أحمد عبد الجليل: جائزة الدولة فى التفوق وسام العمر ووقود لمواصلة الإبداع

أحمد عبد الجليل: جائزة الدولة فى التفوق وسام العمر ووقود لمواصلة الإبداع

العدد 994 صدر بتاريخ 14سبتمبر2026

يُعدّ المخرج أحمد عبدالجليل واحدًا من أبرز صُنّاع المسرح فى مصر، وصاحب مسيرة فنية ثرية امتدت لعقود داخل مسرح الثقافة الجماهيرية، قدّم خلالها ما يزيد على 126 عرضًا مسرحيًا، إلى جانب عدد من الأعمال الموجهة للطفل. تنوعت تجاربه بين الكلاسيكى والتجريبى والغنائى، وترك بصمة واضحة فى عروض بارزة مثل «الزير سالم»، و»البؤساء»، و»شبح الأوبرا»، و»آه يا ليل يا قمر»، وصولًا إلى أحدث أعماله مثل «الشيطان الأبيض» و»كليب». وقد شكّلت هذه الرحلة الطويلة نموذجًا فنيًا يجمع بين الإخلاص للتجربة والقدرة على اكتشاف المواهب وصقلها، وهو ما تُوّج بحصوله على جائزة الدولة فى التفوق تقديرًا لإسهاماته المتميزة فى إثراء الحركة المسرحية.

