«أنت منذ الأمس».. الماضي لم ينته بعد

«أنت منذ الأمس».. الماضي لم ينته بعد

العدد 997 صدر بتاريخ 5أكتوبر2026

على خشبة مسرح ميامي وضمن المسابقة الرسمية للدورة الثالثة والثلاثين التي أقيمت بالقاهرة خلال الفترة من 1 إلى 8 سبتمبر 2026، تم تقديم العرض الأردني “أنت منذ الأمس»، إعداد وإخراج د. عبد السلام قبيلات عن رواية «أنت منذ اليوم» للكاتب والشاعر الأردني الراحل تيسير سبول، إنتاج مسرح الشمس الأردني، ويشارك في بطولته: حياة جابر، بكر الزعبي، ثامر خوالدة، وطارق التميمي.
    ينطلق العرض من رواية سبول التي ارتبطت بصدمة هزيمة 1967، وحملت داخل عالمها آثار تلك الصدمة بما تركته من شعور بالهزيمة والاغتراب والشك، لكنه لا يعيد تقديمها كوثيقة تنتمي إلى زمن مضى، فرؤية المخرج بنيت على إعادة  فتح هذا الملف من موقع الحاضر الذي يضم أجيالاً لم تعش هذه المأساة، مستعينًا بأسئلة تيسير سبول التي طرحها وشخصية «عربي» بطل الرواية أمام زمن آخر هو حاضرنا، لتصبح المسافة بين اليوم والأمس، هي المساحة التي يتحرك فيها العرض، ومن هنا يبدو تغيير العنوان من «أنت منذ اليوم» إلى «أنت منذ الأمس» مفتاحًا أساسيًا لفهم الرؤية الإخراجية، فاليوم الذي كتب عنه سبول أصبح بالنسبة للعرض أمس، لكن هذا الأمس لم يتحول بالضرورة إلى زمن منته، فبعض الأسئلة التي طرحها مازالت عالقة، وتعود لتفرض وجودها على الحاضر.
    ينتقل العرض بين الأزمنة، عبر شاشة تطل منها فتاة من جيل اليوم تجلس في المقهى، وتقرأ رواية «أنت منذ اليوم»، في البداية تقف الشخصية خارج الحكاية، كقارئة تتأمل نصًا ينتمي إلى زمن سابق، لكن فعل القراءة لا يبقى في حدوده التقليدية، حيث تتحول الشاشة إلى بوابة تعبر من خلالها الفتاة إلى عالم الرواية، هذه النقلة من أكثر لحظات العرض دلالة، فالبطلة لا تكتفي بقراءة الحكاية، لكنها تدخل إليها وتنتقل من موقع المتلقي إلى موقع المشاركة، ثم تبدأ في تجسيد بعض شخصيات الرواية، وهكذا تتحول عملية القراءة إلى فعل مسرحي، ويتحول النص الأدبي إلى فضاء يمكن للشخصية أن تدخله وتتحرك فيه، فالشاشة هنا ليست مجرد خلفية أو وسيلة لعرض الصور، وإنما بوابة تفصل بين عالمين، ثم تسمح باختراقهما، إنها صفحة الكتاب وقد تحولت إلى فضاء مسرحي، يدخل منها الحاضر إلى الماضي، ثم يعود الماضي من خلالها إلى الحاضر.
وتؤدي الشاشة في الوقت نفسه، وظيفة أخرى مكملة، حين تعرض الحرب والقصف والدمار الذي أحدثته، فتستحضر بصريًا المناخ الذي تشكلت داخله رواية سبول، وإذا كانت البطلة تعبر من خلال الشاشة إلى عالم الرواية، فإن صور الحرب والدمار تعبر منها في الاتجاه الآخر لتقتحم فضاء الحاضر، بهذا الاستخدام تتجمع وظائف متعددة في عنصر واحد، فالشاشة تربط القارئ بالنص، والنص بالمسرح، والماضي بالحاضر، كما تجعل الحرب ذاكرة مرئية لا تحتاج إلى إعادة تجسيد واقعي على الخشبة.
