العدد 986 صدر بتاريخ 20يوليو2026
حين نتحدث عن علاقة ثورة يوليو بالمسرح، غالبًا ما نبدأ من قائمة الإنجازات: المسرح القومى، الفرق المسرحية، أكاديمية الفنون، البعثات العلمية، المؤسسات، قصور الثقافة، وانتشار النشاط خارج القاهرة.
وكل ذلك مهم.
لكننى أظن أن هذه الطريقة فى النظر قد تجعلنا نرى التفاصيل، ونغفل الصورة الأكبر.
فثورة يوليو لم تتعامل مع المسرح باعتباره ملفًا ثقافيًا مستقلًا، كما لم تتعامل مع الثقافة باعتبارها جزيرة منفصلة عن بقية المجتمع. كان هناك مشروع واسع لإعادة بناء المجتمع المصرى، تعددت مجالاته وأدواته، لكن هدفه النهائى كان واحدًا: إعادة تشكيل شروط الحياة، ومن ثم إعادة تشكيل الإنسان الذى يعيش فيها.
كانت السياسة والاقتصاد والتعليم والزراعة والصناعة والرياضة والثقافة والفنون مسارات مختلفة داخل مشروع واحد.
وهنا يمكن أن تساعدنا نظرية الأوانى المستطرقة.
فالمجتمعات لا تتغير فى مجال واحد بمعزل عن المجالات الأخرى. حين يتسع التعليم، يتغير الجمهور. وحين تتغير البنية الاقتصادية، تتغير العلاقات الاجتماعية. وحين تتغير صورة المدينة والقرية، تتغير الموضوعات التى يحتاج الفن إلى التعبير عنها. وحين تنشئ الدولة مؤسسات ثقافية جديدة، فإنها لا تضيف مبانى إلى الخريطة فقط، بل تفتح إمكانات جديدة للفعل الثقافى.
لهذا لا يكفى أن نسأل:
ماذا قدمت ثورة يوليو للمسرح؟
ربما كان علينا أن نسأل أولًا:
أى مجتمع كانت الثورة تريد أن تبنيه، ولماذا احتاج هذا المجتمع إلى المسرح؟
المسرح داخل مجتمع يتغير
لم تكن ثورة يوليو تعيد توزيع الملكية أو تعيد تنظيم الاقتصاد فقط. كانت تغير، بدرجات متفاوتة، شروط الحياة نفسها.
الإصلاح الزراعى غيّر علاقة قطاعات واسعة من الفلاحين بالأرض.
والتوسع فى التعليم فتح أبوابًا لم تكن متاحة من قبل أمام شرائح اجتماعية جديدة.
والتصنيع أعاد تشكيل المدن وعلاقات العمل.
والتحولات الاجتماعية وسعت الطبقة الوسطى وخلقت جمهورًا جديدًا للكتاب والفن والمسرح.
لم يكن المسرح منفصلًا عن هذه التحولات.
فالجمهور الذى يجلس فى قاعة المسرح ليس رقمًا ثابتًا. إنه ابن المجتمع. وكلما تغير المجتمع، تغيرت أسئلته، وتغيرت علاقته بالفن.
من هنا يمكن فهم المسرح بعد يوليو لا بوصفه فنًا تلقى دعمًا من الدولة فحسب، بل بوصفه فنًا نشأ داخل مجتمع كان يعاد تشكيله.
من دعم المسرح إلى بناء شروط وجوده
الفارق كبير بين أن تدعم الدولة عرضًا مسرحيًا، وبين أن تعمل على بناء شروط وجود المسرح.
الدعم قد يذهب إلى إنتاج عرض.
أما بناء الشروط فيعنى إنشاء مؤسسات، وإعداد فنانين، وتوفير مساحات، وتكوين جمهور، وإتاحة الفرصة للموهبة خارج المركز.
وهنا تكمن أهمية البنية الثقافية التى أخذت فى التشكل بعد الثورة.
فالمسرح لم يعد رهين المبادرات الفردية أو السوق وحده. ظهرت مؤسسات وفرق ومعاهد ومساحات جديدة للإنتاج والتلقى.