فى البداية ماهو شعورك بعد حصولك على جائزة الدولة فى التفوق وماذا تمثل لك الجائزة على المستوى الشخصى والفنى؟
أعتز اعتزازًا كبيرًا بالفوز بهذه الجائزة؛ إذ تمثل شرفًا عظيمًا وتقديرًا غاليًا من الدولة، وتُعدّ أرفع وسامٍ نلته طوال مسيرتى. ?
ولا تنبع قيمة هذه الجائزة من مكانتها الرفيعة فحسب، بل من آلية منحها أيضًا؛ حيث تُشرف عليها لجنةٌ تضم نخبةً من كبار المثقفين والأكاديميين، وأعضاء المجلس الأعلى للثقافة، وممثلى النقابات الفنية، فضلًا عن كونها تأتى فى إطار منافسةٍ محتدمة مع مرشحين من أصحاب المسيرات الإبداعية المثمرة والمتميزة. ?
وإننى لأشعرُ ببالغ الفخر لتزامن هذا التكريم مع وجود أسماء وقاماتٍ كبرى، سواء من المرشحين أو الفائزين فى مختلف مجالات جوائز الدولة لهذا العام. أجدد اعتزازى بهذا التقدير الذى أعدّه الوسام الأسمى فى حياتى، وآمل أن أكون دائمًا على قدر هذه الثقة”.
هل ترى أن الجوائز الرسمية قادرة فعلًا على منح الفنان دفعة جديدة أم أن تأثيرها معنوى أكثر من كونه عملى؟ 
الجوائز والتكريمات هى الوقود الذى يحصل عليه الفنان؛ إذ تجعله يشعر بتقدير أعماله وما يقدمه، وتُشكل له بالتالى دافعًا كبيرًا للاستمرار والتألق”.
كيف تقرأ مسيرتك داخل مسرح الثقافة الجماهيرية وما الذى اضافته لك هذه التجربة على مستوى الرؤية الفنية والإخراج؟
مسيرتى داخل مسرح الثقافة الجماهيرية هى شىء أعتز به؛ بدأت سنة 82 وما زلت حتى هذه اللحظة أمارس عملى فى الثقافة الجماهيرية بشغف. والعمل فى مسرح الأقاليم له لذته وجماله، لأنك تتعامل مع بشر خام ومبدعين تراهم لأول مرة، فهذا يسعدنى. ?
وأنا أرى أن آخر تجربتين قدمتهما فى مسرح الطفل بالثقافة فى الدقهلية، خرّجت فى هذه الفترة عِدة ممثلات وممثلين أصبحوا الآن أبطالًا للفرق، وهذا شىء جميل. 
قدمتُ طوال مسيرتى المسرحية نحو 126 عرضًا مسرحيًا، إلى جانب 6 أو 7 عروض موجهة للأطفال، كان أبرزها فى الأعوام الأخيرة عرضا «جدو مرجان» و»مدينة الأحلام». ?
بدأتُ هذه الرحلة عام 1984 بتقديم مسرحية «سبعة تحت الشجرة» للكاتب الكبير وحيد حامد مع فرقة السنبلاوين، والتى شاركت فى مهرجان «الـ 100 ليلة» تحت رعاية الدكتور سمير سرحان رئيس الهيئة آنذاك. وفى عام 1990، قدمتُ عرض «الزير سالم» مع فرقة سِماد طلخا، وكان أول عرض أقدمه معهم؛ حيث حصدنا المركز الأول على مستوى البيوت، ثم توجنا بأوسكار الهيئة فى المنافسة العامة بين البيوت والقصور والقوميات. ?
فى العام التالى 1991، خضتُ تجربة استثنائية وفريدة بالتعاون مع الشاعر الكبير المرحوم أحمد فؤاد نجم فى المنصورة عبر عرض «شحتوت العظيم»، الذى أعده الكاتب الراحل محمد سعيد؛ وهى تجربة فنية وإنسانية عالية القيمة شهدت إقامة «أبو النجوم» معى فى المنصورة لستة أشهر كاملة للإعداد للعرض. أتبعتُ ذلك بعرض «ضرب ابن برقوق» عن قصة الأديب الكبير محمد جلال، والتى تناولت قصة حياة أحمد فؤاد نجم. ?
تلت ذلك تجربة مهمة مع فرقة غزل المحلة من خلال عرض «الموت وفارس الملك» عام 1993، كأول تجربة من المسرح الأفريقى بمشاركة المخرج والموسيقار الكبير انتصار عبدالفتاح، وحصدنا عنها الأوسكار الثانى وكان العرض مرشحًا لتمثيل مصر فى المهرجان التجريبى. ومع الفرقة نفسها، قدمتُ عام 1994 مسرحية البؤساء وحصلنا على المركز الأول فى مهرجان العريش. ?
ومن التجارب البارزة أيضًا، عرض «شبح الأوبرا» مع فرقة الإسماعيلية، وهو العرض الذى حظى بدعم كبير من اللواء الراحل محمد عبدالسلام المحجوب بمنحه 30 ألف جنيه إنتاجًا بالاشتراك مع الثقافة الجماهيرية؛ حيث شهد العرض إقبالًا جماهيريًا واسعًا، وعند انتقاله للقاهرة اضطررنا لاختصار 90% من الديكور العبقرى الذى صممه د. صبحى السيد لتلائم مسارح العاصمة. ?
