فى الجلسة الخامسة للمحور الفكرى بمهرجان القاهرة التجريبى الـ33

فى الجلسة الخامسة  للمحور الفكرى بمهرجان القاهرة التجريبى الـ33

العدد 995 صدر بتاريخ 21سبتمبر2026

شهد المحور الفكرى للدورة الثالثة والثلاثين من مهرجان القاهرة الدولى للمسرح التجريبى، برئاسة الدكتور سامح مهران، الجلسة الخامسة بعنوان «التجريب المسرحى وعلاقته بالأقاليم الثقافية»، والتى أدارها أ.د. محمد عبدالله حسين، وعقّب عليها أ.د. أبوالحسن سلام، بمشاركة أ.د. عبدالواحد بن ياسر من المغرب، ود. صالح زمانان من السعودية، ود. لمياء أنور محمد من مصر، حيث تناولت المداخلات علاقة التجريب المسرحى بالخصوصيات الثقافية، وذاكرة المكان، والطقوس والفرجة، والهوية، إلى جانب تجربة المسرح المجتمعى بوصفه ممارسة مرتبطة بالمقاومة والذاكرة الجماعية.
وتوقفت الجلسة أمام مفهوم «الإقليم الثقافى» باعتباره مفهومًا يتجاوز الحدود الجغرافية الضيقة، ليرتبط بالجغرافيات الثقافية وما تحمله من رموز وطقوس ولغات وذاكرة وممارسات اجتماعية، بما يفتح سؤالًا حول قدرة التجريب المسرحى على التأقلم مع خصوصيات كل إقليم، وعلى إنتاج أشكال فرجوية تنبع من البيئة الثقافية نفسها، بدل الاكتفاء باستنساخ النماذج المسرحية الجاهزة.