وهذا التحول لم يكن إداريًا فقط.
فحين يصبح المسرح جزءًا من مؤسسة ثقافية، فإن الدولة لا تنتج عروضًا فحسب؛ إنها تخلق إمكانية استمرار النشاط، وتتيح له أن يتحول إلى ممارسة اجتماعية منتظمة.
ومن هنا يمكن أن نرى مسارًا متصلًا:
مؤسسة تنشأ، وفنان يُدرَّب، وفرقة تتشكل، ومكان يُفتح، وجمهور يتكون.
هذه الحلقات لا تعمل منفردة. كل واحدة منها تهيئ للأخرى، وكل إنجاز فى مجال يفتح إمكانًا فى مجال آخر.
وهنا بالضبط تظهر فكرة الأوانى المستطرقة.
ثروت عكاشة: العبقرية حين تجد لحظتها التاريخية
كثيرًا ما يُختزل المشروع الثقافى فى عهد يوليو فى شخص ثروت عكاشة.
ولا شك أن عكاشة كان شخصية استثنائية: مثقفًا واسع الأفق، صاحب رؤية، ومالكًا قدرة نادرة على تحويل الأفكار إلى مؤسسات ومشروعات.
لكن اختزال التجربة فى عبقرية عكاشة وحدها يظلم التجربة أكثر مما ينصفها.
فعبقرية الفرد لا تعمل فى الفراغ.
كان لا بد من لحظة سياسية ترى الثقافة جزءًا من مشروع بناء الدولة والمجتمع. وكان لا بد من قيادة سياسية عليا تمنح هذا المشروع شرعيته، وتوفر له إمكاناته، وتضع الثقافة داخل أولويات الدولة.
هنا تأتى أهمية جمال عبد الناصر.
ليس المقصود أن ننسب إلى عبد الناصر كل تفصيل فى المشروع الثقافى، أو أن ننكر الدور الاستثنائى الذى لعبه ثروت عكاشة. فالأدق أن نرى العلاقة بينهما بوصفها التقاءً بين رؤية سياسية عليا وقدرة ثقافية استثنائية على التجسيد.
كان عبد الناصر، فى إطار مشروعه لبناء دولة ومجتمع جديدين، يرى الثقافة جزءًا من عملية البناء.
وكان عكاشة أحد أبرز العقول التى امتلكت القدرة على ترجمة هذه الرؤية إلى مؤسسات ومشروعات.
ولذلك لا ينبغى أن نضع الرجلين فى منافسة على صناعة المشروع الثقافى.
السؤال ليس: من صنع المشروع الثقافى، عبد الناصر أم عكاشة؟
بل: ما الذى يحدث حين تلتقى لحظة سياسية تضع الثقافة فى قلب مشروعها، بشخصية ثقافية تمتلك القدرة على تحويل هذه الرؤية إلى واقع؟
كان ثروت عكاشة سيظل عبقريًا فى أى عصر.
لكننا لا نعرف ما إذا كان أى عصر آخر كان سيتيح لعبقريته أن تفعل ما فعلته.
فلو جاء عكاشة فى مرحلة لا ترى الثقافة جزءًا من بناء الدولة والمجتمع، لظل بالتأكيد مثقفًا كبيرًا، ومفكرًا واسع الأفق، وربما وزيرًا كفؤًا.
لكن هل كان يستطيع وحده أن ينشئ ما أنشأه؟
هل كان يستطيع أن يحول رؤيته إلى هذا العدد من المؤسسات والمشروعات لولا وجود دولة تتبنى فكرة أن الثقافة ليست ترفًا، بل جزء من بناء الإنسان؟
هنا تكمن إحدى حقائق التاريخ الكبرى:
لا يصنع التاريخ العباقرة وحدهم، ولا يصنعه القادة وحدهم. أحيانًا تصنع اللحظة التاريخية إمكان اللقاء بين الاثنين.
الثقافة الجماهيرية: من نقل الثقافة إلى توسيع مجالها
تتضح هذه الرؤية بصورة أكبر فى مشروع الثقافة الجماهيرية.
