مسرح الأقاليم وبناء رأس المال الاجتماعى للأمة:حين قرأت التصور الذى كتبه الممثل الأمريكى ويليم دافو عن المسرح المجتمعى، لم أتعامل معه بوصفه مقالًا نظريًا يشرح وظيفة أحد أشكال النشاط المسرحى المنتشرة فى الولايات المتحدة، بل قرأته باعتباره شهادة إنسانية صادقة صادرة عن فنان عاش التجربة من داخلها، وأدرك بحكم ممارسته الطويلة أن المسرح لا يصنع العروض فقط، بل يصنع البشر أيضًا.ولعل أكثر ما شدنى فى هذا النص أن كاتبه لا يتحدث عن المسرح بوصفه مؤسسة فنية منفصلة عن المجتمع، وإنما يراه جزءًا من النسيج الحى للحياة اليومية. فالمسرح المجتمعى، كما يصفه، ليس مكانًا يذهب إليه الناس لمشاهدة عرض ثم يعودون إلى بيوتهم، بل فضاء اجتماعى وثقافى تتشكل داخله العلاقات الإنسانية، وتُبنى فيه الثقة المتبادلة، وتُصاغ عبره هوية الجماعة.لقد انشغل كثير من منظرى المسرح عبر التاريخ بالحديث عن القيمة الجمالية للفن المسرحى، بينما يلفت هذا المقال الانتباه إلى قيمة أخرى لا تقل أهمية، هى القيمة المدنية للمسرح. فالمجتمع لا يتكون فقط من مؤسسات سياسية واقتصادية، وإنما يتكون أيضًا من شبكات إنسانية تربط الأفراد بعضهم ببعض. وهنا يؤدى المسرح المجتمعى دورًا بالغ الأهمية، لأنه يجمع أشخاصًا من خلفيات اجتماعية ومهنية وثقافية مختلفة حول هدف مشترك، هو إنتاج عمل فنى يخاطب مجتمعهم ويعبر عنهم.ومن خلال عشرات الشهادات التى يوردها المقال يمكن ملاحظة أن المسرح المجتمعى يؤدى وظيفة تشبه ما يسميه علماء الاجتماع «بناء رأس المال الاجتماعى». فالأفراد الذين قد لا تجمعهم أى علاقة فى الحياة اليومية يجدون أنفسهم داخل المسرح شركاء فى مشروع واحد. الطبيب يعمل إلى جوار العامل، والطالب إلى جوار المتقاعد، ورئيس المؤسسة إلى جوار الموظف البسيط. وهكذا يذوب كثير من الحواجز الاجتماعية لصالح هوية جديدة هى هوية الجماعة المسرحية.إن ما يلفت النظر فى هذا المقال ليس الحديث عن نجاح العروض أو جودة الإنتاجات، وإنما الحديث المتكرر عن التحولات الإنسانية التى يصنعها المسرح فى حياة المشاركين. فكم من شاب خجول اكتشف ثقته بنفسه على خشبة المسرح؟ وكم من شخص وجد للمرة الأولى جماعة يشعر بالانتماء إليها؟ وكم من موهبة ظلت كامنة سنوات طويلة حتى وجدت مناخها الطبيعى داخل أحد المسارح المحلية؟هذه الشهادات لا ينبغى النظر إليها باعتبارها قصصًا فردية، بل بوصفها مؤشرات على وظيفة اجتماعية عميقة يؤديها المسرح داخل المجتمعات الحديثة. ففى عصر تتزايد فيه العزلة الفردية، وتتفكك فيه الروابط الاجتماعية التقليدية، يصبح المسرح أحد الأماكن النادرة التى تسمح للناس بأن يلتقوا وجهًا لوجه، وأن يعملوا معًا، وأن يختبروا معنى التعاون الحقيقى.ومن زاوية أخرى، يكشف المقال عن أن المسرح المجتمعى يمثل مدرسة ديمقراطية مصغرة. فكل عرض مسرحى هو فى حقيقته تجربة جماعية تتطلب الحوار والتفاوض وتوزيع الأدوار وتحمل المسؤولية واحترام الاختلاف. وهذه كلها قيم مدنية أساسية يحتاجها أى مجتمع يسعى إلى بناء مواطنين قادرين على المشاركة الفاعلة فى الحياة العامة.