مسرحية السيد .. ينقدها ضبع!!

مسرحية السيد .. ينقدها ضبع!!

العدد 993 صدر بتاريخ 7سبتمبر2026

يواصل الناقد «ضبع» نقده لمسرحية «السيد» في جريدة «الأهرام» - في مايو 1936 – فيقول تحت عنوان «توزيع الأدوار»: فقد وفقت الفرقة القومية في توزيع أدوار هذه الرواية توفيقاً ظاهراً فيما عدا دوري «دون دياج» وبنت الملك، فقد كان إسنادهما إلى أصحابهما إسناداً غير موفق ولم يكن من المستحسن إسناد دور دون دياج للأستاذ عمر وصفي وإغفال من هم أحق به منه وأجدر بتأديته، أمثال الأستاذ جورج أبيض!! 
عهدنا بروايات الأستاذ زكي طليمات موزعة الأدوار توزيعاً عادلاً، ولكنا في هذه المرة نرى أن الفرقة قد أخطأت وحرمتنا مشاهدة دور دون دياج من ممثل قدير على تأديته .. وللأستاذ عمر وصفي استعداد للعمل في نواح معينة، أبعد ما تكون تشابهاً بدور دون دياج! وفضلاً عن هذا فإن رواية «السيد» كما قلنا رواية إلقاء كلام وليست رواية حركات تثير ضحك الجمهور، فينسى هذا الجمهور عجز الممثل عن الإلقاء الصحيح، فضلاً عن عدم استذكار دوره كما يجب. لقد كان عزاؤنا الوحيد في إسناد هذا الدور إلى الأستاذ أبيض أن نرى توازناً في الحركات وكمالاً في الإلقاء وسلامة في الصوت .. ولكن!!
أما إسناد دور بنت الملك إلى السيدة عزيزة أمير فإقحام لها، فيما ليس لها عليه قدرة، وسلطان .. إن عوامل التأدية من صوت ومخارج ألفاظ، وإلقاء وحركة وإشارة عند السيدة عزيزة أمير أضعف بل أقل منها اكتمالاً عند السيدة زينب صدقي!! لا أنكر ما بذلته السيدة عزيزة أمير من جهد، وما حدثتنا عنه أسارير وجهها وقسماته من جيد فهمها لدورها .. ولكن هذا بالطبع ليس هو كل فن الممثل! إن السيدة عزيزة أكثر صلاحية للروايات العصرية منها للروايات الكلاسيكية التي يتركز نجاحها على الإلقاء الصحيح دون سواه .. ولقد شاهدناها في أهل الكهف، فكانت بفضل زكي طليمات وبفضل جهودها ودأبها على مذاكرة دورها آية فنية .. ولكن الفرقة بإسنادها هذا الدور إليها، لم تراع استعدادها .. أما باقي الأدوار فقد أحسن توزيعها، كما قلنا من قبل، بشكل غريب يزيد في حيرتنا إزاء الدورين السابقين .. فقد قامت السيدة زينب صدقي بدور شيمان خير قيام وأننا بمشاهدتها في هذه الرواية، نصرح أن جهودها السابقة في «تاجر البندقية، وأندروماك، ونشيد الهوى» تضاءلت أمام دورها في هذه الرواية. ودور شيمان هذا، دور معقد، ملتوي النزعات، كثير الألوان متناقض العواطف فيه قوة وضعف، فيه ثورة واستسلام، فيه حب وبغض .. دور کھذا خليق بزينب صدقي ليس في هذا من شك، غير أن نجاحها في تأديته، لا يمنعنا من أن ننصح لها بأن لا تستسلم لعصبيتها على المسرح، فتفقد توازنها، وتحرج نفسها .. وقد وفق الأستاذ زكي رستم في تأدية دور الكنت توفيقاً ظاهراً طغى على دوريه في «أهل الكهف ومجرم». أما «سراج منير» فمع نجاحه في تأدية دوره فقد لاحظنا عليه جموداً في حركته لا يبرره مبرر. وكما كان الأستاذ منسى فهمي ممثل دور الملك عظيماً في أدواره السابقة كذلك كان في رواية السيد! ولقد رأيناه في «أهل الكهف» راعياً