فالمسألة لم تكن أن ترسل القاهرة بعض العروض والمحاضرين إلى الأقاليم، ثم تعود الثقافة إلى مركزها.
كان السؤال الأعمق:
هل ينبغى أن تظل الثقافة امتيازًا جغرافيًا أو طبقيًا؟
أم يمكن أن تصبح حقًا عامًا؟
من هنا جاءت أهمية إنشاء المؤسسات الثقافية خارج المركز.
قصر الثقافة ليس مجرد مبنى فى مدينة بعيدة.
إنه إعلان بأن النشاط الثقافى لا ينبغى أن يظل حبيس العاصمة.
لكن الأهم أن المؤسسة لا ينبغى أن تكون مجرد مكان للتلقى.
وهنا يمتلك المسرح خصوصية كبيرة.
فالمسرح يتيح للناس أن يكونوا جمهورًا، لكنه يتيح لهم أيضًا أن يصبحوا ممثلين، وكتابًا، ومخرجين، وأعضاء فى جماعات مسرحية.
أى أن المجتمع لا يظل مستهلكًا للثقافة التى ينتجها المركز، بل يمكن أن يدخل هو نفسه إلى عملية الإنتاج.
وهذا، فى تقديرى، هو المعنى الأعمق للثقافة الجماهيرية.
فالثقافة لا تنتشر فقط حين يصل المنتج الثقافى إلى الناس.
إنها تنتشر بصورة أعمق حين يصبح الناس قادرين على إنتاج الثقافة بأنفسهم.
هنا يمكن أن نفهم أهمية المسرح داخل مشروع الثقافة الجماهيرية بصورة خاصة.
فالمسرح لا يحتاج بالضرورة إلى بنية ضخمة لكى يبدأ.
يحتاج إلى مكان، وممثلين، ومخرج، ونص، وجمهور.
وهذه العناصر يمكن أن تنشأ فى المدينة الصغيرة، وفى القرية، وفى النادى، وفى المدرسة، وفى قصر الثقافة.
ومن ثم فإن انتشار المسرح لم يكن مجرد نقل عروض من المركز إلى الأطراف.
الأهم هو خلق إمكانية أن يصبح المجتمع نفسه منتجًا للفعل المسرحى.
وهذا تحول جوهرى.
فالمركز لا يعود المصدر الوحيد للثقافة، والأقاليم لا تعود مجرد متلقٍ.
تبدأ الحركة فى الاتجاهين.
تخرج الثقافة من المركز إلى المجتمع، ثم تعود من المجتمع إلى المركز فى صورة مواهب وتجارب وأصوات وأسئلة جديدة.
وهكذا لا يعود الانتشار الثقافى مجرد عملية توزيع، بل يصبح عملية إنتاج متبادل.
المسرح ليس موظفًا لدى الثورة
هنا يجب أن ننتبه إلى نقطة ضرورية.
كون المسرح جزءًا من مشروع الدولة الثقافى لا يعنى أنه كان، أو ينبغى أن يكون، مجرد أداة دعائية.
الفن لا يكتسب قيمته من ترديد خطاب السلطة.
بل إن قيمة المسرح الحقيقية تبدأ حين يمتلك القدرة على أن يرى المجتمع فى تعقيده، وأن يطرح أسئلته، وأن يختلف، وأن يجرب.
ولهذا فإن تقييم تجربة يوليو المسرحية لا ينبغى أن يتوقف عند عدد المؤسسات والفرق والمسارح.
علينا أن نسأل أيضًا:
هل أتاحت هذه البنية ظهور كتاب ومخرجين جدد؟
هل خلقت جمهورًا جديدًا؟
هل فتحت الطريق أمام التجريب؟
هل سمحت للمسرح بأن يعبر عن التحولات الاجتماعية التى أحدثتها الثورة؟
فهذه الأسئلة أكثر أهمية من مجرد تعداد المنجزات.
فالمؤسسة لا تُقاس فقط بما تنتجه من عروض، بل بما تفتحه من إمكانات.
