه معنا، فهو يُضفى علينا الشرعية. هناك اتفاق، وتحالف.
لكنّ عبارة بنتلى «يُقلّد» يجب أن تُنبهنا. فلا يُمكن اعتبار حتى أكثر أنواع التقليد مهارةً فنًا راقيًا. مهما كانت دلالة التقليد، ومهما كانت روعته، فإنّ مجرد التقليد بالنسبة للتجسيد كفن راقٍ، مثل الكاريكاتير بالنسبة للبورتريه كفن راقٍ. وكما أشار أرسطو، فإنّ الفن الراقى، من خلال تصويره للخاص، يكشف أيضًا عن الكلى، ذلك الذى يربطنا معًا فى رابطةٍ مشتركة. والخاص المُجسّد ليس بالضرورة أن يكون واقعيًا. فالفن الراقى يكشف عن تلك الخصائص والإمكانيات العامة للبشر التى يجب أن نكون قادرين على تخيلها إذا أردنا أن نتخيل كيف يمكن لأى إنسان واقعى أن يكون.
هذا ليس مجرد جدال عابر. فثمة خلل مفاهيمى هنا، أسميه ما قبل النقد، فى رأيى، يمنع بنتلى أفكار بنتلى القيمة والمثيرة للاهتمام من التبلور للوصول إلى أنماط الشخصيات بشكل منهجى. يصل الفن إلى المعانى العامة للأشياء من خلال «أفراد» يجسدهم كأفراد. ولو لم يكن الأمر كذلك، لما استطعنا تفسير تعلق التماهى الذى يشعر به الجمهور تجاه المسرحية. اذ يجدون ما ينطبق عليهم: الجانب العام الذى يتردد صداه فى داخل كل منهم، بحيث تُطرح مسألة الحياة. أما الممثل الماهر، من ناحية أخرى، فهو يثير فضولهم أو يدهشهم للحظة، كما قد يفعل فنان السيرك.
الهوامش
• بروس دبليو ويلشاير فيلسوفً أمريكى درس فى قسم الفلسفة فى جامعة روتجرز، والذى تقاعد منه كأستاذ فخرية فى عام 2009. بداية كمتخصص فى ويليام جيمس، أصبح معروفًا بعمله فى الفلسفة والمسرح، وانتقاداته للفلسفة التحليلية، واهتمامه بالفلسفة الأمريكية الأصلية. ومن أبرز كتبه فى المسرح «أداء الدور والهوية: حدود المسرح كاستعارة»
• هذا المقال هو الفصل الأول من كتاب «أداء الدور والهوية: حدود المسرح كاستعارة» الصادر عن مطبوعات Indiana University Press/Bloomington. وعنوان المقال بالانجليزية هو What is theater