مخلصاً، يأخذ بالألباب، ودوقاً لفلوستر في «الملك لير» فكان موضعاً للإعجاب والتقدير، ونائباً عاماً في رواية «مجرم» فأمنا به وبنبوغه في فنه لولا أن كان تشوبه في دوره هذا قليل من الكلفة الظاهرة. أما في رواية «السيد» فقد وفق أيما توفيق، فله تهانينا. وللآنسات نجمة إبراهيم وصيفة شيمان، وفردوس حسن وصيفة بنت الملك، وأمال حلمي «من الوصيفات» مميزات خاصة تأبي عليهن إلا التقدم. أما دور «السيد» أهم أدوار الرواية، وقد قام به الأستاذ «حسين رياض»، فكان موفقاً في تأديته فقد كان هو كل شيء .. وهكذا يأبى حسين رياض إلا التقدم. وليسمح لنا بأن نصارحه بأن دوره في الفصل الثالث وهو يقص على الملك قصة انتصاره في حربه على المغاربة، يحتاج إلى عناية كبيرة .. وأخيراً نلفت نظر الأستاذ المخرج إلى أن الملك ظهر والتاج على رأسه من غير أن يضع «المسلح» على كتفيه، وأن شيمان لبست ملابس الحداد على أبيها وذهبت إلى قصر الملك، بينما وصيفتها تختال بملابسها الزاهية اللون .. والآن يحق لنا أن نهنئ الفرقة القومية بنجاحها في هذه الرواية، مقدرين للأستاذ خليل مطران دقة ترجمته والأستاذ طليمات توفيقه في إخراجها، لولا تلك الهنات القليلة التي لا تمس الرواية في جوهرها وحضرات الممثلين والممثلات ومنظمي المسرح على ما بذلوه من جهد محمود .. وبالجملة فقد كان تمثيل هذه الرواية انتصاراً للغة، والفن، فإلى الأمام. [توقيع] «ضبع»
كانت جريدة «كوكب الشرق» آخر الصحف التي تناول ناقدها الفني عرض المسرحية، ونشر مقالته في منتصف مايو 1936 تحت عنوان «السيد على مسرح الأوبرا الملكية تعريب الأستاذ الكبير خليل بك مطران وإخراج الأستاذ زكي طليمات»، وقد بدأها الناقد بمقدمة قال فيها: لعلني إذ أكتب الآن عن هذه المسرحية أكون قد تباطأت في الكتابة عنها بالقدر الذي لا عذر معه لمثلي على شدة رغبته في الكتابة عن عمل الفرقة القومية في سبيل ترقية المسرح المصري، والبلوغ به إلى المستوى اللائق بالأمة المصرية في حاضرها وما نرجوه في مستقبلها، ولكني مع انعدام العذر في التباطؤ والتأجيل، أحب ألا أضيف إلى التقصير في هذه الناحية تقصيراً أبعد منه أثراً بترك الكتابة في هذا الموضوع. وأحب أيضاً قبل أن أخوض فيما أنا بسبيله من البحث أن ألفت النظر إلى أن ما أقوله الآن، قد خلت البواعث عليه من أي مؤثر خارجي أو غرض خاص، كالشأن فيما كتب من المقالات في بعض الصحف منذ قليل من الزمن وكان الدافع إليه أغراض ومآرب تكشف عن أحوال مستترة بينها بعضهم لبعض، فكان منها في مجموعها قلة غير موفقة ولا حكيمة أريد منها أمر ذاتي فكادت تقضي على العمل نفسه ونظامه، وتقضي بالتالي على ما نرجو من الضير في نمائه وازدهاره وكان من الحسن أن احتمل الذين وجهت إليهم الحملة بغير حق ما وجه إليهم من المطاعن في عملهم بصبر الحكماء وتريث العقلاء المتبصرين إشفاقاً على العمل ورحمة بهذه الطائفة التي تعيش منه أن ينفرط عقدها فتعود إلى حيث كانت تندب الفن وترثيه وتردد أهازيج الترحم على زمان كان أهل الفن فيه موفوري الكرامة مكفولة أرزاقهم. 
