«ساعة حظ».. مع مسرح الأربعينيات

«ساعة حظ».. مع مسرح الأربعينيات

العدد 991 صدر بتاريخ 24أغسطس2026

في ختام فعاليات المهرجان القومي للمسرح حصل الشاعر أحمد زيدان على جائزة أفضل شاعر عن العرض المسرحي «ساعة حظ» -الذي عمل دراماتورجيًا أيضًا للعرض- وهي جائزة مستحقة وعن جدارة، فقد جعل زيدان الأغنية عنصرًا رئيسيًا في بناء الحدث بجانب الحوار الذي جاء أغلبه بلغة شعرية تستلهم الأغنية المصرية في أربعينيات القرن العشرين، دون أن تقع في أسر التقليد، فجاءت الكلمات معبرة عن الشخصيات منتمية إلى زمنها، وقادرة في الوقت نفسه على مخاطبة وجدان المتلقي الحالي. 
تبدأ الأغاني منذ اللحظات الأولى كجزء من الحالة العامة التي تفرضها الحرب، فتصبح صفارات الإنذار والإيقاعات الموسيقية من أهم الملامح المميزة للعرض، كما أن الأغنيات موظفة بدقة لتكون  وسيلة لتصعيد الحدث، فالأغنية التي تدور حول ساعة الحظ الطبقي (ودي ساعة حظ وحدفتنا وسط الدهماء وسط الغوغاء) لا تتناول الحظ باعتباره قيمة إيجابية، وإنما تكشف المفارقة الكامنة في العنوان، حيث يظن الجميع أن الحظ هو الذي قادم إلى المخبأ لينجيهم من القصف، بينما تكشف الأحداث أن هذا الحظ نفسه يضعهم في مواجهة أصعب اختبار أخلاقي، وتبلغ الأغنيات ذروة حضورها الدرامي في لحظات الصراع، فعندما يشتد الجوع وتصبح لقمة الخبز أغلى من المكانة الاجتماعية، تتحول أغنية بالطابور إلى مشهد كاشف لانهيار النظام الاجتماعي القديم (بالطابور والنظام والهدوء مش ناقصة زن)، فلم يعد البيك أو الأفندي قادرًا على فرض سلطته، بل أصبحت السلطة لمن يملك الطعام أو يسيطر على توزيعه، ومن هنا يكشف العرض كيف تستطيع الأزمة أن تعيد إنتاج العلاقات الإنسانية وفق منطق جديد تفرضه الضرورة، ولم تغفل الأغاني الجانب الوجداني فجاءت بعضها لتكشف عن الحنين إلى الحياة خارج المخبأ، وعن الشوق إلى الشمس والهواء والشارع (السما مليانة خيوط ونور)، وهي لحظات تمنح الشخصيات بعدًا إنسانيًا يتجاوز انتماءاتها الطبقية، ومن هنا فإن الأغاني تقوم بدفع الحدث إلى الأمام وتعمق البناء النفسي للشخصيات، ونجح العرض في استعادة روح المسرح الغنائي في هذه الفترة الزمنية من خلال تداخل الحوار مع الغناء. 
 وقد لعبت موسيقى زياد هجرس دورًا أساسيًا في تحقيق هذا الهدف، فهو لم يكتف باستحضار ملامح الموسيقى المصرية في أربعينات القرن الماضي، بل أعاد توظيفها حيث استخدام الآلات الشرقية مثل العود والقانون والرق والطبلة، بجانب الآلات الغربية ليجمع بين الأصالة والمعاصرة، كما تم استخدام المؤثرات الصوتية مثل صفارات الإنذار وصوت القصف.
