كلمة مرور password.. كلمة مرورك للعالم الواقعى

كلمة مرور password..  كلمة مرورك للعالم الواقعى

العدد 994 صدر بتاريخ 14سبتمبر2026

على مسرح العرائس بالعتبة ومن انتاج فرقة القاهرة للعرائس لقائدها أسامة محمد على التابعة للبيت الفنى للمسرح وقطاع المسرح بقيادة د.ايمن الشيوى، شاهدت لك مسرحية العرائس (كلمة مرور أو password)، وهى مسرحية ليس من الصحيح ان نطلق عليها مسرحية أطفال، بل هى من وجهة نظرى مسرحية فكرتها خاصة بكل الاجيال، فآفة المحمول لم تتوقف عند الأطفال فقط، بل طال آذاها كل الأعمار، لكن اذا أردنا الدقة فمن الممكن أن نقول إن المحمول يعد أشد خطرًا على الأطفال عن غيرها من باقى المراحل العمرية، حيث إن مرحلة الطفولة هى المرحلة الأخطر التى تتشكل فيها صفات الطفل الخلقية والنفسية، لذا جاءت الفكرة لسحر منصور وهى نفسها مخرجة العرض من أهم عناصر العرض المسرحى نظرًا لحداثتها التى تطبق لأول مرة بمسرح العرائس، حيث تقوم الفكرة على إظهار محركى العرائس (الماريونت) لجمهور المتلقى بالتوازى مع ظهور عرائسهم، ونظرًا لخطورتها أيضًا كقضية دولية تمس كل المراحل العمرية، وقد استطاع محمد زناتى، وهو من ترجم تلك الفكرة وحولها الى نص مسرحى كما وضع لها الأغانى والأشعار أيضًا، فنتج عنها حبكة درامية مبدعة ومترابطة تخللتها أشعار معبرة عن تلك الحبكة ببراعة واتقان منقطع النظير يستحق عليه الزناتى الثناء والتقدير وليست مجرد فواصل غنائية، فلولا الكلمة ما وصلت الرسالة لجمهور المتلقى.. وأصحاب الرسالات يعيشون ويخلدون.
فكرة العرض الجديدة لمخرجته سحر منصور والتى تطبق لأول مرة بمسرح العرائس، صارت هى الركيزة الأساسية الأولى التى بنى عليها العرض المسرحى بالكامل، حيث قامت الفكرة على التركيزعلى إظهار ملامح محركى العرائس، وما يقومون به من حرفية بارعة فى تحريكهم لعرائسهم وكذا نقل إحساسهم إليها، مما يشعر معه المتلقى، وكأن الروح قد بثت فى العروسة وصارت بشرية، بدلًا من رؤيتهم سابقًا للعروسة فقط مع إخفاء كل ملامح الماريونت خلف ملابسهم السوداء، وكذا خلف البانوهات الصغيرة المحددة بدقة كديكور لعرض العرائس المسرحى، والتى تحتل جزءًا صغيرًا من مساحة المسرح غير المستغلة، والتى لا يجوز للعرائس تخطيها، مما كان يفقد معه جمهور المتلقى إحساسهم بالعرائس والخروج من إطار وفكرة إنهم مجرد دمى متحركة، ولكن بعد أن طبقت منصور مخرجة العرض فكرها الجديد صار لمسرح العرائس معها شكل ولون آخر وجديد، بعدما استغلت مساحة المسرح بأكمله لتتحرك فيه العرائس بأريحية، وكذا ملامح وحركة محركى العرائس بالتوازى معها، ليشعر هنا جمهور المتلقى ببث الروح فى تلك العرائس من خلال خيوطهم وكذا تعبيرات وجوهم، مع إدراكهم فى ذات الوقت بمدى الجهد الذى يبذلونه محركى العرائس فى تحريك عرائسهم وبث الروح فيها، من خلال الحركة المنضبطة مع الحوار والمصاحبة بالآداء الواضح من خلال ملامح محركى العرائس، ومن هنا تأتى جمال وبراعة وإتقان إزدواجية الفكرة الجديدة لسحر منصور، وما بها من ثراء فنى سيعود بالنفع على مسرح العرائس وجمهوره ومحبيه. 
جاء اختيار الممثلين لسحر منصور كل فى محله من حيث الطبقة الصوتية الملائمة لكل شخصية، فأستطاع كل ممثل ان يعبر بحسه الابداعى وحرفيته الإذاعية وخياله الصوتى عن ملامح العروسة او الدمية التى يعبر عن شخصيتها، فتألق كل من حمزة العيلى وعلاء زينهم وسمر علام ومحمد ابو داود ونور شادى سرور واسامة محمد وعز الدين محمد واشرف عز الدين وسحر منصور وهناء سعيد ويوسف أشرف فى التعبير بطبقاتهم الصوتية عن شخصياتهم المسرحية، بما يتلائم مع خيال جمهور المتلقى وبالأخص األأطفال منهم، بالمشاركة مع مبدعين مسرح العرائس ايضا الا وهم سيد حسين الذى تألق وابهر كل الحضور فى استعراضه الحركى والغنائى لكلا من شخصية المحمول المتحرك والروبوت، حيث اسهم فى حالة تفاعل وبهجة ما بينه وبين جمهور المتلقى من الاطفال بصالة المسرح، ونشوى اسماعيل من بثت الروح بحركتها المتقنة لشخصية الشاطر حسن وكذا كل من مروة عيدالله، ونديم حجاب، إيهاب علوان، أحمد كامل، إسلام جلال، أحمد عبدالسلام، محمد عبدالسلام، هبة عصام، جواهر.