شعر الناقد أنه أطال في مقدمته، فقال: «أحسبني بعد هذا الاستطراد، الذي دعتني إليه الضرورة قد ذهبت بالقارئ إلى أبعد من الغرض الذي بينه في رأس المقال، وأراني حسيباً بأن أعود به معتذراً إلى الموضوع». وتحت عنوان «وقائع القصة»، قال: نستطيع أن نبدأ القصة من حيث يلتقي مؤدب الملك مع قائد جيوشه وكان هذا المؤدب في زمان شبابه من خيرة القواد وكبار الجند الذين يحق لهم الفخر بماض مجيد مشرف، وكان القائد قد ازدهاه توالي انتصاراته ونفخ أوداجه عرفان الشعب هذا الفضل له، فيجري بين الاثنين حديث ودي، فنبس فيه القائد على المؤدب هذه النميمة التي أسبغها عليه الملك بذكر التقدير للرجال وخطأ وقع فيه، مما حمل المؤدب على أن هذه المطاعن بذكر مفاخره وآيات عهده السابق، وكان إذ احتدمت بينهما المناقشة حتى صارت إلى مشاحنة عنيفة ثم تطورت فإذا هي مبارزة بالسيف كان نتيجتها أن ضرب القائد سيف المؤدب فأسقطه من يده وداس عليه بقدمه. وكانت الإهانة فظيعة كبيرة لا يغسلها إلا الدم، فلقى المؤدب ابنه وقص عليه القصة بعبارة مؤثرة مهيجة وطلب إليه أن يقتل ذلك القائد اقتصاصاً منه على ما ألحق به من إهانة، وكان الموقف دقيقاً جداً حين عرف الابن غريم أبيه لأنه كان والد حبيبته «شيمان» بطلة القصة. ولكنه مع ذلك أجاب نداء الواجب وعاهد أباه على سفك دم غريمه. وبلغ إلى مسامع الملك فأوفد رسولاً إلى قائده، يدعوه ليفصل في الأمر بما يرضي مؤدب ولده، وذهب إليه الرسول فجعل يلاطفه تارة ويهدده أخرى عساه أن يبلغ من ذلك رضاء الملك، ولكن القائد هزأ بهذا كله واستكبر استكباراً فمضى الرسول يائساً من إصلاح الأمر. ووقع ما كان المحبون يخشونه فلقى ولد المؤدب قائد الملك ودعاه إلى المبارزة فتم قتله .. كانت ابنة الملك عاشقة لابن المؤدب ولكن دمها الملكي وتقاليد أسرتها في ذلك الزمان حرما على أمثالها أن ينعمن بجمع شملهن على من يحببن من الرعية وإن سما مركز المعشوق أو طاول النجم علاه، فنزلت عنه مرغمة «لشيمان» ابنة القائد وجعلت تسعى في ربطها برباط الزوجية لعلها تجد الشقاء من داء الحب حين يدركها اليأس منه. وعلى هذا النحو كانت علاقتها بالقصة. 
أما «شيمان» فقد كانت تعشق خطيبها وتهيم به حباً، فلما قتل أبوها بيده، ذهبت تستعدي عليه الملك ليغسل عنها عارها بقتله، فكانت تتنازعها عاطفتان مستعرتان تشبان في فؤادها لهيباً ولوعة، غرامها وواجبها، فبينما هي تحترق لهفة على لقاء الحبيب إذا هي تسعى إلى سفك دمه انتقاماً لأبيها، ووعدها الملك بأخذ الحق لها. أما الخطيب الحبيب الذي قتل أبا محبوبته فقد سحق فؤاده أسى ولوعة وبلغ به اليأس إلى حد التفكير في الانتحار، ولكن الظروف أنقذته إذ وصلت إلى المدينة أنباء عن غارة بربرية توشك أن تدهمهم وكان قد اجتمع في بيت خمسمائة جندي من زملائه الأقدمين في الحروب، حلفوا حين سمعوا بنبأ إهانته ليعاونوه في طلب ثأره، فاقترح على ولده أن يتولى قيادتهم ويقوم بطرد البرابرة المغيرين على المدينة، فإن لقى حتفه في صد الهجوم فقد استراح ومات ميتة كريمة وإن عاش وانتصر فقد عوض الملك قائداً مظفراً بقائد مظفر، وطرد الشاب البرابرة وأسر ملكين من ملوكهم وجاء بهم مصفدين في الأغلال إلى ديوان الملك فهنأه بهذا النصر المبين ومنحه لقب «السيد» مكافأة له، وبينما هم في ذلك إذ دخلت «شيمان» تستعدي الملك من جديد وتسأل فرسانه المعونة في طلب ثأرها وحاول الملك أن يرضيها ولكنها رفضت إلا الثأر والانتقام واشترط الملك فيمن يتقدم لطلب ثأرها بقتل هذا القائد الجديد أن يكون أي للمنتصرين زوجاً لها .. وحدث بعد ذلك أن تغلب «السيد» على منافسه وذهب المنافس يقص عليها القصة فما رأته داخلاً حتى ظنت أنه قتل «السيد» فصرخت فيه ووصمته بالخيانة وكذبته دون أن تسمع كلامه وكان ذلك في بيت الملك فدخلت الجماعة وأخبروها بأن «السيد» انتصر وأنه أصبح جديراً بزواجها منه، فعادت إلى حكاية الثأر من جديد ولكن الملك حكم بما ارتضته شرطاً في مبارزته للضابط الآخر.