    ومن إيجابيات العرض أيضًا أن المخرج حسام التوني لم يجعل الجمهور ينتظر بداية العرض داخل القاعة لكنه استقبله في الخارج بأوفرتيرة حية، فكان بائع السميط ينادي على بضاعته، المتسولة تستجدي المارة، المجذوب يهيم في المكان، يتحرك الخواجة والكونستابل، وباقي الشخصيات وسط الجمهور، وكأنهم جزء من شارع مصري في أربعينيات القرن الماضي، فلم يكن المتفرج يشاهد مسرحية، بل يعيش يوم من الماضي ويتحاور مع شخصياته، قبل أن تقطع صفارات الإنذار هذه الحالة ويهرع الجميع إلى المخبأ، وبهذه الافتتاحية أراد المخرج أن يجعل الجمهور شريكًا في الأزمة، وأن يعيش لحظة التحول نفسها التي عاشتها الشخصيات، فيصبح المخبأ امتدادًا للشارع، لا مكانًا منفصلاً عنه، وبهذا ينجح العرض منذ بدايته في محو الحدود بين الواقع والتمثيل، ليؤكد أن ما سيجرى داخل المخبأ ما هو إلا صورة مكثفة لما يحدث في المجتمع.
    يأتي «ساعة حظ» الذي أنتجته فرقة مسرح الشباب في إطار مشروع «أول ضوء» ليعيد قراءة أحد النصوص المسرحية لمحمود تيمور وهو «المخبأ رقم 13»، الذي كتبه في أجواء الحرب العالمية الثانية، وتتمثل أهمية هذا النص في قدرته على تجسيد موقف الإنسان الذي يجد نفسه فجأة أمام الموت، وقدرة الكوارث على إذابة الفوارق الطبقية، فلم يكن تيمور معنيًا ببناء حبكة تعتمد على المفاجآت، بقدر اهتمامه بتشريح المجتمع، فجعل من المخبأ فضاءً دراميًا مغلقًا، يضم نماذج تنتمي إلى طبقات وثقافات مختفة، ومع مرور الوقت تتحول الأزمة الخارجية إلى أزمة داخلية، فتسقط الأقنعة الاجتماعية، وتظهر الأنانية، الطمع، الخوف، الحب والتضامن، باعتبارها مكونات أصيلة في النفس البشرية، وهنا يتحول المخبأ إلى نموذج مصغر للمجتمع، فالجدران التي تحمي الشخصيات من القصف لا تستطيع أن تحميهم من أنفسهم ومن تناقضاتهم، لذلك فالحرب لم تكن هي الخصم الحقيقي، وإنما الإنسان نفسه وهو يواجه اختبارًا يكشف حقيقة قيمه ومعتقداته، ومن هذا المنطلق بنى الكاتب أحمد زيدان «دراماتورج العرض» رؤيته، فقد حافظ على البنية الأساسية للصراع مع إعادة إنتاج النص بلغة المسرح الغنائي الذي يضم: الأغنية، الاستعراض، الموسيقى والحركة بجانب الحوار، وأهم ما يميز هذه المعالجة أنها التقت مع فكر تيمور حيث كان يرى أن المسرحية عمل يكتب ليجسد فوق الخشبة، ولذلك دافع عن استخدام العامية في المسرح وأصدر بعص نصوصه في نسختين بالفصحى والعامية ومنهم هذا النص «المخبأ رقم 13»، انطلاقًا من إيمانه بأن الفصحى لغة القراءة، أما العامية فهي تمتلك القدرة على التواصل المباشر مع الجمهور، وعلى التقاط نبض الحياة اليومية، ومن هنا نجد الكاتب قد اختار النسخة العامية، فالعامية في العرض لم تكن وسيلة للتبسيط، بل أنها تظهر الفوارق الطبقية بين الشخصيات بوضوح وتمنح كل منها نبرته الخاصة، فحديث البكوات يختلف في إيقاعه ومفرداته عن لغة قشقوش أو بسبوسة أو الفولي، لتصبح اللغة نفسها وسيلة للكشف عن البنية الطبقية التي يقوم عليها النص.
