اهتمت مجلة «الراوى الجديد» بعرض مسرحية «مجرم»، وكلفت محررها الفنى «حسن لطفى المنفلوطي» بالكتابة عنها، فكتب موضوعًا كبيرًا نشرته المجلة تحت عنوان «فى الميزان.. مجرم! على مسرح الأوبرا»، قال فيه:هى مسرحية ألمانية روحًا ودمًا للكاتب الألمانى «ريتشارد دفوس» تصور حياة وتفكير وإحساس الجنس الألمانى.. وهى ليست من النوع الحديث الذى يخلو من الحادثة ويدور حول فكرة تظهر نتيجتها فى النهاية، ولكنها مسرحية ذات حوادث وجدنا فيها الكاتب يطرح عدة أفكار يعرضها ويحللها ثم يتركها إلى غيرها. ولكن المسرحية على الرغم من ذلك حية تملؤها الحياة والحس وتموج بالفكر والفلسفة..هى قصة اجتماعية ينظر المؤلف منها إلى العالم بمنظار أسود يهدم فيها قدسية القضاء ويبرر الإجرام والقتل ويقول إننا مجبرون فى هذه الحياة، يقودنا القدر ويصرف أمورنا الدهر فإن قتلنا فنحن آلات لانتقام القدر! يحلل المؤلف فى هذه القصة أشخاص المسرحية تحليلًا جميلًا رائعًا فنرى الصورة بارزة ليس فيها غموض ونرى أفرادها لهم شخصيات تميزهم تمييزًا تامًا من بعضهم وتراه يجنح على الرغم من ذلك إلى البساطة وعدم التكلف ويدخل موضوعه دون مقدمات ويقصد غرضه فى جرأة وشجاعة.ويروى المحرر موضوع المسرحية بصورة تفصيلية مرتبة ومنطقية ومفهومة، قائلًا: تبدأ المسرحية فى قاعة النائب العام، فنسمع منه أن «توماس لير» قد حُكم عليه بالسجن المؤبد منذ عشرين عامًا لقتله مدير عمله وأن «وليم سميث» صاحب الثروة الضخمة وقد أعترف إلى قسيس وهو على فراش الموت أنه القاتل وليس توماس لير! وأراد الاعتراف أمام النائب العام وحده بذلك فجاء القسيس وطلب من النائب العام أن يذهب إلى المحتضر ليسمع منه الاعتراف، وعندما ذهب النائب العام أنكر وليم سميث كل شيء فترك النائب مساعده هناك حتى يأخذ الاعتراف.. كان للمسجون البريء «توماس» زوج وولدان يحبهما حبًا كبيرًا ولما افترق عنهما إلى السجن اتصلت به الزوج مدة خمس سنوات وكانت ترسل إليه الخطاب تلو الخطاب ثم بدأت رسائلها تقلّ حتى انقطعت. ولا يدرى أحد أين مستقرها الآن. وقد كان توماس لير ثائرًا على سجنه كثير التبرم وحاول ذات مرة أن يهرب فلم يفلح ثم خمدت ثورته واستكن إلى حياة سجنه وجعل قلبه يفقد الحياة شيئًا فشيئًا حتى فقد الحياة وأصبح القلب ميتًا لا يحس ولا يشعر.. أرسل النائب العام وأحضر «توماس لير» فوجدنا رجلًا قد تهدم وأبيضّ شعره على الرغم من صغر سنه وأصبح ينظر إلى كل شيء فى هذا العالم بنظرة متفرج غير مهتم! حاول النائب العام أن يستدرجه إلى الحديث عن ماضيه فرأى رجلًا قد تناسى كل شيء فى ماضيه وهو قانع بحياته فى السجن ينتظر ساعة النهاية فى صبر وعدم مبالاة. وهنا عرف أن المجرم الحقيقى «وليم سميث» الذى كان زميلًا «لتوماس لير» فى عمله وكان يحب زوجه الجميلة «مارتا»، فكان يظهر لصديقه أجمل الصداقة والإخلاص وجعل يشى