الموضة تحاصر الإنسان وتعيد تشكيله فى العرض التونسى «لا موضى»

الموضة تحاصر الإنسان وتعيد تشكيله فى العرض التونسى   «لا موضى»

العدد 994 صدر بتاريخ 14سبتمبر2026

بعد انتهاء فعاليات مهرجان القاهرة الدولى للمسرح التجريبى، حصل الطاهر عيسى بن العربى مخرج العرض المسرحى التونسى «لا موضى» على جائزة أفضل مخرج، وهو من قام بتأليف النص وتصميم السينوغرافيا أيضًا، العرض قدم على خشبة مسرح الهناجر، وقدم رؤية جديدة للموضة، فهى لم تعد مجرد عالم من الألوان والأزياء، لكنها تمثل أكثر من ذلك فهى منظومة تحاصر الإنسان وتعيد تشكيل رغباته وصوره وفق ما تفرضه آليات السوق والاستهلاك، من خلال توظيف الرمز فى توضيح العلاقة بين الإنسان والسلطة الرأسمالية والعولمة، بلغة مسرحية تجمع بين التمثيل والحركة والأداء الجسدى والصورة البصرية.
تدور أحداث العرض داخل ورشة خياطة مغلقة، هذه الورشة تتحول إلى صورة مصغرة لعالم أكبر تحكمه الأوامر من خلال أيهم وفريدة حيث يجدان أنفسهما محاصران فى مكان لا يعرفان سبب وجودهما فيه، ويسمعان صوت غامض لا يعرفان مصدره يجسد سلطة غير مرئية يحدد لهما ما ينبغى أن يصنعا ويطالبهما بابتكار أزياء تتلاءم مع روح العصر، هذه السلطة لا تحتاج أن تظهر كى تفرض إرادتها، فهى سلطة السوق والمعايير الجمالية الجاهزة، التى تحدد للإنسان ما الذى ينبغى أن يراه جميلًا، وما الذى يجب أن يرغب فيه، وما الصورة التى يجب أن يظهر بها أمام الأخرين.
داخل هذا الحصار يقف أيهم الذى يجسد شخصيته (أمير الدرديرى)، فهو الطرف الذى يقاوم تحويل الإبداع إلى منتج استهلاكى، فلا يريد أن يكون مجرد منفذ لأوامر السوق، بل يحاول الدفاع عن حقه فى الاختلاف، وفى صناعة رؤية خاصة للجمال، ليدخل صراعًا على حرية الاختيار، فالسؤال هنا ليس ماذا سنصمم لكنه من الذى يحدد لنا مواصفات ما نصممه، وإذا كانت الموضة تتغير باستمرار فمن الذى يحدد هذه التغيرات ويحولها إلى ضرورة اجتماعية؟ فالإنسان يبدو حرًا فى اختيار ملابسه، لكنه يكتشف تدريجيًا أن اختياراته تخضع لمنظومة حددت له المقبول والمفروض مسبقًا.
أما فريدة التى تجسد شخصيتها مريم ريزا، فهى الخياطة التى تنفذ المطلوب، كما أنها أكثر استعدادًا للتكيف مع شروط المكان، وإذا كان أيهم يمثل الرغبة فى المقاومة، فهى تكشف عن الإنسان الذى يجد فى الاستسلام وسيلة للاستمرار، ولا يطرح العرض هذا الاختلاف بين الشخصيتين للتقييم الأخلاقى، ولكن ليكشِف عن موقف السلطة فهى لا تحتاج دائمًا إلى أن تجبر الإنسان بالقوة، فتكتفى أحيانًا بجعله مقتنعًا بأن الاستسلام هو الحل الأمثل.
ومع تصاعد الصراع تنتقل الضغوط إلى حياة أيهم الخاصة من خلال التهديد بابنته، فالمنظومة التى تفرض معاييرها على الإبداع قادرة على اختراق المجال الشخصى، فيتجاوز القهر التحكم فى العمل للسيطرة على الإنسان من خلال نقاط ضعفه لإخضاعه وتنفيذ ما يطلب منه من دون مقاومة، وهنا ينجح المخرج فى عرض قضية الرأسمالية والعولمة من دون خطابة، ويترك المتلقى ليربط بين كل المعطيات التى يقدمها له. 