التجريب يعيد المسرح إلى أطره الاجتماعية والثقافية
وفى كلمته الافتتاحية وإدارته للجلسة، أشار أ.د. محمد عبدالله حسين إلى أن إحدى إيجابيات هذا المحور تتمثل فى تناوله التجريب المسرحى من زاوية مغايرة للزاوية الرائجة التى امتدت من مسرح الطليعة والمسرح الجديد وصولًا إلى المسرح ما بعد الدرامى، موضحًا أن التجريب المطروح فى هذه الجلسة يرتبط بما سمته الندوة «التجريب المرتبط بالأقلمة الثقافية».
ورأى أن هذا الطرح يعيد مسألة التجريب المسرحى إلى أطرها الاجتماعية والثقافية الخاصة، خصوصًا بعد السجالات التى شهدها المسرح العربى حول الدرامية واللا درامية، موضحًا أن مفهوم الإقليم الثقافى لا يحيل إلى جغرافية محددة أو منطقة مكانية مغلقة، وإنما يضع علاقة المسرح بالجغرافيات الثقافية موضع نقاش ومساءلة.
وأشار إلى أن مفهوم الإقليم الثقافى أكثر اتساعًا من الجغرافيا بمعناها المكانى المباشر، مستشهدًا بنماذج من الطقوس والفرجويات الدينية التى تمتد عبر أكثر من جغرافية، ومنها الفودو فى هاييتى، والزار فى الحبشة ومصر، وقناوة فى المغرب، والسطمبالى فى تونس، والتعازى الشيعية فى إيران والعراق وبلاد الشام، وبعض مظاهر عاشوراء فى المغرب.
وأوضح أن التجريب المسرحى استطاع فى عدد من تجاربه أن يتأقلم ويتكيف مع الخصوصيات الثقافية والطقوسية والفرجوية، من خلال دمج الممارسات التقليدية المحلية واللغات الأصلية والشفرات والرموز الاجتماعية الخاصة بكل منطقة، فيما حاول المسرح العربى فى بعض تجاربه الرائدة تحويل وتهجين القواعد الكلاسيكية الغربية، بما يسمح بعرض خصائص الهوية الجمعية للمجتمعات العربية.
وتوقف حسين عند عدد من الآليات التى اعتمد عليها هذا الاتجاه، وفى مقدمتها إدماج الطقوس وتوظيفها من خلال الرقص والحكاية والموسيقى المحلية، بما يجعل المسرح فضاءً للاحتفاء بالذاكرة الجمعية، إلى جانب محاولة إشراك الجمهور فى صيرورة الفرجة وتكسير الحواجز بين العرض والمتلقى، فضلًا عن السعى إلى خلق مسرح حى يحتضن الحكايات والقصص اليومية التى تساعد الجمهور على التعبير عن تجاربه الحياتية وفهمها واستيعابها.
وأضاف أن المسرح يرتبط بصورة وثيقة بالتجربة الجمعية الحية، وبالإحساس باستمرار الحياة الاجتماعية وتجربة الحرية فى مواجهة الضغوط والعقبات، مؤكدًا أن الممارسة المسرحية الاجتماعية لا تنحصر فى النصوص والأعمال الدرامية المكتملة، وإنما تشمل مختلف أشكال الممارسة المرتبطة بالحياة الاجتماعية.
وفى هذا السياق، طرح مفهوم «المسرحة» باعتباره أكثر عمقًا وشمولًا من الشكل الدرامى المكتمل، مشيرًا إلى أن الرقص والتعبير الجسدى لدى كثير من الجماعات التقليدية يمثلان أفعالًا من أفعال المسرحة، تحمل رموزًا تجسد انسجام المجتمع واستمرار ذاكرته، وتمنح الإنسان تأكيدًا متكررًا لوجوده وحياته الجمعية.
كما ربط بين الطقس الدينى والاحتفال والفرجة، موضحًا أن إحياء الطقوس واستعادة عروضها الإيمائية التقليدية يحول الطقس إلى احتفال، والاحتفال إلى فرجة، بما يكشف عن الجذور الاجتماعية والثقافية العميقة للممارسة المسرحية.
الإقليم الثقافى يتجاوز الجغرافيا إلى الطقس والهوية
وفى مداخلته، تناول أ.د. عبد الواحد بن ياسر مفهوم الإقليم الثقافى بوصفه فضاءً يتجاوز الحدود الجغرافية المحددة، مؤكدًا أن المفهوم يضع علاقة المسرح بالجغرافيات الثقافية نفسها موضع نقاش ومساءلة.
وأشار إلى أن التجريب المسرحى سبق أن طرح هذه العلاقة فى ندواته، وأن النظر إلى الإقليم الثقافى يقتضى استحضار رهانات الجغرافيا النظرية والجمالية والإبستمولوجية والسياسية والمنهجية، بما يجعل الإقليم الثقافى مفهومًا أوسع من مجرد الانتماء المكانى.
واستند بن ياسر إلى نماذج من ريبيرتوار الطقوس الفرجوية الدينية المنتشرة عبر أكثر من جغرافيا متقاربة، مشيرًا إلى الطقوس ذات الأصول الزنجية، ومن بينها الفودو فى هايتى، والزار فى الحبشة ومصر، وقناوة فى المغرب، والسطمبالى فى تونس، إلى جانب التعازى الشيعية فى إيران والعراق وبلاد الشام، وبعض تمظهراتها الاحتفالية فى عاشوراء بالمغرب.
وأوضح أن التجريب المسرحى استفاد من هذه الخصوصيات الثقافية والطقوسية والفرجوية، من خلال دمج الممارسات التقليدية المحلية، واللغات الأصلية، والشفرات والرموز الاجتماعية لكل منطقة، مؤكدًا أن بعض التجارب الرائدة فى المسرح العربى سعت إلى تحويل وتهجين القواعد الكلاسيكية الغربية، بهدف التعبير عن خصائص الهوية الجمعية للمجتمعات العربية.
وتناول فى هذا السياق ثلاثة مسارات أساسية، أولها إدماج الطقوس وتوظيفها عبر أشكال الرقص والحكاية والموسيقى المحلية، وثانيها إشراك الجمهور فى صيرورة الفرجة المسرحية وتكسير الحواجز التقليدية بين العرض والمتلقى، وثالثها خلق «مسرح حي» يعتمد على الحكايات والقصص اليومية التى تساعد الجمهور على التعبير عن تجاربه الحياتية وفهمها.
واختتم مداخلته بطرح سؤال حول مدى نجاح مسارات التجريب، خلال التاريخ المحدود للمسرح العربى، فى تحقيق هذه الغايات والأهداف، مؤكدًا أن الإجابة عن هذا السؤال تمثل واحدة من القضايا التى تستحق أن تتوقف عندها الندوات والبحوث المسرحية.
الإقليم بوصفه حدثًا فرجويًا وذاكرة للمكان

