الا?سطورة كطريق للبعث الا?نساني في مسرحيات ا?براهيم الحسيني

الا?سطورة كطريق للبعث الا?نساني في مسرحيات ا?براهيم الحسيني

العدد 987 صدر بتاريخ 27يوليو2026

منذ أن بدأ الإنسان يحكى قصته الأولى، وُلدت الأسطورة لتعبر عن خوفه من المجهول، وعن رغبته فى تفسير ما لا يستطيع فهمه بالعقل. كانت الأسطورة أول محاولة لتفسير الحياة والموت والطبيعة، ثم تحولت عبر الزمن إلى مرآة للروح الإنسانية، تحمل فى داخلها أحلام الناس وقلقهم وأوهامهم وآمالهم.
فى المسرح، وجدت الأسطورة بيتها الطبيعى. فالمسرح، مثل الأسطورة، يقوم على الطقس، والحكاية، والتحول. لذلك لم يتوقف المبدعون عن العودة إليها، من الإغريق حتى المسرح الحديث، لأنهم وجدوا فيها لغة رمزية أعمق من الواقع.
وفى مصر، كانت الأسطورة جزءًا من الهوية نفسها؛ من أسطورة أوزوريس وإيزيس إلى مراكب الشمس التى تبحر نحو الخلود. ومع تطور المسرح المصرى، وجد كثير من الكتاب فى الأسطورة وسيلة للتعبير عن الواقع بطريقة رمزية وشاعرية، ومن أبرز هؤلاء الكاتب إبراهيم الحسينى، الذى جعل من الأسطورة محورًا أساسيًا فى تجربته المسرحية.
فى مسرحياته، تتحول الأسطورة إلى وسيلة لاكتشاف الإنسان، وإعادة طرح أسئلته القديمة عن الوجود، والحب، والموت، والحرية.
هذه الدراسة تتناول كيف استخدم إبراهيم الحسينى الأسطورة فى سبع مسرحيات كتبها، لتكشف كيف تتحول الحكاية القديمة إلى رؤية جديدة للعالم.

الأسطورة فى مسرح إبراهيم الحسينى: من الماضى إلى الإنسان المعاصر
يصنع إبراهيم الحسينى فى مسرحياته عوالم رمزية يضع فيها الإنسان أمام مرآة ذاته. يؤمن أن الأسطورة ليست حكاية قديمة نقرأها، بل هى صوت داخلى يعيش فينا حتى اليوم. ولهذا، عندما يكتب مسرحياته، فإنه لا يعيد الأسطورة كما كانت، بل يجعلها تتحرك داخل الواقع المعاصر، لتتحدث عن الإنسان الآن، فى زمن الخوف والوحدة والبحث عن المعنى. فى مسرحه، تظهر الأسطورة بعدة وجوه:
أحيانا تأخذ شكل رحلة روحية، كما فى «باب عشق»، حيث يتحول العشق إلى طريق نحو النور.
وأحيانًا تكون بحثًا عن الهوية، كما فى «مذكرات سنوحى المصرى» و«مراكب الشمس»، حين يستعيد الكاتب رموز الحضارة المصرية القديمة ليطرح سؤال الوطن والانتماء.
وفى «وش الديب» و«حكاية سعيد الوزّان» تتحول الأسطورة إلى مرآة اجتماعية تكشف الشر الكامن فى النفس البشرية.
بينما فى «وصفة للاستمتاع بالقتل» تأخذ الأسطورة وجهًا حديثًا، وجه التكنولوجيا التى سيطرت الآن على حياة البشر.
أما «ظل الحكايات» فهى أسطورة داخل الإنسان نفسه، حيث يعيش البطل رحلة فى وعيه المظلم ليبحث عن ذاته الضائعة.
بهذا التنوع، نجح إبراهيم الحسينى فى أن يجعل من الأسطورة لغة تعبر عن الحاضر، وليست حنينًا إلى الماضى.
كل مسرحية عنده تحكى عن إنسان يقف على حافة الخوف، يحاول أن يفهم معنى وجوده، فيتخذ من الحكاية القديمة طريقا نحو الخلاص أو الوعى.