إليه أن مديره يغازل زوجه فجعل توماس لير ثائرًا حنقًا على مديره فاشتري مسدسًا ونسيه فى درج مكتبه ورجع إلى منزله وكان لا يزال حانقًا غاضبًا من مديره فخرج من منزله إلى حانة للشرب على الرغم من أن زوجه قد نهته عن الشرب فهو حانق وهو سريع الغضب ولا شك أن الخمر سوف تبلغ غضبه إلى حده الأقصى.. هناك فى الحانة تذكر مسدسه الذى تركه فى المكتب فذهب إلى هناك لإحضاره. وعندما دخل وجد مديره مدرجًا فى دمائه ووجد مسدسه ملقى على الأرض. وفى هذه اللحظة دخل وليم سميت فلما أن رآه حثه على الهرب ظنًا منه أنه هو القاتل وأخذ من الخزانة مبلغًا من المال ووضعه فى جيبه. وعند القبض عليه وجد هذا المال معه وكان القتل بمسدسه وكان حاقدًا على مديره وبذلك كانت الأدلة ثابتة لا شك فيها فحكم عليه بالسجن المؤبد.. وأما القاتل الحقيقى فهو «وليم سميث» الذى قتل مديره ليستولى على ماله وفى هذه اللحظة دخل توماس لير لسوء الحظ فألصقت به التهمة.. لم يستطع وكيل النيابة أن يحمل وليم سميت على الاعتراف فقبض عليه على الرغم من مرضه وأحضره إلى السجن.. ووكيل النيابة شاب حديث عهد بالمهنة وهو يحب مهنته ويؤمن بعدالة القضاء ونزاهته ونراه الآن متألمًا ساخطًا مضطربًا، فقد عزّ عليه أن يتخلى عن اعتقاده وإيمانه بعدالة القضاء ولكن الآن يراه آلة لتعاسة مسجون بريء تعذب عشرين عامًا ولم يأتِ ذنبًا.. أحضر النائب العام المجرم بعد أن أخرج توماس لير. وحاول بكل ما أوتى من قوة التأثير أن يحمل المجرم المريض على الاعتراف ولكن المجرم قد عزّ عليه أن يموت فى النهاية وقد فقد نصاعة اسمه وشرفه فأبى الاعتراف. وفى هذه الساعة أدخل النائب العام توماس لير، فما كاد وليم سميث يراه حتى اعترف بذنبه أمام الجميع وسقط ميتًا.. ها هو توماس لير قد أصبح حرًا طليقًا مرة ثانية بعد عشرين عامًا يأبى الخروج ويقول: «أتريدون أن تلقوا بقلب ميت فى وسط هذا العالم الحى؟» ولكن النائب العام يقول إن هذا القلب الميت يستطيع أن يبعث ثانيًا إذا وجد توماس لير الزوجة والولدين.وتدور الأحداث بعد ذلك فى حانة حقيرة تديرها «مرتا» زوج توماس لير لحساب رجل أفاق نفعى ألقت بها المقادير فى طريقه فأحبها وآواها ثم استغلها فى إدارة الحانة وخدمة السكارى. فقبلت مضطرة وقد أصبح ليس لها معين تعيش منه. وأما ولداها «جوليا وكارل» فقد كبرا وترعرعا فاشتغلت الأولى «جوليا» خياطة وظلت بجانب أمها وكانت فتاة نامية، تبحث عن الحب ولا تجده، وهى تعيش فى هذه الحانة بجانب أمها التى تحيا هذه الحالة المريبة وهى تريد الحب.. وحتى الحب دون زواج فكفى أن تهب نفسها لحبيبها دون أن تفكر فى المستقبل، فمن المحال أن تجد من الحبيب زوجًا، وهى فى هذا الأصل الوضيع. والثانى «كارل» مصورًا أقام بعيدًا عن الحانة وبعيدًا عن صاحب الحانة الذى شب على مقته وكرهه وهو خائف على أخته أن تُفسد فى هذا الجو