«ابن الأصول».. كوميديا راقية تحسم الجدل بين الهوية وسطوة المال

«ابن الأصول»..   كوميديا راقية تحسم الجدل بين الهوية وسطوة المال

العدد 983 صدر بتاريخ 29يونيو2026

شاهدت البروفة الجينرال للعرض المسرحى «ابن الأصول» الذى يقدم على خشبة مسرح «ميامى” ومن إنتاج فرقة المسرح الكوميدى التابعة للبيت الفنى للمسرح، تأليف وإخراج الفنان الكبير مراد منير، بطولة مصطفى شوقى، ميرنا وليد، يوسف مراد، ليلى مراد، محمود عامر، حسان العربى، حامد سعيد، عبير مكاوى، رشا فؤاد، نور العزيز، فى هذه المرة كان لى تحفظات كثيرة جدًا، لذا لم أكتب عنه وقتها، لكن عند مشاهدته للمرة الثانية تغيرت فكرتى عنه تمامًا، وعلى الرغم من تحفظى على بعض الألفاظ والإيحاءات التى كانت بعرض سابق على المسرح نفسه، فإن هذا العرض أعاد لى الثقة فيما يقدمه هذا المسرح العريق، فقد عمل على إعادة صياغة مفهوم الكوميديا الغنائية الاستعراضية برؤية ترفض الابتذال وتنتصر للقيم الأخلاقية الراسخة، فالرسالة الجوهرية التى يطرحها مراد منير تتجاوز حدود التسلية، لتصبح دعوة لاستعادة قيم الجمال و»الأصل» فى مواجهة طغيان الماديات الزاحف، فالعرض يعمل على الربط الفنى بين عراقة المسرح المصرى ومتطلبات الوعى الجمعى الراهن، هذا السياق العام يمهد الطريق لفهم الصراع الدرامى العميق الذى يحرك أحداث المسرحية، ويحولها من مجرد حكاية اجتماعية إلى تساؤل فلسفى حول جوهر الإنسان من خلال وضعه فى اختبار صعب.
يعتمد البناء السردى فى «ابن الأصول» على تحويل ثيمة الميراث التقليدية إلى صراع وجودى حاد، حيث تنطلق الأحداث من فضاء العزبة التى نشأ فيها البطل شريف (مصطفى شوقى) بين الغجر، وهو اختيار مكانى يحمل دلالات عميقة حول الحرية والانطلاق والروح غير المقيدة، ثم تنقلب الموازين بظهور العم (محمود عامر) ليعلن عن ميراث فلكى قدره (14) مليار دولار تركه والد شريف له، وهو الأب الذى تخلى عن ابنه منذ الطفولة، لكن بشروط قاسية تفرض على شريف أداءً طبقيًا معينًا، فعليه أن ينتقل للعيش فى القصر ويتقمص شخصية «ابن الأصول» بمفهومها الأرستقراطى البارد، وهنا تبرز «العلاقة الجدلية بين المكان»، فبينما يمثل القصر سجنًا ماديًا يفرض التخلى عن الجذور، تظل العزبة رمزًا للأصالة، ويتعمق التوتر الدرامى مع ظهور الشخصية المضادة شاهيناز (نور العزيز)، ابنة العم التى تسعى للاستحواذ على شريف والمليارات التى يمتلكها، مما يضع البطل فى مواجهة مباشرة بين حب شادية (ميرنا وليد) الصادق الرافض للمادية، وبين إغراءات الثروة وضغوط العائلة، هذا الصراع المرير بين إغراء المال ودفء الجذور، هو المحرك الرئيسى للأحداث.