حكاية سعيد الوزّان:
 الأسطورة كرحلة خلاص فردي
تدور المسرحية حول رجل عادى يعيش بين الناس حياة بسيطة، لكنه دائما يشعر أن هناك سر خفى فى حياته عليه اكتشافه، فيبدأ رحلته لاكتشاف هذا السر فى لحظة نبدو بسيكة، لكنها تدريجيا تتنامى فى رحلة روحية داخل ذاته، حينما اكتشف أنه حياته كانت أشبه بميزان، فيعمل لتحقيق التوازن المفقود فى شخصيته بين الحقيقة والوهم وبين العدل والظلم.
هنا يقوم إبراهيم الحسينى بتوظيف فكرة الرحلة الأسطورية كما هى فى الحكايات القديمة، مثلما رحلة اوديسيوس او رحلة جلجامش، وأسفار الأنبياء والعارفين، لكن سعيد هنا لا يرحل فى الأرض، لكنه يسافر داخل نفسه. وفى رحلته تلك يلتقى بأشخاص رمزية تشبه شخوص الحراس والمرشدين فى الأساطير كل منهم يذكره بجزء من ماضيه أو بذنبه القديم، حتى يصل فى النهاية إلى لحظة الوعى، حيث يدرك أن الخلاص لا يأتى من الخارج، بل من معرفة الذات.

الحسينى هنا لا يطرح الأسطورة فى شكل آلهة أو مخلوقات غريبة لكنه يقدمها فى شكل التجربة الإنسانية نفسها. فنجد أن النداء الداخلى والرحلة والموازين والأحلام هى رموز أسطورية تعبر عن البحث عن المعنى وعن فكرة الحساب. فمن خلال شخصية سعيد الوزان يقدم إبراهيم الحسينى صورة الإنسان الذى يواجه أقداره فى محاولة لاستعادة التوازن المفقود وسط عالم ملئ بالتوتر والاضطراب. وهكذا تصبح المسرحية أسطورة حديثة عن الإنسان المقهور الذى يبحث عن عدالته الخاصة، وعن خلاصه الفردى فى عالم فقد بوصلته الروحية. 

مذكرات سنوحى المصرى:
الأسطورة الفرعونية والبحث عن الهوى
فى مسرحية «مذكرات سنوحى» يسترجع الكاتب قصة من أقدم حواديت التاريخ المصرى القديم، هى قصة «سنوحى» الذى دبرت ضده مؤامرة فى القصر، ليتم نفيه خارج وطنه، ليعيش غريبًا عن الوطن لسنوات طويلة حتى يعود ليموت فى وطنه بين أهله.
يستعرض إبراهيم الحسينى الحكاية بشكل جديد حيث يقدمها كرحلة روحية عن معنى الوطن والهوية والانتماء. فيرمز «سنوحى» فى المسرحية إلى الإنسان الذى يتم اقتلاعه من جذوره ليواجه صراع الانتماء والاغتراب. صاغ الحسينى الحكاية على هيئة مذكرات بلغة شاعرية شفافة تكتسى بالاعتراف والحنين. 
فى هذا النص نجد سنوحى يتحدث إلى نفسه، وإلى وطنه البعيد، ويناجى النيل والشمس والآلهة، فيتحول النص إلى مونولوج إنسانى يعبر عن الشوق إلى العودة، وعن الرغبة فى استعادة الذات المفقودة. والأسطورة هنا فتتجلى فى رموز مصرية خالدة: (النيل رمز الحياة والذاكرة – الشمس رمز البعث والنقاء – الرحلة رمز البحث عن الذات).
 وقد جعل الكاتب من عودة سنوحى إلى مصر فى النهاية عودة إلى النور بعد ظلمة الاغتراب، وذلك باستلهام طقوس الموت والخلود عند المصريين القدماء، 
لقد حول إبراهيم الحسينى مذكرات سنوحى المصرى إلى أسطورة عن الإنسان الذى يفقد وطنه ليكتشف نفسه. فجعل من الوطن حالة روحية، وصنع من مصر ذاكرة أبدية تسكن الروح مهما ابتعد الجسد.

