«سما».. حين تكون الصورة أكثر تأثيرًا من الكلمات

«سما»..   حين تكون الصورة أكثر تأثيرًا من الكلمات

العدد 986 صدر بتاريخ 20يوليو2026

أن المسرح ليس مجرد وسيط لنقل النص، بل تشكيل بصرى وسمعى قادر على عمل دلالات ومعانى من خلال تداخل وترابط علاقات عناصر العرض.. فى عرض «سما» تؤكد الرؤية الإخراجية للمخرج أيمن مصطفى ذلك بالرغم من اعتماد العرض على ممثلة واحدة هى مروة عبدالمنعم، استطاع المخرج ان يخلق عالمًا مسرحيًا تتفاعل فيه السينوغرافيا مع الأداء يخلق حياة خاصة، بتحول الديكور والإضاءة والموسيقى والفيديو مابينج إلى شخصيات موازية تشارك البطلة فى عرض حكايتها.. بإيقاع متنوع منذ لحظاته الأولى.. بدأ فى بناء الحالة النفسية منذ دخول الجمهور إلى القاعة بتشغيل موسيقى ونحن نشاهد الديكور كشكل ضبابى بوجود الدخان المتصاعد على خشبة المسرح، ليصبح المتفرج جزءًا من التجربة قبل أن تبدأ الأحداث الفعلية. واستندت الرؤية الإخراجية إلى تصميم الديكور لفادى فوكيه، والذى جاء يحمل دلالات متعددة بعيدًا عن الزخرفة أو الاكتفاء بتحديد المكان، وتحول لبناء درامى. لنرى فى الخلفية قوس حجرى على هيئة نفق يشكل محطة قطار تتوسطها قضبان تمتد من عمق المسرح حتى صالة الجمهور، لتصبح رمزًا للطريق الذى تسير فيه البطلة نحو مصيرها المحتوم. واشراك المتفرج فى نفس المصير، بينما توزعت المفردات السينوغرافية مثل المقعد الخشبى وعجلة القطار والصناديق بصورة توحى ببيئة واقعية، لكنها فى الوقت ذاته تحمل أبعادًا رمزية ترتبط بذاكرة الشخصية وعزلتها. ولم يتعامل المخرج مع الديكور باعتباره عنصرًا ثابتًا، بل جعله فضاءا متغيرا بتغير دلالاته وباستخدام البطلة له. واعتمد المخرج على تقنية الفيديو مابينج لمصمم الجرافيك مصطفى خالد بوصفها وسيلة درامية لا تقل أهمية عن أداء الممثلة. بداية بدخول الجمهور لصالة العرض.. بدأت مؤثرات المطر تتساقط فى خلفية المنظر، أعقبها البرق والرعد مع انطلاق العرض، لتتولد حالة من القلق والترقب قبل ظهور الشخصية، وكأن الطبيعة نفسها تشارك وتعبر عما سيحدث. ويستمر استخدام الفيديو مابينج مع احداث المسرحية فى مناطق عدة.. ففى مشهد السبوع ظهرت الشموع والهون، لتكتمل صورة الاحتفال الشعبى فى ذهن المتفرج، بينما تحولت هذه الأجواء سريعًا إلى مشهد صادم أثناء ختان الطفلة، عندما ظهرت ثلاث نساء بلا ملامح يرتدين الشالات السوداء فى صورة أقرب إلى الأشباح أو المسوخ، بما يعكس قسوة الموروث الشعبى حين يتحول إلى أداة للقهر والعنف. تتحد مع مظاهر العنف الاسرى الذى تذكرته البطلة من زوجها او والدتها وبعض مظاهر قهر الفتاة منذ الصغر.. وظهرت تقنية الفيديو مابينج فى لحظة دعاء البطلة لربها، ليمنح المشهد بعدًا روحانيًا يختلف تمامًا عن بقية لحظات العرض، وفى المشهد الأخير كان هذا الفضاء نفسه جزءًا من الصورة الختامية، عندما ظهر القطار القادم وانتظار البطلة جالسة مستسلمة وهى تحتضن احلامها.. فنشاهد دور اخر للصورة تنعكس على القطار بلقطات سريعة من ذكريات البطلة فى الماضى لتتداخل الذاكرة مع لحظة النهاية، وكأن حياتها كلها تمر أمامها فى ثوانٍ قليلة قبل الرحيل فى مشهد بالغ التأثير منح النهاية بعدا دلاليا جماليا بتلك الصور التى تعبر عن محطات فى حياتها نشاهدها وكأنها تتذكر كل ذلك تلك اللحظة.. وجاء الأداء التمثيلى للفنانة مروة عبدالمنعم متسقا ومنسجمًا مع هذه الرؤية الإخراجية، وتعاملها مع هذا الفضاء المحيط وإظهار دلالاته بشكل يؤكد فهم طبيعة المكان وكيفية