أما لاعبة السيرك التى تجسد شخصيتها (صارة الركبانى) فهى من أهم شخصيات العرض وربما أكثرهم دلالة، حيث تمثل قوة القهر نفسها، فمن خلال مهاراتها الجسدية المرتبطة بألعاب السيرك وما تتميز به من رشاقة وحرية، ومن خلال استعراض هذه المهارات تعبر عن القوة والقدرة على إخضاع الجسد، فهى تجسيد مرئى لتلك السلطة التى كان يمثلها الصوت الخفى فى البداية، كما أن توظيف الأداء السيركى بهذه الطريقة يمنح العرض بعدًا دلاليًا يتجاوز حدود الحكاية، فالقهر لا يمارس بالكلمات وحدها وإنما من خلال الجسد والحركة، وتتجسد هذه الدلالة حين يتقاطع حضور لاعبة السيرك مع موضوع الموضة، فالموضة تعتمد على الجسد الذى يخضع لمعايير الجمال المفروضة، هو نفسة الذى يستعرض القوة من خلال لاعبة السيرك.
لذلك فإن اختيار (لا موضى) عنوانًا للعرض مناسبًا جدًا، فالموضة تتحول من الرغبة فى تجديد الأزياء إلى سلطة تنتج الذوق وتعيد إنتاج الإنسان وفق معاييرها، كما تم توظيف السينوغرافيا بشكل جيد لتعبر عن ذلك المفهوم من خلال الفضاء الذى يحمل ملامح ورشة لصناعة الملابس بما تحويه من ماكينة خياطة، مانيكانات، أقمشه وغيرها من العناصر التى تنتمى لهذا المجال، لكن جاءت المانيكانات مقسمة إلى أجزاء وليست سليمة، والقماش ما هو إلا مادة قابلة للتقطيع والتشكيل، تمامًا كالإنسان الذى تحاول هذه المنظمة تشكيله وفق معاييرها، وتأتى الشاشات لتضيف إلى هذا الفضاء عنصرًا جديدًا يعبر عن روح العصر الذى أصبح فيه الإنسان يعيش فى العالم الافتراضى أصبح أكثر أهمية له من الواقعى، كما تعمل الإضاءة على إعادة تشكيل المكان والأجساد، فالعلاقة بين الضوء والظل تمنح الشخصيات حضورًا متغيرًا، فتجعل الجسد أحيانًا جزء من الصورة وأحيانًا جزء من خلفية مظلمة، وتتضافر هذه العناصر مع الحركة لتشكيل لغة مسرحية تعتمد على الصورة.
أما الأداء التمثيلى فيعتمد بشكل أساسى على الثنائية التى سبق الإشارة إليها فيبرز أداء (أمير الدرديرى) فى شخصية أيهم من خلال مقاومته المستمرة ورفضه للاستسلام، بينما تمنح (مريم ريزا) شخصية فريدة ملمحًا أكثر التصاقًا بالواقع العملى للورشة، بما يجعل التباين بين الشخصيتين واضحًا من دون مواجهة نمطية، كما يكتسب حضور (صارة الركباني) لاعبة السيرك خصوصية من خلال اعتماد الشخصية على الجسد كوسيلة تعبير أساسية.
ولا تنفصل الموسيقى والمؤثرات الصوتية عن هذا البناء، فهى تمنح العرض إيقاعًا يتناسب مع أداء يقوم على الحركة والاستعراض، كما أن الصوت القادم من المكبرات الذى يمثل السلطة يقابله الأجساد التى تقاوم من أجل الحصول على حرية الاختيار.


نور الهدى عبد المنعم