مراكب الشمس:
 البعث الحضارى من خلال الرمز الأسطوري
فى مسرحية «مراكب الشمس»، يمزج إبراهيم الحسينى بين التاريخ والحلم، بين أسطورة البعث المصرية القديمة وهموم الإنسان المعاصر.
ينطلق النص من الرمز الفرعونى المعروف - مركب الشمس - الذى كان المصريون القدماء يعتقدون أنه يحمل روح الإله رع فى رحلته اليومية من الشرق إلى الغرب، من الموت إلى الحياة. لكن الحسينى لا يعيد هذه الأسطورة كما هى، بل يستخدمها ليطرح سؤالًا جديدا: هل ما زالت مراكبنا قادرة على الإبحار فى ضوء الشمس؟ أم أننا فقدنا القدرة على البعث من جديد؟
تدور المسرحية فى أجواء رمزية تحاكى الطقس الدينى القديم، حيث تتقاطع أصوات الكهنة، والعمال الذين يبنون المركب، وأبناء الشعب الذين ينتظرون شروق الشمس الجديدة. كل شخصية فى المسرحية تمثل وجها من وجوه مصر: الكاهن يمثل الذاكرة، والنجار يمثل الإبداع، والعامل يمثل الجهد، والمرأة تمثل الخصوبة والأمل. ومن خلالهم جميعا، يبنى إبراهيم الحسينى صورة لمصر وهى تحاول أن تنهض من ركامها، كما كانت تنهض كل يوم مع رع فى رحلته الأبدية.
الأسطورة هنا تتحول إلى مشروع وطنى للبعث. فمراكب الشمس هى رموز للحضارة المصرية وقدرتها على التجدد. المركب فى النص يبحر فى الذاكرة كما يبحر فى الزمن، يحمل الحلم بالمستقبل كما يحمل الماضى المجيد. وفى نهاية المسرحية، يسطع الضوء فوق الخشبة، فى مشهد أقرب إلى المعجزة المسرحية، كأن الشمس تولد من جديد، لتقول إن الشعب الذى عرف طريق الخلود لا يموت.
وهكذا تتحول مراكب الشمس إلى أسطورة معاصرة عن بعث مصر من ظلامها، واستمرار روحها الأبدية رغم كل العصور.

وش الديب: الأسطورة الشعبية ومرآة الشر الإنساني
فى مسرحية «وش الديب»، ينتقل إبراهيم الحسينى من الأسطورة الفرعونية إلى الأسطورة الشعبية، تلك التى ولدت فى القرى، وتناقلها الناس جيلا بعد جيل كتحذير أو حكمة أو لعنة. العنوان نفسه يحمل نغمة غامضة: «وش الديب»، وهو فى الموروث الشعبى رمز للمكر، والافتراس، والخطر الذى يتخفى فى صورة وديعة.
تبدأ المسرحية بحكاية بسيطة: قرية صغيرة يظهر فيها رجل غريب يقال إنه «الديب» الذى يغيّر جلده بين البشر. ومع مرور الأحداث، يتضح أن الخطر الحقيقى ليس هذا الغريب، بل الخوف المزروع فى قلوب الناس، والشر الذى يسكن داخل كل واحد منهم. يحول إبراهيم الحسينى هذه الحكاية الشعبية إلى أسطورة رمزية عن الإنسان، حيث يصبح «الديب» رمزًا للنفس المظلمة، وللغرائز التى نحاول إخفاءها. فكل شخصية فى القرية تحمل جزءًا من الديب فى داخلها، حتى يتحول المجتمع بأكمله إلى مرآة للوحش الذى حاولوا طرده.
الكاتب هنا يوظف عناصر الحكاية الشعبية: (الراوى، التكرار، اللغة المحكية، والإيحاء الغامض)، ليخلق جوا يشبه الطقس الأسطورى. لكن ما يميز النص أنه لا ينتهى بحكاية، بل بكشف نفسى: فالديب لم يكن مخلوقا خارجيا، بل هو ظل الإنسان نفسه، والوشم الذى لا يُمحى من داخله.
وبهذا، يجعل الحسينى من وش الديب أسطورة معاصرة عن الشر الداخلى، ويقدّم رؤية تقول إن الإنسان لا يحتاج إلى آلهة أو شياطين كى يفسد العالم؛ يكفى أن ينظر فى مرآته.

