العدد 995 صدر بتاريخ 21سبتمبر2026
نظمت، بالمجلس الأعلى للثقافة، ندوة «الجيو-مسرحى: المتفرج، السرد، المؤدى»، وأدارتها أستاذ دكتور دينا أمين، وبمشاركة المخرج والباحث الأكاديمى عبدالبارى سعد من مصر، والباحث جورج هولندا من البرازيل، والباحث جون ناماى من كينيا، وذلك ضمن فعاليات الدورة الثالثة والثلاثين من مهرجان القاهرة الدولى للمسرح التجريبى.
العلاقة المتجددة بين الفضاء المسرحى والمتفرج وفنون السرد والأداء
وناقشت الندوة العلاقة المتجددة بين الفضاء المسرحى والمتفرج وفنون السرد والأداء، وكيف يمكن للمكان والجسد والبيئة أن تتحول إلى عناصر فاعلة فى صناعة التجربة المسرحية.
واستهلت أستاذ دكتور دينا أمين الجلسة بالترحيب بالحضور، مؤكدة أن الجلسة تمثل أولى ندوات وأوراق البحث الدولية المقدمة باللغة الإنجليزية ضمن فعاليات المهرجان، مشيرة إلى أهمية الأبحاث المشاركة لما تطرحه من رؤى تتصل بمحاور الندوات وقضايا المسرح المعاصر. وأوضحت أن كل باحث سيقدم ورقته فى الوقت المحدد، يعقب ذلك فتح باب النقاش والأسئلة أمام الحضور.
عبد البارى سعد: القيود الإنتاجية يمكن أن تصبح محركًا للتجريب وإعادة تعريف المتفرج
أكد المخرج والباحث الأكاديمى عبد البارى سعد عبد الهادى، المحاضر بجامعة الشارقة للعلوم والفنون بالإمارات، أن التحديات والقيود الإنتاجية لا ينبغى النظر إليها باعتبارها عائقًا أمام الإبداع، بل يمكن أن تتحول إلى قوة دافعة للتجريب «الجيو-مسرحى» وإعادة النظر فى موقع المتفرج داخل العرض.
التحدى فى إخراج المسرحية الموسيقية الغنائية «Merrily We Roll Along»
واستعرض «سعد» تجربته التطبيقية فى إخراج المسرحية الموسيقية الغنائية «Merrily We Roll Along» لستيفن سوندهايم وجورج فورث، والتى جاءت فى إطار دراسة إثنوغرافية ذاتية، وواجه العرض تحديًا تمثل فى وجود 26 شخصية إلى جانب ضيوف الحفلات والجمهور، مقابل تسعة ممثلين فقط من طلاب الجامعة، ينتمون إلى أكثر من عشرين جنسية وثقافة مختلفة.
وأوضح: «وبدلًا من محاولة تقليص الحشد أو خلق وهم بوجود أعداد كبيرة، اتجهت إلى التفكير فى الوظيفة الدراماتورجية للجمهور، ودعيت المتفرجين إلى أن يصبحوا جزءًا حيًا من حفلة «فرانك شيبارد»، بحيث يمثل حضورهم وأجسادهم نوعًا من الرقابة الاجتماعية التى تحتفى بالنجاح الظاهرى وتتجاهل العلاقات الإنسانية التى أفسدها الطموح».
قوة دراماتورجية تؤثر فى حركة الممثلين
وأشار عبدالبارى سعد إلى أن انتقال العرض من قاعة صغيرة إلى المسرح الرئيسى الذى يتسع لأكثر من 400 متفرج لم يكن مجرد تغيير مكانى، بل كشف عن الفضاء بوصفه قوة دراماتورجية تؤثر فى حركة الممثلين وطاقة الأداء والتواصل البصرى والتفاعل الحى.
واختتم «سعد» بالتأكيد على أن التجريب الجيو-مسرحى يسمح للنص العالمى بالاحتفاظ بلغته الأصلية، بينما تتغير تجربته المسرحية وجمالياته بفعل البيئة الثقافية والسياق المؤسسى وأجساد الممثلين والجمهور.
جورج هولندا: المسرح الحقيقى يعيدنا إلى الحاضر وفن الوجود
تحدث الباحث البرازيلى جورج هولندا عن تأثير مشاهداته للعروض والندوات خلال المهرجان فى إعادة التفكير فى مفهوم المسرح المعاصر، معتبرًا أن التجريب الحقيقى لا يقدم إجابات جاهزة، بل يترك المتلقى محملًا بالأسئلة والتأمل.