ومن جانبه، قدم د. صالح زمانان ورقة بعنوان «الإقليم كحدث فرجوي: الهُوية وذاكرة المكان فى أفق التجريب»، تناول خلالها سؤال الهوية فى المسرح التجريبى من زاوية العلاقة المركبة بين الإقليم الثقافى وذاكرة المكان والحدث الفرجوى.
وانطلق زمانان من تصور للهوية بوصفها خبرة حية تتشكل داخل العرض المسرحى، من خلال التفاعل بين المكان والجسد والصوت والصورة والجمهور، فى ظل تحولات سياسية واقتصادية وبيئية وتقنية وثقافية متسارعة، تجعل الانتماء عملية مفتوحة على التأويل وإعادة التكوين.
واستند الإطار النظرى للورقة إلى أفكار إدغار موران حول التعقيد والديالوجيك، بما يسمح بتجاور الذاكرة والتحول، والمحلى والكونى، والخصوصية والانفتاح داخل حركة واحدة منتجة للمعنى، كما استدعى أطروحة هانس-تيس ليمان حول مسرح ما بعد الدراما، وما تتيحه من قراءة للعرض بوصفه بنية متعددة العلامات يتوزع فيها المعنى بين النص والجسد والصوت والضوء والفضاء والتقنية والحضور الحى.
وأوضح أن تقاطع هذين الأفقين يكشف قدرة المسرح التجريبى على تحويل التعقيد الهوياتى إلى تجربة جمالية محسوسة، تجعل الإقليم الثقافى أكثر من مجرد موقع جغرافى، وتحوله إلى حقل للرموز والطقوس واللغة والعمارة والحساسيات المتراكمة.
واختبر زمانان هذا التصور من خلال نموذجين عربيين، أولهما عرض «نوستالجيا» لأمين ناسور، حيث يتحول الموقع الأثرى المغربى إلى فضاء أدائى تستيقظ فيه طبقات الذاكرة من خلال الحركة والإضاءة والموسيقى ومسار الجمهور، والثانى «ملحمة صهيل» فى حى الطريف بالدرعية، حيث تتقاطع ذاكرة التأسيس السعودية مع الشعر والصوت والجسد والتقنية والعمارة التاريخية.
ورأى أن النموذجين يكشفان عن قدرة التجريب على جعل المكان شريكًا فى إنتاج المعنى، ومنح الهوية شكلًا أدائيًا قابلًا للتلقى والتأويل، بما يفتح أمام المسرح التجريبى إمكانية إعادة ترتيب العلاقة بالمكان والذاكرة، وتحويل الماضى إلى طاقة للحاضر وأفق للممكن.