باب عشق: الأسطورة الصوفية وتجليات العشق الكونى
فى «باب عشق» يبلغ إبراهيم الحسينى ذروة مشروعه المسرحى فى توظيف الأسطورة، إذ يمزج بين الأسطورة القديمة والتجربة الصوفية فى نص شعرى يتجاوز حدود الواقع.
العنوان نفسه مفتاح الرؤية «باب عشق»، إنه الباب الذى لا يُفتح إلا لمن يذوب فى الحب، الحب الذى يصبح طريقا إلى الله، وإلى الحقيقة، وإلى الخلاص.
تدور المسرحية فى فضاء رمزى أشبه بالصحراء الكبرى أو عالم بين الحياة والموت، حيث يلتقى مجموعة من الشخصيات: الشاعر الذى يسعى إلى النور، و«دعد» التى تمثل الحب النقى والأنوثة المنقذة، ورخاء الدين الذى يرمز إلى الحكمة، وخازن السر الحارس الذى يختبر الأرواح قبل العبور.
يدخل الشاعر فى حوار مع هذه الشخصيات، لكنه فى الحقيقة يحاور ذاته، فى رحلة من الشك إلى اليقين، ومن العتمة إلى النور. كل كلمة فى النص تتخذ شكلا من أشكال الطقس الصوفى، حيث تختلط التراتيل بالشعر، والعشق بالعبادة، والفناء بالبقاء.
يستعير الحسينى رموزا أسطورية عديدة: (الباب رمز العبور من العالم المادى إلى العالم الروحى - النور رمز الحقيقة المطلقة - الصحراء رمز الخلوة والامتحان - العشق رمز الخلق والاتحاد).
ومن خلال هذا البناء الرمزى، تتحول المسرحية إلى أسطورة روحية معاصرة، تضع الإنسان فى مواجهة ذاته الإلهية، لا بوصفه عبدا، بل كائنا يكتشف الإله فى داخله. وفى المشهد الأخير، عندما يفتح الشاعر «باب العشق»، يغمر النور المسرح، وتذوب الأصوات فى صمت عميق، فى إشارة إلى الفناء الكامل فى المطلق.
وهكذا تصبح باب عشق قصيدة أسطورية عن الحب بوصفه طريق الخلاص، وعن الإنسان الذى يعثر على الله فى داخله حين يفنى عن نفسه.

وصفة للاستمتاع بالقتل: الأسطورة التكنولوجية وانهيار الإنسان
فى هذه المسرحية الجريئة «وصفة للاستمتاع بالقتل» يبتعد إبراهيم الحسينى عن الميثولوجيا القديمة، ليخلق أسطورة جديدة من واقعنا الحديث؛ أسطورة التكنولوجيا والآلة التى صارت تسيطر على الإنسان وتعيد تشكيل وعيه وحياته ومصيره.
تبدأ الأحداث داخل مؤسسة غامضة تحمل اسم «وصفة للاستمتاع بالقتل»، حيث يأتى الناس بمحض إرادتهم ليموتوا بطريقة «هادئة وممتعة». يقدَّم لهم الموت كخدمة ترفيهية، من خلال جهاز متطور يعيد لهم ذكرياتهم قبل أن يُوقف نبضهم تماما.
يدخل «آدم» بطل المسرحية إلى هذه المؤسسة بعدما فقد إحساسه بالواقع وبالإنسانية من حوله، راغبا فى تجربة «الموت المريح». لكن التجربة تتحول إلى كابوس. إذ تتكاثر صوره داخل الشاشات، ويجد نفسه محاصرا بين نسخ رقمية من ذاته. يصير وجهه مادة للعرض، وموته تجربة للآخرين.
وهنا يكشف الحسينى عن وجه الأسطورة الحديثة: الآلة التى ابتكرها الإنسان لتريحه، تبتلعه فى النهاية، تماما كما فعل الإله الأسطورى «كرونوس» حين التهم أبناءه خوفا من زوال سلطته.
يستبدل الكاتب الآلهة القديمة بالرموز الحديثة: الطبيب والممرضة والآلة، وكلّها تؤدى دور الكهنة فى طقس رقمى جديد. حتى لوحات الفن العالمى التى تظهر فى العرض مثل: الصرخة، وجورنيكا، وكرونوس يأكل أبناءه، تتحول إلى أيقونات معاصرة للأسطورة، تكشف عن انهيار الروح وسط حضارة المتعة والموت الافتراضى.
وفى النهاية، يُحاصر «آدم» داخل الشاشة، يصرخ فلا يسمعه أحد، لتغلق المسرحية على سؤال مؤلم: هل أصبح الإنسان إلها لآلة تأكله كما أكلت الأساطير القديمة صانعيها؟
بهذا النص، يقدم الحسينى أسطورة ما بعد الإنسان، حيث تتبدل الطقوس القديمة بشاشات مضيئة، ويصبح المسرح نفسه معبدا للآلة الحديثة التى تسلب الإنسان جوهره الإنسانى.