ولذلك فإننى أرى أن القيمة الكبرى للمسرح المجتمعى لا تكمن فقط فى عدد العروض التى يقدمها أو عدد المتفرجين الذين يجذبهم، بل فى عدد المواطنين الذين يسهم فى تشكيل وعيهم وتطوير شخصياتهم. فالفن هنا يتحول إلى وسيلة للتربية المدنية بقدر ما هو وسيلة للمتعة الجمالية.ويكشف المقال أيضًا عن بعد اقتصادى مهم كثيرًا ما يتم تجاهله عند الحديث عن المسرح. فالمسارح المجتمعية لا تنتج الثقافة فقط، بل تساهم فى تنشيط الاقتصاد المحلى، وجذب الزوار، وتحريك قطاعات عديدة مرتبطة بالحياة الثقافية. وهنا يتضح أن الاستثمار فى المسرح ليس عبئًا على المجتمع كما يظن البعض، بل هو استثمار فى التنمية بمفهومها الواسع.غير أن أكثر ما أثار اهتمامى هو العلاقة التى يقيمها النص بين المسرح والانتماء. فعدد كبير من الشهادات الواردة فيه يتحدث عن شعور المشاركين بأنهم وجدوا داخل المسرح بيتًا معنويًا وعائلة ثانية. وهذه مسألة بالغة الأهمية فى زمن تتراجع فيه الروابط التقليدية التى كانت تمنح الإنسان شعوره بالهوية والانتماء.إن المسرح المجتمعى، وفق هذا التصور، لا يقدم للإنسان دورًا يؤديه فوق الخشبة فقط، بل يمنحه مكانًا داخل المجتمع. ولذلك تتكرر فى الشهادات كلمات مثل الصداقة، والانتماء، والقبول، والتعاون، والنمو الشخصى. وهى كلمات تكشف أن التجربة المسرحية هنا تتجاوز حدود الفن لتصبح تجربة حياة كاملة.ولعل من أعمق الأفكار التى يطرحها المقال أن المسرح ليس حكرًا على المحترفين. فبعض أعظم الفنانين الأمريكيين بدأوا رحلتهم من المسارح المجتمعية، لكن الأهم من ذلك أن قيمة المسرح لا تُقاس بعدد النجوم الذين يصنعهم، بل بعدد المواطنين الذين يمنحهم فرصة التعبير عن أنفسهم. فليس مطلوبًا من كل من يدخل المسرح أن يصبح نجمًا، وإنما يكفى أن يخرج منه أكثر وعيًا بنفسه وأكثر قدرة على فهم الآخرين.ومن هنا يمكن فهم العبارة التى يختتم بها ويليم دافو مقاله حين يقول إن المسرح العظيم يدور حول تحدى طريقة تفكيرنا وتشجيعنا على تخيل العالم الذى نطمح إليه. فهذه العبارة تختزل جوهر الوظيفة الحضارية للمسرح كله. إن المسرح ليس مرآة تعكس الواقع فحسب، بل نافذة تفتح أمام المجتمع إمكانات جديدة للحياة والفكر والوجود.ومن خلال هذه القراءة أجد أن المسرح المجتمعى يمثل أحد أعمدة البناء الوطنى الحديثة. فهو لا يحفظ الذاكرة فقط، ولا يصنع المستقبل الثقافى فقط، بل يشارك فى صناعة الإنسان ذاته. إنه مدرسة غير رسمية للمواطنة، ومختبر للعلاقات الإنسانية، وفضاء لتدريب المجتمع على الحوار والتعاون والإبداع.ولهذا فإن دعم مسرح الأقاليم والمسرح المجتمعى لا ينبغى أن يُنظر إليه باعتباره دعماً للفنانين وحدهم، بل باعتباره استثمارًا مباشرًا فى صحة المجتمع نفسه. فكل خشبة مسرح تُضاء فى مدينة أو قرية هى فى الحقيقة نافذة جديدة تُفتح أمام الإنسان لكى يرى ذاته ويرى الآخرين ويرى وطنه بصورة أكثر عمقًا واتساعًا.وإذا كانت الأمم تُبنى بالمدارس والجامعات والمؤسسات الاقتصادية، فإنها تُبنى أيضًا بتلك المسارح الصغيرة المنتشرة فى المدن والأقاليم، حيث يتعلم الناس معًا كيف يحلمون، وكيف يتحاورون، وكيف يصبحون مجتمعًا بالمعنى الحقيقى للكلمة.