    يتسم الديكور الذي صممه معتز كرامة بالاقتصاد، فهو يتشكل أساسًا من جسر خشبي مكسور، ومناضد ومقاعد يعاد توظيفها وفق مقتضيات المشاهد، لكن هذا الاقتصاد في العناصر لا يعني فقرًا دلاليًا، فالجسر وسيلة انتقال من ضفة إلى أخرى، لكنه يفقد وظيفته الطبيعة حين يكون مكسورًا، فيصبح العبور ممكنًا في الخيال، لكنه متعثر في الواقع، وهي صورة تتلاءم مع عالم العرض، الذي يبحث باستمرار عن انتقال لا يكتمل بين الماضي والحاضر، وبين الحلم والواقع، وتمنح المناضد والمقاعد الخشبية قدرة على التحول من وضع إلى آخر، بينما يظل الجسر حاضرًا كعلامة ثابتة على الانقطاع، وبذلك لا يحدد الديكور مكان الأحداث فحسب، فهو يختزل الحالة العامة التي تتحرك فيها الشخصيات.
    يعتمد العرض بدرجة كبيرة على الرقص والأداء الحركي، الذي يعد لغة أساسية يعبر بها العرض عن حالات يصعب اختزالها في حوار، ويبرز بصورة خاصة الأداء الحركي ذو الطابع الماريونتي، فيبدو الجسد في بعض الأحيان كما لو كان دمية، تحركها قوة خارجية، وهذه الصورة تتسق مع عالم الشخصيات المحاصرة بقوى سياسية واجتماعية تتجاوز قدرتها الفردية على التحكم في مصائرها، ولا يقتصر الاشتغال على الحركة وحدها بل يمتد إلى صناعة الإيقاع، فإيقاع القدم على الخشبة وإيقاع اليد على المنضدة يتحولان إلى مكونين صوتيين، وكأن الجسد نفسه يتحول إلى آلة موسيقية.
    ويأتي الرقص في بعض اللحظات ليؤدي وظيفة تتجاوز الحركة، حتى يبدو قادرًا على إسكات الأحياء وإيقاظ الأموات، وهنا يتحول الجسد إلى وسيلة لاستحضار الغائب، وهو ما ينسجم مع فكرة العرض، التي تقوم أساسًا على إيقاظ عالم سبول، وإعادته إلى الحاضر.
    وإذا كان الديكور والشاشة يقدمان للمتلقي صورًا عن عالم العرض، فإن الصوت يحيط به من جميع الاتجاهات، فتتجاور أصوات: القطة، الذباب، القصف، الإنذار، وصوت المذيع مع الموسيقى، لتصنع فضاءً سمعيًا مشحونًا بالتوتر، ولا تعمل هذه الأصوات على شرح الحدث، وإنما تجعل الحرب والقلق جزءًا مستمرًا من الحياة اليومية للشخصيات، فصوت القصف لا يحتاج إلى ظهور المعركة أمام المتلقي كي يعلن وجودها، وصوت الإنذار يضع الجسد في حالة انتظار دائم، أما صوت المذيع فيحمل صدى واضحًا لعالم الرواية، حيث تتسع الفجوة بين ما يحدث على الأرض وما تقوله اللغة الإعلامية، ومن خلال هذه المفارقة يواصل العرض أحد خيوط السخرية السوداء التي ميزت كتابة سبول، وتأتي دقات الساعة كعلامة على مرور الزمن، لكنها في الوقت نفسه تبدو وكأنها تقيس دوران الشخصيات داخل دائرة لا تقود بالضرورة إلى الخروج.
    وقد اختار المخرج أن يجسد ممثل واحد شخصية الأب والمحتل، وهذا الاختيار له دلالة فهو يفتح المجال لقراءة العلاقة بين سلطة الأب داخل المجال الخاص، وسلطة المحتل في المجال العام، وهذا لا يعني تطابق الشخصيتين وإنما يكشف عن تشابه في آليات السيطرة وإخضاع الآخر، فالسلطة في الحالتين تفرض وجودها على الجسد وتحاصر حريته.
وتدعم بعض العلامات البصرية هذا الاتجاه، منها ارتداء المحتل أكياسًا سوداء في قدميه، وهي صورة تخرجه من التمثيل الواقعي المباشر إلى حضور رمزي أكثر تجريدًا، ويأتي الاغتسال بالدم كصورة أخرى للعنف المتواصل، فالدم لا يظهر باعتباره أثرًا لحادثة انتهت، لكنه يتحول إلى مادة تحيط بالجسد وتلتصق به، فيتحول العنف إلى حالة يصعب التطهر منها.