ونجح العرض في طرح فكرة محمود تيمور عن قدرة المكان المغلق على كشف حقيقة الإنسان، فلم يكن المخبأ مجرد ملجأ للهرب من القنابل، بل تحول إلى مختبر اجتماعي ونفسي، تتعرى داخله الشخصيات من امتيازاتها وتظهر تناقضاتها بوضوح، وتتجسد داخل هذا الفضاء أنماط مختلفة من المجتمع، حيث يوجد الارستقراطي الذي يتمسك بتفوقه الطبقي حتى في مواجهة الموت، التاجر الذي لا يتخلى عن جشعه رغم الكارثة، المثقف الذي يحاول تفسير كل شيء بعقله، والعامل البسيط الذي يتعامل مع الأزمة بفطرته، المتسولة التي تبدو أكثر إنسانية من كثير ممن يملكون المال والنفوذ، الشيخ عميشة الذي يلتف حوله البسطاء بحثًا عن الطمأنينة، ولا يصدر العرض أحكامًا على هذه الشخصيات، بل يترك الأزمة نفسها تتولى كشف حقيقتهم.
    وقد جاء ديكور محمد طلعت بسيطًا في مفرداته، لكنه بالغ الثراء في دلالاته، فمنذ الوهلة الأولى يفرض المخبأ حضوره باعتباره مكانًا حقيقيًا ومجازًا في آن واحد، جدران خرسانية متشققة، أعمدة تحمل آثار الزمن، مقاعد خشبية متواضعة، وقد نجح في خلق إحساس الاختناق والترقب، وهو الإحساس الذي ظل يتصاعد مع تطور الأحداث حتى بدا المخبأ وكأنه يضيق على من فيه شيئًا فشيئًا.
    وجاءت إضاءة أحمد أمين لتكمل هذا التكوين البصري، فلم تكتف بإنارة المكان، وإنما شاركت في بناء المعنى حيث حافظت على الطابع الواقعي للمخبأ من خلال مصادر ضوئية تبدو منطقية داخل المكان، بينما كانت تتحول تدريجيًا مع تصاعد الأزمة، فتنتقل من إضاءة مستقرة إلى مساحات من الظل والضوء تعكس الاضطراب النفسي للشخصيات، وفي المشاهد الغنائية يكتسب الضوء وظيفة احتفالية.
أما الملابس التي صممتها بحرفية عالية أميرة صابر فقد جاءت امتدادًا للرؤية التاريخية للعرض، من خلال استعادة لموديلات هذه الحقبة وما شملته من تنوع حسب الطبقات الاجتماعية، وقد صمم حازم أحمد دراما حركية عملت على تأكيد الشعور بالحصار والاختناق داخل مكان مغلق.
    ويبرز الأداء التمثيلي باعتباره أهم عنصر في العرض، حيث قدمت نادين عامر شخصية عفاف بأداء اتسم بالرقة والصدق، بينما ابتعدت هالة محمد في تجسيد شخصية بسبوسة عن الصورة النمطية للمتسولة فقدمت امرأة تحمل بساطة الشعبية والدفء الإنساني، وقد قدم ياسر أبو العينين بخبرته الطويلة شخصية الخواجة ديموس بحضور مسرحي راسخ، ونجح عادل الحسيني في التعبير عن التحول الذي تفرضه الأزمة على الشخصية من خلال تجسيد شخصية قشقوش، كما اعتمد محمد مجدي كامبا على التعبير الجسدي والصمت أكثر من اعتماده على الكلمة في تجسيد شخصية الشيخ عميشة، كما قدم علي الباهي شخصية نبيل بك بكبرياء طبقي واضح انعكس في نبرة الصوت وحركة الجسد، وجسد محمد بغدادي شخصية فهيم الخشن ببرود المثقف الذي يحاول إخضاع الواقع لمنطقه العقلي وهو يواجه خطر الموت، كذلك محمد أسامة الهادي الذي جسد شخصية المعلم فولي الذي ينتمي إلى الطبقة الشعبية، وأسهم كل من يسري إبراهيم، محمد عيسى، ليلى عبد القادر، وأحمد جيمي في استكمال ملامح هذا المجتمع المصغر محافظين على مستوى متوازن من الأداء، مما يرسخ للبطولة الجماعية، وهو ما يظهر بوضوح للمتلقي من خلال تضافر جميع العناصر الفنية لتقديم عرض مسرحي مميز على كافة المستويات، معتمدًا على نص جيد، ومخرج يمتلك وعيًا بطبيعة المسرح الغنائي.


نور الهدى عبد المنعم