الموبوء.. جاء «کرامر» صاحب الحانة ومعه «برجر» مُصدر الخمور، وكان يريد أن يرى برجر جوليا الفتاة الجميلة فيتخذها لنفسه عشيقة، ويكسب كرامر من وراء ذلك مالًا كثيرًا. وما أن رأى برجر الفتاة حتى أعجب بها وأعجبت به وعلى الرغم من بيئتها وضعة حياتها طلب منها الزواج فوافقت فرحة طروب وقالت لأمها إنها أصبحت تميل عن الحياة المرحة الصاخبة حياة المدينة التى كانت تحبها قبلًا وأصبحت خجلة من تلك الأيدى الرقيقة فهى تريد أن تحيا فى الريف الجميل بين جمال الطبيعة وهدوئها، وتريد أن تعمل بيديها فى خدمة زوجها المحبوب.. زار كارل أمه وبذل جهده فى حملها أن تنقذ نفسها وابنتها من ذلك الرجل النفعى فرأى منها خوفًا وترددًا فخرج حانقًا على كرامر مريدًا به شرًا، فهو العقبة الوحيدة. دخل توماس لير مع وكيل النيابة الشاب يبحت عن زوجه وقد رآها أخيرًا وعرفها على الرغم من السنين الكثيرة التى جعدت وجهها وأطفأت بريق عينيها وسمعها تتحدث مع ابنتها عنه فإذا هما خجلتان من المسجون فيتأوه ويتألم ويصمم على أن لا يريهما وجهه أبد الدهر.. وكان وكيل النيابة قد تركه وخرج ليعود إليه بعد قليل فمكث وحيدًا برهة لا يستطيع الخروج ثم رأى كارل ولده داخلًا فلم يعرفه وجلس معه يتناوبان الحديث. الأول فى انتظار وكيل النيابة والآخر فى انتظار كرامر. وهنا نسمع حوارًا من أجمل ما فى المسرحية. فهو حوار فلسفى يصور نفسية رجل مقدم على القتل فهو يقول إننا آلة فى يد القدر. فإذا أراد القدر أن ينتقم من إنسان أسلمنا سلاحًا وأظلم عقولنا ودفعنا دفعًا إلى ارتكاب الجريمة دون أن نفكر بما سوف يحدث لنا بعد ذلك من شقاء وسجن وموت. ورجل قد حنكته التجارب وصقلته الحياة فهو يحاول أن يفعل الخير مرة واحدة فى حياته ولذلك يحاول جهد طاقته أن يثنى كارل عن قتل كرامر. وأخيرًا نجح فى سعيه وألقى الشاب (البلطة) التى كانت معه على الأرض وخرج تائبًا.. أتت مرتا وحادثت توماس لير فعرفته، وعانقته وبكت وقد حسبته هاربًا من السجن ولكنه حدثها بكل شيء ففكرت فى أن تهرب به وابنتها معه بعيدًا إلى حيث يجدون السعادة والهناءة. ولكن شبح كرامر مازال موجودًا. وها هو قد أتى يقرع الباب بشدة فأخذت مرتا زوجها إلى الخارج راجية منه أن ينتظر حتى ترجع إليه. ثم فتحت لكرامر الثائر على زواج ابنتها جوليا من برجو فليس فى الزواج نفع له ولكنه يريد أن يستغلها استغلالًا دنيئًا. فى هذه الساعة وأثناء هذا الحوار دخل توماس لير وسمع بأذنه الإهانات المروعة تنصب فى أذن زوجه التى يحبها، ورأى النذل ينال منها فغلى دمه وثار ثورة عظمى وأمسك بالبلطة التى أحضرها كارل ولده وهوى بها على رأس كرامر الذى سقط مدرجًا فى دمائه.. دخل الناس على الأصوات وقبضوا على القاتل ثم دخل كارل صائحًا أنه كاد يقتل هذا الرجل بنفسه ولكن أباه نصح له أن يأخذ والدته وأخته بعيدًا ويعيش معهما فى سعادة