يعتمد العرض على توليفة تمثيلية تجمع بين الصدق الانفعالى والكاريزما الطاغية، لضمان وصول الرسالة الوجدانية للجمهور بفئاته المتعددة على حد سواء، وهنا لابد من التوقف أمام أداء الممثلين الذى كسر كل التوقعات فالبطل فوق تميز صوته فى الغناء نجح فى أداء شخصية تمزج بين النشأة الشعبية والأصول العريقة والحيرة بينهما، فقدم الفنان مصطفى شوقى أداءً يندرج تحت فئة «السهل الممتنع»، حيث نجح بتلقائيته وصوته العذب فى تجسيد شخصية الشاب الذى يرفض «الأمركة» والانسلاخ، وهو ما تجلى فى أغنيته المحورية «مصرى أنا وعمرى ما هتأمرك» التى لخصت جوهر قضية الهوية فى العرض، أما ميرنا وليد فمازالت تمتلك روح الفتاة الصغيرة التى تمتلئ حيوية، فقد تألقت فى أداء شخصية الفتاة المحبة التى اجتازت اختبارًا صعبًا حتى لا تفقد حبيبها، فحضورها يمثل العمود الفقرى للمشاعر، خاصة فى لحظات الشجن التى عكستها أغنية «حبيبى على بالي»، عبير مكاوى شخصية جديدة تمامًا حيث تجسد شخصية عمة البطل الطماعة بخفة ظل وأناقة، رشا فؤاد شخصية شعبية جدًا جسدتها بتعبير الوجه والجسد وطريقة الكلام والأمثال الشعبية والملابس بحرفية عالية جدًا، ولم يخلُ العرض من «ثقل فني» منحته قامات كبيرة مثل محمود عامر فهى المرة الأولى -على ما أعتقد- الذى يجسد فيها شخصية شريرة وقد قدمها بحرفية وتمكن فنان قدير له ثقله وتاريخه، حسان العربى الذى غير جلده تمامًا، فهو المعادل الموضوعى لكم الشر والطمع والجشع لكل عائلة البطل إلا هو الذى ينتصر للحب وللحق، وحامد سعيد الذى أجاد دور «كبير العزبة» بهيبة لافتة وكوميديا راقية، بينما أضفت الوجوه الشابة ليلى مراد الفراشة الرقيقة والممتلئة حيوية وأداء رصين فى ذات الوقت، نور العزيز تجمع بين البساطة والرشاقة والحيوية، يوسف مراد حيوية وخفة ظل وأداء مميز يعلن عن ميلاد فنان كوميدى موهوب جدًا.
 وتآزر هذا الأداء التمثيلى مع العناصر السمعية والبصرية لخلق تجربة مسرحية متكاملة تليق بمسرح الدولة، وعلى صعيد السينوغرافيا، لم تكن العناصر الفنية مجرد زينة شكلية، بل لغة تعبيرية رسمت ملامح الصراع البصرى بين عالمين، ومن خلال إعادة توزيع الأغنية الشهيرة «سالمة يا سلامة»، فقد منح الملحن أحمد الناصر الأغنية روحًا معاصرة ربطت بين الهوية المصرية والزمن الراهن، بينما رسم ديكور حمدى عطية وإضاءة محمود الحسينى وملابس نورهان طرابية تباعدًا بصريًا حادًا بين ألوان العزبة الدافئة وفخامة القصر الباردة، وجاءت استعراضات ضياء شفيق، خاصةً فى لوحتى «الكاوبوي» و»الإتيكيت»، لتضفى بهجة حركية شارك فيها أكثر من 50 مؤديًا، كما قدموا عدة شخصيات تجسد سكان العزبة وعمال القصر والشخصيات الأمريكية بأداء مبهر وخفة ظل، مما يعكس ضخامة إنتاجية تهدف إلى إبهار العين ومخاطبة العقل فى آن واحد، لقد اجتمعت هذه العناصر السينوغرافية لتؤكد أن القيمة الفنية تكمن فى التفاصيل التى تخدم الرسالة الفكرية النهائية للعمل.
«ابن الأصول» يبرز كمرآة كاشفة للمجتمع، نجحت فى تحقيق معادلة المتعة الهادفة بعيدًا عن التعقيد التنظيرى، فالعمل ليس مجرد استعراض غنائى، بل هو صرخة فى وجه العولمة المادية ودعوة للتمسك بالجذور، فابن الأصول الحقيقى فى رؤية منير مراد هو صاحب المبادئ والروح الحرة، لا صاحب القصور والمليارات، إن نجاح العرض جماهيريًا ورفعه لافتة «كامل العدد» يعد دليلًا على تعطش الجمهور المصرى للفن الراقى الذى يحترم هويته، ويؤكد أن الأصالة ستظل دائمًا هى العملة الصعبة التى لا تشتريها كل أموال العالم.


نور الهدى عبد المنعم