وتحت عنوان «لغة القصة» قال الناقد: والقصة بعد ذلك حافلة بالعاطفة فياضة بالمعاني جديرة بالبحث والتأمل فأما لغتها فليس جديداً أن نقول فيها إنها نصر فوق نصر لصناعة التعريب ويكفي أن يكون معربها أستاذنا الكبير خليل بك مطران شاعر العربية في هذا الزمان ليعلم القارئ أن لغة الرواية قد بلغت غاية الرضى من النظارة ومكان الغبطة من الباحثين وحسبنا أن هذه المسرحية قد لقيت من الإقبال ما لم يكن مقدراً إلا لأمثالها من غوالي دور المسرح الأجنبي إذا نقلت إلينا بلسان عربي مبين، نعجب به في بساطته ويعجز دونه العظماء في بلاغته ودقته ومن الخير هنا أن ننوه بما يكون من أثر فهم المعرب لروح المؤلف، كما هو الشأن في كل المسرحيات التي عربها الأستاذ الكبير خليل بك، وبحسبي هذا القدر في التعريف بلغته المسرحية إذ إن الإطناب فيه ينقص من قدر بلاغته وحسن روائه وبهجته.
وتحت عنوان «الإخراج»، قال: أما الإخراج فقد كان في مجموعه جيداً لولا بعض ملاحظات صغيرة نحب ألا نسهب في بيانها، فمنها ما كان على الضوء وتوزيعه وتلوينه، ومنها ما كان يمكن أخذه على الممثلين في أدائهم لأدوارهم، في لهجة النطق وفي الإشارات والحركات إلى آخره، فأما توزيع الضوء وتلوينه وما يتصل بذلك من الفن فأحسبني قد نسيت ما أخذته على الإخراج من ذلك وإن كنت أستطيع أن أدل عليه إذا رجعت إلى بعض ما دونته من الملاحظات عن ذلك ولست أملك الرجوع إليه الآن، وإن كنت أذكر تماماً كيف كانت السيدة زينب صدقي وهي تؤدي دور «شيمان» العاشقة المعشوقة، فتحسن أداء ما تريد من الحركات وتجيد إظهار ما تشاء من الإشارات، غير أن لغتها الأعجمية كانت تؤذي السامع وتشوش على الذهن جمال المعاني التي نظمها المؤلف وأداها إلينا المعرب فأحسن الأداء، بل لقد كانت تنساب الألفاظ والكلمات مِن فِيها وكأنها من فتيات الفرنجة الحديثات العهد بالعربية، فتفخم ما لا يفخم، وترقق ما لا يحتاج إلى ترقيق، ثم ترفع منصوباً وتخفض مرفوعاً وتزاحم بين الكلمات في خروجها فكأنما كانت تنطق الكلمات جملة، فهل إلى ملافاة هذا العيب من سبيل؟ وأما السيدة عزيزة أمير فأحسنت الكلام ولكنها لم تحسن الحركة، فما كانت هذه ابنة ملك سريعة التلفت كثيرة القيام والقعود في غير وقار السيادة وأبهة الملك، فكأنما كانت سيدة أثرت بعد فقر وعزت بعد ذل فهي في حركاتها تلك كما يقول العامة «محدثة». أما حسين رياض في دور «السيد» فهو هو في أدواره جميعاً الفتى الأول. وكذلك أجاد بقية الممثلين أداء أدوارهم إلى حد كبير.


سيد علي إسماعيل