كما عمدت منصور كمخرجة إلى الاستعانة بتقنية (خيال الظل) فى سرد قصة وحكاية الشاطر حسن، حيث إن تلك التقنية هى أقرب لخيال الطفل فى ترك لديه انطباع وأثر نفسى عميق يصعب معه نسيانه لتلك الحدوتة التراثية التى تتوغل إلى قلبه وأعماقه كمتلقٍ ذى مرحلة عمرية وفكرية معينة.
دائمًا فى مسرح العرائس تحديدًا يكون محركو العرائس أو ما نطلق عليهم الماريونت هم الجندى المجهول للعرض، على الرغم مما يبذلونه من مجهود خارق للغاية فى بث الروح للعروسة التى يلعبها من خلال الحركة وبما لا يتعارض مع مضمون الحوار المسرحى.. فلا تجد أبدًا حركة غير معبرة عن مضمون الحوار التى تخبر به الشخصية، وهذا ما تألق فيه جميع فنانى العرائس بالعرض المسرحى password.
الديكور لإنجى زكى على الرغم من انه جاءت فكرته متلائمة تمامًا مع فكرة العرض، إلا أنه جاء بسيطًا للغاية متناسبًا مع ميزانية العرض المسرحى، وكان من الممكن أن يكون أكثر تعبيرًا وإبهارًا لو أتيحت له ميزانية أكبر.
الألحان لأحمد الناصر جاءت معبرة تمامًا عن كلمات وأشعار الزناتى، مما يتضح معه أن المخرجة سحر منصور قد عمدت إلى عقد جلسات عمل مشتركة فيما بينهم من أجل تواصل أفكار كل من الشاعر مع الملحن، لينتج عنها تلك الثنائية المبهرة والمعبرة عن الحالة المسرحية ككل وتلك القضية شديدة الأهمية.
لم تكن إضاءة عز حلمى فى مسرح العرائس بنفس درجة احترافيته واتقانه فى مسرح الكبار او المسرح البشرى، وعلى الرغم من أن إضاءة حلمى أظهرت كل شخصيات العرائس بوضوح تام، لكنها لم تتفاعل مع فكر المخرجة بإظهار محركى العرائس لجمهور المتلقى بالتوازى مع ظهور عرائسهم التى تحركها خيوطهم، كما لم نجد فى إضاءته أيضًا التنوع المعتاد فى مسرح الكبار، وتعدد الألوان والبؤر الضوئية التى تعبر عن خطورة ما تدلو به الشخصية من حوار فائق الأهمية، حيث إن الإضاءة وحدها هى من تسهم فى لفت انتباه المتلقى إلى أهمية ما تخبر به الشخصية من حوار، لذا جاءت الإضاءة تقليدية فيها نوع من التراخى والاستسهال.
الإخراج الإذاعى لعمرو عبده دياب جاء مبنيًا على خبرات كبيرة لاسم صانعه، فجاءت كل التسجيلات الصوتية مسموعة بشكل واضح يملؤها الإحساس بكل شخصية نتيجة توجيهاته.
وفى النهاية عبرت منصور باحترافية شديدة من خلال فكرتها العبقرية مع الحركة المسرحية المعبرة وما أصعبها عندما تكون حركة خاصة بعرائس أو دمى، عن مضمون وقضية ورسالة العرض المسرحى ببراعة متناهية، من خلال مدرسة السهل الممتنع، وأسهم مصمم العرائس رءوف كمال بقوة فى تدعيم تلك الرسالة لتصل إلى خيال الطفل تحديدًا تاركة أثرًا لا يمحى من ذاكرته، من خلال تصميماته الذكية، وبالأخص تلك الرموز المسرحية الأسطورية التى لجأ اليها بحرفية وتمكن شديد، مثل الطيور التى تعبر كل واحدة منهن عن أداة من أدوات السوشيال ميديا مثل فيسبوك وواتساب وماسنجر وإنستجرام وغيرها، لتشارك الأطفال الثلاثة هانى وهناء وهيثم فى مغامرتهم مع صانع الألعاب والشاطر حسن، ما أسهم فى تنمية وعى وخيال المتلقى. 
كما استطاع الزناتى أن يدمج بحرفية كتابية ما بين الحواديت التى تعد كتراث خاص بالأطفال وبين العصر الحالى، من خلال صحبة كل من الشاطر حسن وست الحسن مع الاطفال الثلاثة أبطال العرض المسرحى، ما أسهم فى اهتمام ومتعة وتركيز الأطفال مع العرض المسرحى، ليخرج جمهور المتلقى من الأطفال، وهو فى حالة تطهير كامل مدركًا معه خطورة ادمان المحمول، وكيفية انتقاء ما هو مفيد منه فقط، بعدما استطاع ونجح كل طفل فى نهاية العرض المسرحى بفك شفرته الخاصة وكلمة مروره للعالم الواقعى مودعًا معها العالم الافتراضى، الذى كان يعيش فيه بلا إحساس أو هوية، ليتمتع بصحة عقلية ونفسية جيدة.


أشرف فؤاد