ظل الحكايات:
 الأسطورة النفسية والبحث عن الذات
فى «ظل الحكايات» يدخل إبراهيم الحسينى إلى أعماق النفس البشرية، ليقدّم أسطورة داخل الإنسان نفسه، حيث تختلط الحكاية بالحلم، والواقع بالوهم، والعقل بالجنون.
المسرحية تبدو فى ظاهرها بسيطة: شاب يُدعى منصور ينتظر القطار فى المحطة، فيغفو قليلا، ليجد نفسه فى عالم غريب من الحكايات المتداخلة، لا يعرف فيه أين يبدأ الحلم وأين تنتهى الحقيقة. فى هذا العالم يلتقى منصور بعدد من الشخصيات الرمزية:
ليل، العجوز التى تجمع الحواس وتحكى عن الملك الذى أكل أبناءه (فى إشارة إلى أسطورة كرونوس).
سلمى، التى تمثل الإغواء والندم.
القزم ذو الرأسين، رمز الانقسام الداخلى فى الذات.
حفّار القبور، رمز المصير الذى لا يمكن الهروب منه.
كل حكاية تجره إلى حكاية أخرى، حتى يكتشف أنه ميت داخل حلمه، وأن كل ما يراه هو انعكاس لروحه الضائعة. وفى اللحظة الأخيرة، حين يقتل «الرجل ذو اللحية»، الذى يرمز إلى الخوف والعقيدة العمياء، يحرّر نفسه من دائرة الكوابيس، كأنه يقتل أوهامه ليولد من جديد.
الأسطورة فى هذا النص ليست عن آلهة أو أبطال، بل عن رحلة الوعى داخل الإنسان. فكل ما يراه منصور هو رموز من لاوعيه، وكل الحكايات التى يسمعها ليست إلا ظلالًا لروحه التى تبحث عن المعنى.
يستعير الحسينى من الأساطير القديمة رموزا مثل «الظل» و«الثعبان» و«الغراب»، لكنه يمنحها دلالات نفسية معاصرة: فالظل هو الذات الخفية، والثعبان هو المعرفة الممنوعة، والغراب هو نذير الوعى بالموت.
وفى النهاية، عندما يستيقظ منصور على صوت القطار الذى يعود إلى المحطة نفسها، نفهم أن الرحلة لم تكن إلا دورة وعى كاملة، كأنها طقس أسطورى للتطهر. وهكذا تتحول ظل الحكايات إلى أسطورة نفسية عن الإنسان الذى يصارع ظله، ويبحث فى داخله عن النور وسط فوضى الحكايات التى صنعها بنفسه.
فى الختام نجد أنه من خلال سبع مسرحيات متنوعة فى الشكل والرؤية، استطاع إبراهيم الحسينى أن يجعل من الأسطورة قلب تجربته المسرحية، باعتبارها لغة إنسانية خالدة تتجدد مع كل عصر. فالأسطورة عنده تجربة تُعاش، وسؤال دائم عن معنى الوجود والروح والمصير، وليست مجرد حكاية تُروى.
فى حكاية «سعيد الوزّان» كانت الأسطورة طريقا للبحث عن الخلاص الفردى والعدل الداخلى.
وفى «مذكرات سنوحى المصرى» تحولت إلى حنين نحو الوطن والهوية، وفى مراكب الشمس صارت أسطورة وطنية للبعث، تستدعى روح مصر القديمة لتضىء حاضرها.
أما «وشّ الديب» فتكشف من خلال الأسطورة الشعبية عن الشر الكامن فى الإنسان، وتحوّل الحكاية إلى مرآة للنفس.
ثم جاءت «باب عشق» لتقدّم الأسطورة الصوفية، حيث يتحول الحب إلى طريق نحو النور، ويتجسّد العشق كقانون للوجود.
وفى «وصفة للاستمتاع بالقتل» خلق الحسينى أسطورة العصر الحديث، أسطورة التكنولوجيا والآلة التى تبتلع الإنسان وتعيد إنتاج موته كعرض مرئى.
وأخيرًا، «فى ظل الحكايات»، عادت الأسطورة إلى داخل الإنسان نفسه، كرحلة فى وعيه الممزق بين الوهم والحقيقة.
بهذه الرحلة الطويلة، يقدّم الحسينى مشروعًا مسرحيًا يؤكد أن الأسطورة لا تموت، لأنها جزء من تكوين الإنسان. هى الطريق الذى يعود إليه كلما ضل، واللغة التى يعبر بها حين يعجز الكلام العادى عن وصف ألمه أو حلمه. إن مسرح إبراهيم الحسينى فى جوهره رحلة بعث إنسانى وروحى، تستخدم الأسطورة لفهم الواقع وتجاوزه.
ويمكن القول فى النهاية إن إبراهيم الحسينى أعاد إلى الأسطورة دورها الأول: أن تُذكر الإنسان بأنه ليس كائنًا ضائعًا فى الصدفة بل حكاية تبحث عن خلودها فى الوعى والفن.


أحمد محمد الشريف

ahmadalsharif40@gmail.com‏