وأمن. وأما هو فرجع إلى السجن ولكن فى هذه المرة مجرمًا، قائلًا: «إن الله وحده وقضاؤكم العادل هما اللذان يعرفان لماذا أصبحت مجرمًا». ومن خلال هذا التلخيص نرى أن القصة تحوى حوادث عدة تستدعى انتباه المتفرج وتستولى على شعوره، وهى فى الوقت نفسه تعرض علينا أفكارًا ومباحث تدل على خبرة المؤلف بالحياة والنفس الإنسانية. وهذا النوع دون شك أوفق الأنواع التى يتقبلها الجمهور المصرى.وتحت عنوان «الإخراج والتمثيل»، قال المحرر: «لا شك أن الأستاذ «عزيز عيد» بإخراجه هذه المسرحية قد أثبت أنه لا يزال مخرجًا يعتمد عليه، فإخراج المسرحية كان متقنًا أشد الإتقان وإن رأيناه لا يزال مصرًا على عدم التبسيط، ولكن فى هذه المرة كان أجمل وأخف وأبسط من إخراجه الملك لير.. استطاع عزيز عيد أن يصور لنا الجو الألمانى فى روعة ودقة. وكانت الأنوار جميلة فى بساطة وروعة». وقد رأى الأستاذ عزيز عيد صنع هذا المنظر من الخشب فكان رائعًا مطبوعًا بالطابع الألمانى. وأما المنظر الثانى فكان لا يقل عن الأول جمالًا وخاصة ضوء القمر الذى كان يدخل من النافذة ويسلط على الباب الزجاجى فيظهر شبح الواقف فى الخارج مطبوعًا على الزجاج. ولا أستطيع هنا إلا أن أهنئ الأستاذ عزيز عيد على نجاحه الباهر فى إخراج هذه المسرحية. أما عزيز كممثل فلا شك أنه أيضًا بلغ قمة النجاح فى دور توماس لير الرجل المتهدم المُحطم وقد استطاع فى هذه المرة أن يكبح جماح حركاته. ولولا خروج منه فى الفصل الأخير بأنه فعل حركى أضحك الجمهور، وما دون ذلك فقد استطاع أن يملك علينا حواسنا فيجعلنا نرثى له ونعطف عليه ونبكى من أجله. وأما «حسين رياض» وقد أصبح بطلًا من أبطال الفرقة القومية فى هذا الموسم فقد كان كعادته عظيمًا ناجحًا فى دور الابن كارل وخاصة فى الموقف الذى بينه وبين أبيه حين عزم على قتل كرامر وتوماس لير يثنيه فله منى أجمل التهانى. ومثل «عباس فارس» دور کرامر الرجل النفعى فاستطاع أن يصور لنا الشخصية فى إتقان وجمال. وكذلك «زكى رستم» فى دور برجر قد صور لنا شخصية الرجل الألمانى الريفى واستطاع أن يملك عنانها ويسير فيها بطبيعة جميلة. وأيضًا «فردوس حسن» فى دور جوليا كانت بارعة. ولا شك أن هـذا الدور هو أجمل أدوارها فى الموسم كله ولم تصل قبل إلى هذه الدرجة من الإتقان. وقد نجح «على راشد» فى دور وكيل النيابة. وأما منسى فهمى وفؤاد سليم فلولا الإلقاء القديم والعناية بالألفاظ لبلغا مقدارًا كبيرًا من النجاح. وأما «دولت أبيض» فقد سارت فى دورها فى طبيعة، ولكن صوتها كان فى ثورة وغضب.. فلم تمثل شخصية مصرية وليس هذا النواح من مميزات العنصر الألمانى فكان يجب أن تضبط صوتها ولا تجعله متشابهًا مزعجًا.. وعلى الرغم من هذا فقد كانت المسرحية من المسرحيات الناجحة فى هذا الموسم. ولا شك أنها تُضم إلى تاجر البندقية وأهل الكهف. [توقيع] «حسن لطفى المنفلوطى».