وربط هولندا بين الواقع المعاصر وحالة الإرهاق الناتجة عن فيضان المعلومات والعقلانية المفرطة، مؤكدًا أن الإنسان يعيش اليوم منشغلًا بالمستقبل، بينما يصبح الحضور الحقيقى فى اللحظة الراهنة أمرًا نادرًا وصعب التحقيق.
وأشار إلى عدد من العروض التى شاهدها خلال المهرجان، ومنها «تشارلز» و«Lucky Children»، معتبرًا أن قيمتها لا تكمن فى تقديم المعرفة أو المعنى المباشر فقط، وإنما فى قدرتها على إثارة الأسئلة وترك أثر يستمر مع المتلقى بعد انتهاء العرض.
الباحث البرازيلى جورج هولندا: المسرح التجريبى الحقيقى هو الذى يجعل المشاهد يعود إلى منزله بينما يواصل عقله التفكير فيما شاهده
وقال: «إن المسرح التجريبى الحقيقى هو الذى يجعل المشاهد يعود إلى منزله بينما يواصل عقله التفكير فيما شاهده، مضيفًا أن التجربة المسرحية لا ينبغى أن تقتصر على الفهم العقلانى، بل يجب أن ترتبط بالجسد والحضور والانفتاح على ما هو غامض وغير مؤكد.
وربط هذه الأفكار ببحث الدكتوراه الخاص به حول ما يسميه «المسرح غير العاقل»، موضحًا أن المسرح لا يقتصر على البنية الدرامية التقليدية، بل يمثل مساحة للتحدى وطرح الأفكار ومواجهة الأسئلة.
واختتم «جورج» بالتأكيد على أن المسرح هو «فن اللحظة والحضور»، وأن قوة التجربة المسرحية تكمن فى قدرتها على جمع الفنان والمتفرج داخل لحظة مشتركة من الانفتاح والتأمل.
جون ناماى: الأرض ليست خلفية للعرض بل شريك فى صناعة السرد
قدم الباحث الكينى جون ناماى بحثًا قائمًا على الممارسة حول توظيف تقنيات الأداء الشفهى الأفريقى التقليدى خارج المعمار المسرحى التقليدى، بهدف بناء علاقة مباشرة بين المؤدى والجمهور والأرض والمياه والتاريخ الثقافى للمجتمع.
وأوضح أن بحثه ينطلق من أسلوب «سيغانا» (Sigana)، المستوحى من ممارسات شعب اللوا فى كينيا، والذى جرى تطويره فى نيروبى منذ أواخر تسعينيات القرن الماضى. ويعتمد الأسلوب على الحركة الجسدية والإيماءات والإيقاع الصوتى والنداء والاستجابة، بما يدمج الجمهور فى عملية السرد ويكسر الحدود التقليدية بين المؤدى والمتلقى.
وأكد أن نقل «سيجانا» إلى المساحات المفتوحة يؤسس لما وصفه بـ«الأرض المشتركة»، حيث يجتمع الراوى والجمهور والطبيعة تحت الظروف نفسها، وتصبح الشمس والرياح والمياه والتضاريس عناصر فاعلة فى تشكيل العرض.
الباحث الكينى جون ناماى.. يستعرض مشروعه «Two Lands, One Voice»
واستعرض مشروعه «Two Lands, One Voice»، الذى يوثق تجارب سردية تربط بين كينيا وأيرلندا الشمالية، وتبحث العلاقة بين الذاكرة البيئية والتاريخ الثقافى والأرض والماء.
وشدد ناماى على أن الطبيعة ليست مجرد خلفية ثابتة للأداء، بل شريك فى صناعة الحدث وحافظة للذاكرة والمعرفة، مؤكدًا أن هذا النوع من المسرح يفتح المجال أمام مشاركة المجتمع وكسر القيود المؤسسية، ليصبح الجمهور جزءًا أصيلًا من التجربة المسرحية.
واختتمت الندوة بفتح باب النقاش أمام الحضور، حول التحولات التى يشهدها المسرح المعاصر، وإمكانات إعادة تعريف العلاقة بين المتفرج والسرد والمؤدى والفضاء، فى ظل تجارب تسعى إلى جعل الحضور والجسد والمكان عناصر أساسية فى إنتاج المعنى.
دعم التجريب والانفتاح على أحدث الاتجاهات فى المسرح المعاصر
وتُقام الدورة الثالثة والثلاثون من مهرجان القاهرة الدولى للمسرح التجريبى برئاسة الدكتور سامح مهران، فى الفترة من 1إلى 8 سبتمبر المقبل، على مسارح القاهرة الكبرى، وتتضمن إلى جانب عروضها المسرحية برنامجًا فكريًا وورشًا تدريبية وفعاليات موازية، فى إطار توجه المهرجان إلى دعم التجريب والانفتاح على أحدث الاتجاهات فى المسرح المعاصر.