حين لم تكن الثقافة جزيرة
من هنا يمكن أن نفهم علاقة ثورة يوليو بالمسرح بصورة أكثر اتساعًا.
لم يكن المسرح مشروعًا منفصلًا عن التعليم.
فالتعليم خلق جمهورًا جديدًا.
ولم يكن منفصلًا عن التحولات الاجتماعية.
فهذه التحولات خلقت موضوعات وأسئلة جديدة.
ولم يكن منفصلًا عن الثقافة الجماهيرية.
فهذه الثقافة وسعت المجال الجغرافى الذى يمكن أن يحدث فيه الفعل المسرحى.
ولم يكن منفصلًا عن بناء المؤسسات.
فهذه المؤسسات وفرت للمسرح شروطًا جديدة للاستمرار.
وكان كل ذلك متصلًا بمشروع سياسى واجتماعى أوسع، جعل الثقافة جزءًا من عملية بناء الإنسان والدولة.
ليست هذه المسارات متطابقة، وليست خالية من التناقضات.
لكنها كانت تتحرك داخل مجتمع واحد يتغير.
وهنا تعود صورة الأوانى المستطرقة، لا باعتبارها وصفًا حرفيًا للسياسة الثقافية، بل باعتبارها استعارة لفهم التحول الاجتماعى.
فالماء الذى يصب فى إناء واحد لا يبقى أثره محصورًا فيه.
وكذلك المجتمع.
حين يتغير التعليم، يتغير الجمهور.
وحين تتغير البنية الاجتماعية، تتغير الأسئلة.
وحين تتغير الدولة، تتغير قدرتها على إنشاء المؤسسات.
وحين تتغير الثقافة، تتغير صورة الإنسان عن نفسه ومجتمعه.
لا يمكن أن نفصل كل ذلك عن بعضه إلا إذا أردنا أن نحول التاريخ إلى مجموعة من الملفات المنفصلة.
فى النهاية
ربما يكون السؤال التقليدي:
ماذا قدمت ثورة يوليو للمسرح؟
سؤالًا مشروعًا، لكنه لا يكفى.
فالأهم هو أن نسأل:
ماذا كان يحدث فى المجتمع المصرى حتى يصبح المسرح جزءًا من مشروع بهذا الاتساع؟
وعندها سنكتشف أن الثورة لم تبنِ المسرح وحده.
لقد كانت تبنى شروطًا اجتماعية وثقافية جديدة، وكان المسرح واحدًا من المجالات التى ظهرت فيها آثار هذا التحول.
ولم يكن ثروت عكاشة وحده هو المشروع الثقافى، كما لم يكن المشروع الثقافى ممكنًا من دون عقول استثنائية مثل ثروت عكاشة.
فعبقرية الفرد تحتاج إلى لحظة تاريخية تتيح لها أن تتحول إلى فعل.
والدولة تحتاج إلى العقول القادرة على تحويل الرؤية إلى مؤسسات.
وربما كان هذا أحد أسرار تلك التجربة:
إن عبقرية ثقافية استثنائية وجدت نفسها داخل لحظة سياسية كانت ترى أن الثقافة ليست هامشًا، بل جزءًا من مشروع بناء المجتمع.
لم تكن الثقافة جزيرة.
ولم يكن المسرح جزيرة داخل الثقافة.
كان المسرح أحد الأوعية التى صب فيها المجتمع الجديد أسئلته، وتوتراته، وأحلامه، ومحاولته أن يرى نفسه فى لحظة تاريخية شديدة التحول.
ولهذا فإن تاريخ المسرح فى ظل ثورة يوليو ينبغى ألا يُقرأ فقط باعتباره تاريخ مؤسسات وعروض.
إنه، فى جانب منه، تاريخ مجتمع كان يتغير.
وربما كان المسرح، أكثر من أى فن آخر، قادرًا على أن يجعل هذا التغير مرئيًا.
أن يجعل المجتمع يجلس أمام نفسه.
حيًا.
وجهًا لوجه.