ومن الصور التي يشتغل عليها العرض بكثافة، مشهد الجندي الذي يظل ملقى بجوار الجسر بعد موته منذ ثلاثة أيام، بينما تصبح رائحته مصدرًا للإشارة إلى تحلل الجسد، في مقابل بقاء حذائه لامعًا، وتكمن قوة الصورة في المفارقة بين الجسد الذي فقد حياته والمظهر الذي لا يزال محافظًا على بريقه، فالحذاء اللامع يوحي بانضباط المؤسسة العسكرية، بينما يكشف الجسد الملقى بجوار الجسر عن النتيجة الإنسانية للحرب.
ثم يأتي أكل البطاطس النيئة بعد موت الجندي، ليضاعف حالة الاختلال التي تهيمن على المشهد، فالفعل اليومي البسيط، أي تناول الطعام يحدث في مواجهة الموت وبصورة غير مألوفة، فتتحول التفاصيل اليومية إلى علامات على فقد انتظامه الطبيعي.
وتدخل الدراجة بدورها في شبكة العلامات التي يبني بها العرض معناه، فهي في طبيعتها مرتبطة بالحركة والانتقال، لكن وجودها داخل عالم تتكرر فيه العوائق، يجعل الحركة نفسها موضع سؤال، فالإنسان يمكن أن يتحرك كثيرًا دون أن يصل، كما يمكن للزمن أن يمضي دون أن يحقق تجاوزًا حقيقيًا لما حدث، ومن هذه الزاوية تلتقي الدراجة مع الجسر المكسور، فكلاهما يستدعي فكرة العبور، لكن العبور يظل ناقصًا.
    ويوظف العرض الموسيقى والأغاني الغربية في مشاهد الاحتفال بقيام الحرب، وهو اختيار يخلق تناقضًا حادًا بين الشكل الاحتفالي والمضمون الكارثي، هذه المفارقة لا تخفف من وطأة الحرب، بل تزيدها لأن الاحتفال في مواجهة الدمار، يكشف اختلال العلاقة بين الحدث وطريقة التعامل معه، وهنا يقترب العرض من الروح الساخرة التي تتخلل رواية سبول، فالسخرية لا تأتي بهدف الإضحاك، وإنما لكشف التناقض بين الشعارات والواقع، وبين الصورة المعلنة والحقيقة التي يعيشها الإنسان.
    ويلعب المخرج لعبة تبادل الأدوار بين الكاتب وبطل الرواية، وهذا التبادل لا يقف عند حدود الشكل، وإنما يرتبط بفكرة العرض عن علاقة المؤلف بشخصيته، فحين يعود تيسير سبول إلى الخشبة ويقف عربي في مواجهته، لا يظل المؤلف وحده بطل الحكاية، فالشخصية نفسها تصبح طرفًا في مساءلة النص والزمن الذي أنتج الرواية.
وتضاف إلى ذلك البطلة التي تبدأ قارئة للرواية، ثم تدخل عالمها وتجسد بعض شخصياتها، لتصبح عملية الانتقال بين مواقع القارئ والكاتب والشخصية جزءًا من البناء المسرحي، وبذلك تتعدد مستويات النظر إلى الحكاية: فيوجد من كتبها، ومن يقرأها بعد مرور زمن، ثم يعيد تمثيلها أمام المتلقي.
    وفي النهاية يعود العرض إلى النقطة التي بدأ منها لتتأكد دائرية الحدث، وكأن الشخصيات لم تكن في رحلة من الماضي إلى الحاضر، وإنما دارت حول الجرح نفسه ثم عادت إليه.
ومن هنا تتضح دلالة العنوان بصورة أكبر، لقد أصبح اليوم الذي كتب عنه سبول أمسًا، لكن العرض يكشف أن الزمن وحده لا يكفي لتحويل التجربة إلى ماض، فما دامت الأسئلة التي أنتجتها الهزيمة والاغتراب والبحث عن الوطن والحرية والكرامة، لا تزال حاضرة فإن الأمس يظل قادرًا على العودة.


نور الهدى عبد المنعم