اظهار الحالات النفسية المختلفة، من السخرية إلى الانكسار، ومن البراءة إلى الجنون، ومن الغضب إلى الاستسلام. ولم يكتفِ المخرج بتوجيه أدائها داخل حدود الخشبة، بل دفعها إلى كسر الحاجز الرابع بصورة مستمرة، فكانت تنزل إلى صالة الجمهور، تتحاور معهم، وتقترب منهم، وتتعامل معهم بوصفهم جزءًا من عالمها الأذى تعيش فيه. وبلغ هذا التفاعل ذروته عندما قامت بتوزيع الخطابات على بعض المتفرجين، وطلبت منهم قراءتها، فتحول الجمهور إلى عنصر درامى فاعل يشارك فى كشف الحقيقة، وأصبح المتلقى شريكًا فى صناعة الحدث، وليس مجرد متفرج سلبى، وهو ما منح العرض قدرًا كبيرًا من الحيوية والتأثير. ولعبت الموسيقى والأغانى التى وضعها «زياد هجرس» دورًا أساسيًا فى تشكيل البناء الدرامى، حيث تابعت التحولات النفسية للشخصية معبرة عنها، ولم تكن مجرد خلفية صوتية. كما أسهمت أشعار «أحمد زيدان» فى تعميق الحالة الشعورية بمفردات أقرب الى اللغة الشعبية والموروث الشعبى، وربط الغناء بالسياق الدرامى. ويتجلى ذلك بوضوح فى مشهد السبوع، الذى استعان فيه المخرج بأحد أهم طقوس التراث الشعبى وأغنية السبوع المصحوبة بالزغاريد وإيقاع الهون، غير أن هذا الطقس لم يقدم بوصفه احتفالًا بالحياة، وإنما أعيدت صياغته ليكشف عن المفارقة بين المظهر الاحتفالى والواقع المؤلم الذى تعيشه البطلة، وهو ما منح المشهد قوة رمزية كبيرة، وأكد قدرة المخرج على إعادة توظيف التراث داخل رؤية معاصرة تحمل أبعادًا نقدية.. أما الإضاءة التى صممها أبوبكر الشريف فقد أسهمت فى تشكيل الحالة الشعورية للعرض بصورة واضحة. بتنقلاتها بين الإضاءة المركزة التى تعزل البطلة فى لحظات وحدتها، والإضاءات الواسعة التى تكشف اتساع الفضاء المسرحى، كما تنوعت الألوان بما يتناسب مع تغير الحالة النفسية، فحملت الألوان الباردة إحساسًا بالغربة والاغتراب، بينما ارتبطت الألوان الدافئة بلحظات الذكرى والحنين. والأهم اتساق الإضاءة واندماجها مع الفيديو مابينج لتكوين نسيج متكامل لصور مسرحية ذات تشكيل ومعنى، بل وجعلت المشاهد ينتقل بين الواقع والخيال دون شعور بالانفصال بينهما. وجعلنا نشعر بوجود شخصيات أخرى تشارك البطلة فى هذا الفراغ.. وتبلغ الرؤية الإخراجية ذروتها فى المشهد الختامى، عندما يتغير الممر المرسوم عليه النفق لنرى القطار متقدما، مع تصاعد الدخان ليغمر الخشبة، بينما تستعيد البطلة ذكرياتها فى الريف والتى نراها على مقدمة القطار، فتتوحد جميع العناصر فى صورة بصرية واحدة تبدو أقرب إلى مشهد سينمائى صيغ بتقنية الحركة البطيئة (Slow Motion). وفى تلك اللحظة لا يكون الديكور مجرد مكان، ولا تصبح الإضاءة مجرد إنارة، ولا يظل الفيديو مابينج مجرد تقنية، بل تتحول جميعها إلى لغة مسرحية متكاملة تعبر عن إحساس البطلة وهى تنتظر مصيرها الأخير. ومن ثم يمكن القول بأن أيمن مصطفى نجح فى تقديم معالجة إخراجية برؤية بصرية أحسنت توظيف جميع عناصر العرض، فكان تصميم «فادى فوكيه» للديكور، والموسيقى والأغانى التى صاغها زياد هجرس، والأشعار التى كتبها أحمد زيدان، والإضاءة التى نفذها أبو بكر الشريف، وتقنيات الفيديو مابينج لمصطفى خالد، تضافرت جميعا مع مروة عبد المنعم فى منظومة فنية واحدة لتخرج التجربة فى صورة عرض مسرحى متكامل، استطاع أن يمزج بين التراث الشعبى والوسائط البصرية الحديثة، وأن يقدم تجربة إنسانية عميقة مملؤة بكل أنواع القهر معتمدا على لغة بصرية مؤثرة ستظل موجودة فى ذاكرة المتلقى بعد انتهاء العرض.


طارق صلاح فرغلى