عروض التجريبى برؤى عالمية

عروض التجريبى برؤى عالمية

العدد 995 صدر بتاريخ 21سبتمبر2026

شهدت الدورة الثالثة والثلاثين من مهرجان القاهرة الدولى للمسرح التجريبى لقاء فنيًا وثقافيًا بين مختلف دول العالم، كل بثقافته وطريقته فى الأداء والتعبير، فكان من بين العروض المقدمة، البانتومايم، الأوبرا، مسرح الغرفة، السيرك، المسرح السحرى، والعروض الميوزيكال أو الاستعراضية، والكوميدى دى لارتيه المعتمدة على الأقنعة، حتى يمكننا القول بأن المهرجان التجريبى تحدث بلغة دولية يفهمها عموم الجمهور على اختلاف جنسياتهم.

Zhenya+Tanya=Love
أتحفتنا بيلاروسيا برائعتها المسرحية “جينيا وتانيا.. الحب”، التى حازت إعجاب كل من النقاد والجمهور، ما أهلها للحصول على جائزة أفضل عرض مسرحى بالمهرجان. يقدم لنا العرض قصة حب رومانسية وربما هو عامل النجاح الأول فالمتلقى بات تواقا إلى مثل هذه النوعية من العروض، يليه عامل الإبهار الذى لم يغب طوال مدة العرض، ثم عامل الإتقان والاهتمام بأدق التفاصيل. رغم بساطة الديكور إلا أن الإكسسوارات مريحة للعين وأدت جميع الوظائف المطلوبة، فالفضاء المسرحى امتلأ بالورود الغناء فى كل ركن من أركانه، مع وجود آلة البيانو، والمقاعد التى تجلس عليها الشخصيات، والطاولة التى تجمعهم لتناول الطعام. هذا وقد تفاعلت المؤثرات البصرية مع المؤثرات الصوتية لتخرج فى النهاية بعرض لا تشوبه شائبة. وصل الإبهار إلى ذروته من خلال تجسيد مشهد الحلم على خشبة المسرح بحرفية شديدة رغم محدودية المسرح مقارنة بالسينما فى استخدام تقنية الفلاش باك أو العودة بالزمن إلى الوراء، فضلا عن تجسيد الوحوش والأرواح الشريرة داخل الحلم، وفى مشهد القتل وجدنا دما حقيقيا بفم القتيل، وفى مشهد البكاء وجدناهم يبكون بدموع حقيقية، وفى مشهد العزف وجدناهم يعزفون على البيانو بأنفسهم، وكذلك فى مشهد الغناء تغنوا بأصواتهم الحقيقية، التى جعلتنا نشعر أننا أمام مطربين محترفين، ما يعنى امتلاكهم أكثر من موهبة، وتغلف العرض فى آخر الأمر بنهاية سعيدة تمثلت فى انتصار الخير على الشر وثأر البطلة لكرامتها أمام البطل، وهى بالطبع النهاية التى يفضلها الجمهور.

Poor Liza
 قصة حب أخرى من روسيا بعنوان “ليزا المسكينة”، ويحكى عن الفتاة الفقيرة “ليزا” التى تنشأ بينها وبين شاب غنى قصة غرامية تواجهها الفروق الطبقية بين كليهما والتى تقف حائلا أمام زواجهما. وكما هو المعتاد فى الأدب الروسى دوما لابد من إقحام الأجواء الحربية فى القصة، ونعيشها هنا فى مرحلة الذروة الواقعة بين مرحلتى العقدة والحل، فبعد أن يقرر البطل التمسك بمحبوبته رغم كل شيء، يطلب فى التجنيد من أجل المشاركة فى الحرب التى تخوضها بلاده، وهنا يتجلى دور البطلة فى التحلى بالصبر وانتظار حبيبها حتى آخر رمق، إلا أنها تفاجأ فور عودته بأنه لم يأت ليتزوجها هى كما وعدها؛ بل ليتزوج من أخرى ثرية تعوضه عن أمواله التى خسرها فى المقامرة، وبعد أن تتلقى الصدمة تقرر الخلاص من حياتها بإلقاء نفسها فى النهر، لتأتى نهاية العرض الروسى المأساوية مغايرة لنهاية العرض البيلاروسى السعيدة. العرض أقرب إلى الأوبرا فى طريقة استعراضه للاسكتشات والمشاهد الدرامية التى تفصل بينها فواصل غنائية تكمل سرد القصة، مستخدمة ملابس وديكور وأكسسوارات غاية فى الروعة والجمال وتبعث على البهجة لاسيما مع الإضاءة الساطعة، فيما وصلت المصداقية إلى استخدام حليب حقيقى يتناوله البطل بالفعل، ومن الاهتمام بالتفاصيل أيضا تصميم أحذية تتناسب مع ملابس العصر والجو العام للقصة.