المسرح المجتمعى فى مواجهة القمع واستعادة الذاكرة
وتناولت د. امياء أنور محمد فى ورقتها «التجريب فى زمن المقاومة: دراسة آليات تأقلم المسرح المجتمعى مع الإقليم الثقافى نموذجًا – تجربة فرقة كاتالينياس سور» تجربة المسرح المجتمعى فى الأرجنتين، من خلال تجربة فرقة «كاتالينياس سور» فى حى «لا بوكا» بمدينة بوينس آيرس.
وانطلقت الباحثة من لحظة فارقة عام 1983، حين وقف المخرج المسرحى الأرجنتينى من أصل أوروغوايانى أديلمار بيانكى فى ساحة عامة بحى «لا بوكا»، مخاطبًا سكان الحى من الجيران والعمال وباعة الخضار والأمهات اللواتى فقدن أبناءهن خلال سنوات الديكتاتورية، داعيًا إياهم إلى صناعة المسرح معًا فى الساحة، لتتحول هذه المبادرة إلى بداية تجربة مختلفة عن المسرح التقليدى.
وأوضحت أن التجريب فى هذه التجربة لم ينشأ من استيراد نظريات بريخت أو أرتو أو غيرهما، وإنما من حاجة إنسانية واجتماعية ملحة، تمثلت فى استعادة الناس لفرحتهم المسلوبة، وإعادة بناء ما مزقته سنوات القمع والديكتاتورية، واستعادة الحرية، وتثبيت الذاكرة الجماعية فى مواجهة الموت الجماعى.
وطرحت الدراسة سؤالها الرئيسى حول كيفية قدرة تجربة «كاتالينياس سور/لا بوكا»، بوصفها تجربة للمسرح المجتمعى فى إقليم ثقافى مهمش، على إعادة تعريف مفهوم التجريب المسرحى، من خلال آليات تأقلم تنبثق من هندسة المكان وذاكرة الجماعة وسياسات الجسد فى زمن المقاومة.
وتتبعت الباحثة التحول الذى شهدته الجماعة من مجرد جيران فى حى فقير إلى «جسد مسرحى جماعي» يمارس المقاومة من خلال تجربة مسرحية مختلفة، مستمرة منذ عام 1983 وحتى الوقت الراهن، معتمدة فى دراستها على المنهج الوصفى التحليلى من المنظور التاريخى وآليات النقد الثقافى.
وكشفت الدراسة عن ثلاث آليات رئيسية للتأقلم مع الإقليم الثقافى، تتمثل فى فضاء الأداء وتحوله من الساحة العامة إلى الفضاء المسرحى، وجسد الممثل غير المحترف من خلال تحول الجيران إلى مادة مسرحية حية، إلى جانب اللغة والموضوعات عبر توظيف الذاكرة الجماعية والتراث الشفوى.
وبذلك طرحت التجربة بوصفها نموذجًا لكيفية خروج التجريب من المؤسسة المسرحية المغلقة إلى المجتمع، وتحوله إلى ممارسة تستمد أدواتها من المكان والجماعة والذاكرة، وتعيد تعريف العلاقة بين المسرح والجمهور، وبين الفن والحياة اليومية، خصوصًا فى سياقات المقاومة والتحولات الاجتماعية.

أبوالحسن سلام يعقب على المداخلات
وفى تعقيبه على المداخلات، توقف أ.د. أبوالحسن سلام عند عدد من القضايا التى أثارتها الأوراق البحثية، وفى مقدمتها اتساع مفهوم الإقليم الثقافى بحيث لا يصبح مرادفًا للجغرافيا، وإنما إطارًا لفهم العلاقة بين المسرح والذاكرة والطقوس والهوية والمكان والجمهور. كما ناقش التعقيب ما تطرحه التجارب المقدمة من انتقال بالتجريب من مجرد البحث عن أشكال جديدة إلى محاولة بناء لغة مسرحية تنبع من خصوصية البيئة الثقافية والاجتماعية، سواء عبر توظيف الطقس والفرجة، أو تحويل المكان إلى عنصر فاعل فى إنتاج المعنى أو إشراك المجتمع نفسه فى صناعة الفعل المسرحى. 
وامتد النقاش إلى تجربة المسرح المجتمعى بوصفها نموذجًا يضع الجسد والذاكرة والجماعة فى قلب العملية الإبداعية، ويفتح السؤال حول قدرة التجريب العربى على إنتاج نماذجه الخاصة انطلاقًا من أقاليمه الثقافية، بدل أن يظل فى موقع الاستجابة للنماذج والتصورات القادمة من خارج سياقه.
 


ياسمين عباس