توالت الأعمال بعد ذلك؛ فقدمتُ تجربة استثنائية لترجمة مسرحية عطيل بالعامية مع عالم النفس الراحل د. مصطفى صفوان، وأوبريت «شهر زاد» مع فرقة الشرقية الذى حصد كل الجوائز وشهادات التقدير، وعرض «الجنيه المصرى» عن «السكرتير الفنى» بإعداد جديد مع الشاعر الراحل حمدى عيد وحصلنا به على المركز الأول. كما قدمتُ مع فرقة البحيرة العرض الغنائى الملحمى «آه يا ليل يا قمر» لنجيب سرور ونلنا عنه المركز الأول والأوسكار الثالث، فضلًا عن عرض «آخر أيام سقراط» مع فرقة المنصورة الذى حصد المركز الأول وجائزة لجنة التحكيم الخاصة. 
?وصولًا إلى أحدث الأعمال، قدمتُ عرض «الشيطان الأبيض» للكاتب أحمد البنا والذى أشاد به الجميع، ومسرحية كليب للدكتور محمد أمين عبدالصمد عن حرب البسوس.
ما المقومات والمهارات الأساسية التى يجب أن يتمتع بها مخرج مسرح الثقافة الجماهيرية ليتعامل بنجاح مع تنوع القدرات والخلفيات الثقافية لدى الممثلين؟ 
المطلوب من المخرج الذى يخرج فى الثقافة الجماهيرية أن يتميز بالصبر والجلد والجدية، وأن يستطيع بأقصر الطرق توصيل مفهومه ورؤيته للفنانين المشاركين معه؛ لأنك تتعامل مع نوعية من الفنانين ليسوا جميعهم من المثقفين، بل إن منهم بعض العمال ومن يفكّون الخط فقط. ?
هذا الأمر يمتعنى كثيرًا، وعندما أجد أحدًا من غير المتعلمين حريصًا على التمثيل وحاببًا له، فإن ذلك يمنحنى السعادة؛ لأننى أمنحه شيئًا كان يحلم به وأحقق له حلمه. ?
وربما كان ذلك جليًا فى عرضنا الأخير؛ فقد كان معنا فنان كبير جاء وانضم إلينا، وكان يستقل ثلاث مواصلات ليصل إلى الفرقة. وقد كان هذا الفنان مفاجأة للجميع؛ لأنها المرة الأولى التى يقف فيها على خشبة المسرح رغم تجاوزه سن الستين، لكنه شكل مفاجأة لكل الفنانين فى فرقة ‹مسرح الفلاحين›.»
ما أبرز التحديات التى واجهتك خلال رحلتك وكيف أثرت على اختيارتك الفنية؟
خلال مسيرتى المهنية، واجهت تحديات جمّة فى التعامل مع بعض الموظفين ممن يفتقرون إلى الوعى بأهمية ورسالة العمل الفني؛ إذ يقتصر مفهوم العمل لديهم على مجرد الحضور والتسجيل فى الدفاتر، دون إدراك حجم المسئولية المطلوبة لإتمام العرض. كما أن البعض منهم يحمل أفكارًا معطلة للتقدم. وعلى الرغم من هذه الصعوبات والمعاناة، يبقى التغلب على هذه العقبات وإخراج العرض إلى النور إنجازًا يمنح شعورًا كبيرًا بالرضا والانتصار.
ما رأيك فى واقع مسرح الثقافة الجماهيرية وما يواجهه من معوقات؟ 
من وجهة نظرى، ما ينقص مسرح الثقافة الجماهيرية اشفق حقيقةً على الفنان الكبير القدير هشام عطوة؛ فأغلب العاملين بالمواقع الثقافية لا يؤدون دورهم على الوجه الأكمل، بل إن معظمهم يحمل فكرًا رجعيًا يقف ضد الفن وضد تقديم العروض بكامل طاقتها. هم يحاولون دومًا اختصار الليالى المسرحية التى تمنحها إدارة المسرح للفرق إلى أيام معدودة بمنطق «اقلب بقى كفاية كده»، وذلك رغم شغف الجمهور واشتياقه الحقيقى لهذه العروض».
كيف ترى خطواتك القادمة ما هى مشروعاتك الفنية المقبلة التى تجهز لها فى الوقت الحالى؟
اعتقد بعد هذا التكريم وهو اعلى وسام حصلت عليه من الدولة اعتقد أننى وضعت نفسى فى مواجهة كبيرة فى المسرح لابد أن اظل متفوقًا على مستوى التحضيرات القادمة، أشتغل حاليًا مع الكاتب الكبير سليم كتشنر على مسرحية عن السيد المسيح بعنوان «أورشليم أورشليم». كما أفكر فى تقديم عرض غنائى ضخم، لا أريد الكشف عن تفاصيله الآن حتى يكتمل تمامًا، لكنه يتناول أوبريت من أوبريتات الشيخ سيد درويش، وأعدكم أن طاقم العمل (الكاست) الذى أعده سيكون مفاجأة كبيرة للجمهور».


رنا رأفت