The Garden Of Hesperides
أما العرض الإسبانى “حديقة الهيسبيريديس” فقد اعتمد فى تجسيد الزمان والمكان على الإضاءة والمؤثرات الصوتية، بينما اعتمدت أدوات الممثلين على الأداء الكلامى والحركى من خلال التعبير الإيقاعى، الذى يفوق أحيانا اللغة المنطوقة ويزيل عائق الفهم، فتصير الحركة هى الترجمان لا الكلمة. وتجسد الماستر سين بالعرض من خلال مشهد الولادة وسحب الوليدة من الحبل السرى، تزامنا مع سحب سيدة كبيرة بواسطة جوال، لتصوير متناقضة البداية والنهاية، الحياة والموت، المهد واللحد، الصبا والشيخوخة.

In Between
من عروض السيرك قدمت المجر عرض “بين بين”، الذى أبدع فى تجسيد الروح على المسرح بشكل خارج عن المألوف، وتجسيد العلاقة بين النور والظلام، واعتمد أكثر ما اعتمد على الإضاءة فى تصوير الروح التى تخرج من الجسد أو تعود إليه، لندرك ماهية الحياة والموت، مع المؤثرات البصرية والدخان الكثيف الذى عبر عن الفضاء المتسع الذى تدور الروح فى فلكه، والرياح العاتية التى تعصف بها، مع المرونة العضلية للفنانين والتى من خلالها انسجم الجسد مع الروح، فيما عكس صدى الصوت العلاقة بين الفعل ورد الفعل.
Children Of Today
من سويسرا قدم عرض البانتومايم “أطفال اليوم”، الذى تدور أحداثه داخل مصحة لعلاج مرضى الزهايمر، والأطفال تعبير مجازى يشبه العجائز بأطفال يحيون فى عالمهم الخاص، على طريقة المثل الشعبى القائل “من مكبرنا لمصغرنا”. تم استخدام رمال حقيقية لتجسيد البيئة الشاطئية للمصحة، مع استخدام الكراسى والمظلات وبمساعدة المؤثرات الصوتية لصوت البحر تم تجسيد الحالة ككل. المسنون لعب أدوارهم ممثلون كبار وفى المرحلة عمرية ذاتها، والذين أجادوا التعبير عن نوبات الصرع التى تصيبهم، وساعد فى ذلك الملابس الرثة التى ارتدوها، فيما اعتمدت البطلة على شعر مجعد وفوضوى ليعبر عن حالتها مع ملابس ذات أكمام طويلة للغاية، على الجانب الآخر ارتدى فريق التمريض الزى الرسمى الخاص بالممرضين. تم مراعاة بعض التفاصيل مثل التشويش بصوت المذياع، ليتحقق عامل المصداقية ويتم محاكاة البيئة الشاطئية التى تتأثر بها موجات الراديو ولا تجعل صوته نقيا بالفعل. نكتشف فى نهاية المطاف أن البطل والبطلة زوجان، وقد نسيا كل شيء بما فى ذلك عيد زواجهما الذى حاول الممرضون الاحتفال به معهما، وهو البلوت تويست أو النقلة التى اختتم بها العرض.

Purple Tail
“ذيل أوروجواياني” من الصين يمزج بين عالمى البشر والطبيعة الخارقة. وقد خلا العرض من الديكور أو أى مؤثرات بصرية، معتمدا فقط على التمثيل والغناء وبعض المؤثرات الصوتية. فيما أتت الاستعراضات بسيطة للغاية، وكذلك الإضاءة واحدة لم تتغير طوال مدة العرض، فاتسم العرض بالبساطة الشديدة واستخدم أسلوب المباشرة فى توصيل الرسالة للمتلقى.

A love Story In Venice 
كان للكوميدى دى لارتيه نصيب من عروض المهرجان التجريبى من خلال “قصة حب جولدونى بفينيسيا”، وهو عرض فانتازى مصرى إيطالى بممثلين مصريين ومخرج إيطالى، والذى ميز العرض بكونه هو نفسه منفذ الموسيقى التصويرية، التى كانت حية من خلال آلة الدرامز فقط، وبمهارته استطاع الخروج بأكثر من نغمة وفقا لكل موقف درامى بالعرض. اعتمد العرض على الأقنعة بحيث يعبر كل قناع عن شخصية صاحبه، مع استخدام الحيوانات والطيور كرموز للشخصيات. ويحكى العرض عن فتاة يخفيها والدها عن أعين الرجال حتى إن كل رجال المدينة لم يروها، ويتنافسون فيما بينهم على من سيكون سعيد الحظ بكونه أول من يرى وجهها، ومن ثم يتقدم إليها الخاطبون لطلب يدها، إلا أن والدها يعقد اتفاقا مع كل منهم بأنه قبل زواجها له، ويتقاضى مهرها بالفعل، فمن يا ترى سيفوز بها زوجة فى نهاية الأمر؟ هو السؤال الذى تدور حوله الأحداث.


محمد السيد إسماعيل