«ع القهوة».. هل تاهت الدراما فى زحام المباشرة؟

«ع القهوة»..  هل تاهت الدراما فى زحام المباشرة؟

العدد 959 صدر بتاريخ 12يناير2026

بين جدران مسرح الهوسابير، قدم العرض المسرحى «ع القهوة» تأليف وإخراج عمرو عاطف وبإخراج منفذ أحمد جمال تجربة حاولت مزج الواقع الشعبى المصرى بالكوميديا، مع جعل القهوة مركزًا للصراع الاجتماعى. منذ اللحظة الأولى، استقبلنا ديكور مقهى تقليديًا مزينًا بصور أيقونات الكوميديا مثل عادل إمام وسمير غانم، فى محاولة لاستحضار روح البهجة، إلا أن هذا الغلاف البصرى المألوف اصطدم بسرعة بفوضى الأداء التى سيطرت على المشهد.
العمل وقع فى فخ الخطابية والمباشرة، حيث طغى الأداء الورقى وكأن الممثلون يقرأون نصًا لا يعيشونه، وارتفعت وتيرة الانفعالات بلا مبرر، بينما غابت الأبعاد الإنسانية للشخصيات، لتحل محلها مواعظ وأحكام أخلاقية بلا عمق، وجعل الحوار مجرد نصوص تُقرأ لا انفعالات تُعاش، فصار المسرح منبرًا للوعظ المباشر، الذى لا يترك مساحة للمشاهد للتفكير أو الاستنتاج.
عانى هذا العرض من فوضى واضحة فى الحبكة، إذ يحاول الجمع بين عدة خطوط درامية متداخلة مثل: الصراعات العائلية، تجارة المخدرات، مشاريع القهوة، الرقص، والصراعات الأخلاقية، لكن هذه الأحداث تتشابك بشكل مربك، ما يجعل متابعة القصة صعبة على المشاهد.
النص يحاول طرح موضوعات أخلاقية مهمة، مثل سؤال عم جميل عن الأخلاق: «هل الأخلاق بنتعلمها أم نولد بها؟»، لكن السؤال يظل سطحيًا وغير مستثمر بشكل فعال فى العرض، من الممكن ان هذا بسبب كثرة القضايا التى جعلت العرض يبدو مشتتًا وغير متحكم فيه، وكأن النص يحاول أن يغطى كل شىء دون أن يمنح أى موضوع مساحة كافية للنمو والتطور، وهو ما يجعل الحبكة تبدو مبعثرة وغير منطقية. كما أن النص يعانى من مباشرة مبالغ فيها فى الحوارات، حيث تتحول الشخصيات أحيانًا إلى ناقلة للأحكام والمواعظ بشكل مباشر، دون أن يظهر أى تأثير داخلى أو صراع حقيقى داخل الشخصية نفسها.
الأغانى بين المشاهد، مثل أهو ده اللى صار وأجمل حكاية فالعمر كله و زحمة يا دنيا زحمة، كانت موجودة غالبًا كفواصل موسيقية فقط، دون أن تخدم الحبكة أو تساعد فى توضيح الشخصيات أو تطوير الأحداث. بدلًا من أن تكون جزءًا من السرد الدرامى، ظهرت هذه الأغانى كقطعات منفصلة تزيد من التشتت، وتجعل المشاهد يشعر بأن الانتقالات بين المشاهد عشوائية أكثر من كونها متسلسلة بطريقة درامية مدروسة. وكانت الأغانى تلقى استحسانًا من الجمهور، لكن ذلك كان غالبًا بسبب حبهم لتلك الأغانى وليس لتأثيرها على الحبكة أو الشخصيات. هذا يظهر أن المشاهدين وجدوا الفواصل الموسيقية أكثر جاذبية من الأحداث نفسها، وهو دليل على ضعف الربط بين الأغانى والدراما الأساسية.

الشخصيات
تعانى الشخصيات من ضعف فى البناء الدرامى، وهو ما انعكس على قدرة الجمهور على التفاعل معها أو فهم دوافعها النفسية بعمق. فالشخصيات، رغم امتلاكها مبررات داخلية للأحداث التى تمر بها، لم تُقدَّم دائمًا عبر بناء تدريجى يسمح بتتبع تطورها، بل بدت فى كثير من المشاهد أدوات وظيفية لتحريك الحدث أو تمرير الرسائل المباشرة، أكثر من كونها كيانات إنسانية نامية داخل صراع درامى متماسك.
ففى شخصية «أم بندق» فقد بدأت بمحاولة لكسر الجدار الرابع مع الجمهور عبر أغنية مسا النور والهنا، غير أن حضورها سرعان ما تحول إلى عبء درامى نتيجة الأداء المبالغ فيه والاعتماد على نبرة صوتية مرتفعة وانفعالات مفاجئة غير مُمهد لها شعوريًا. فقد تصدرت الشخصية دور الناصح الحكيم من خلال إطلاق الأحكام والنصائح المباشرة، ومن المفترض أن الحكمة فى المسرح تُجسَّد بالفعل والصراع لا بالصوت المرتفع والنصيحة الجاهزة.
شخصية عم جميل التى تمثل رجل دين، لكنها تظهر فى تناقض واضح مع خلفيتها المفترضة؛ فهو يطرح سؤالًا أخلاقيًا مركزيًا مثل: هل الأخلاق بنتعلمها أم نولد بها؟ بينما يمارس فى الوقت نفسه الفضول والتلصص على شؤون الآخرين، ويقوم بكشف خناقة عطية وعطيات للناس. هذا التناقض، ورغم صلاحيته لصناعة مفارقة درامية أو كوميديا موقف، فجاء فى سياق مرتبك جعل الضحك نابعًا من غرابة التصرف لا من عمق المفارقة، ما أضعف مصداقية الشخصية وأثرها الدرامى.
تُقدَّم شخصية عطيات بوصفها مدربة رقص دون أن ينعكس ذلك على مظهرها أو قدرتها على إدارة نفسها بل تلجأ إلى رباب حتى تحصل لها على فرصة عمل كراقصة وهو تناقض يفضح ضعف الكتابة وعدم منطقية البناء. وأيضًا ظهر ضعف الكتابة فى المشهد بين اللبان وتاجر البرشام يكشف عن ضعف واضح فى كتابة الحوار وصياغة الموقف الدرامى، حيث يحذر تاجر البرشام اللبان من أن البضاعة مغشوشة وتسبب الموت، فيرد اللبان بجملة: «ما اللى يموت يموت»، ثم يصف تاجر البرشام اللبان بأنه «شيطان». هنا يبرز التساؤل بشكل واضح: كيف لتاجر مخدرات أن يصف آخر بالشيطان، فى حين هما يعملان فى نفس المجال؟ وكيف للتاجر نفسه ألا يدرك أن ما يبيعه يمكن أن يقتل الناس؟
وعلى مستوى الأداء التمثيلى، اتسمت معظم الشخصيات بالمباشرة المفرطة والاعتماد على إلقاء النصوص بدل تجسيدها، حيث طغت مشاهد الصراخ غير المبرر وهو ما جعل الانفعالات تبدو مبالغًا فيها وغير مدعومة بالسياق الدرامى. وفى المحصلة، بدت شخصيات العرض غير متماسكة، متناقضة بين ما يُفترض أن تمثله وما تمارسه فعليًا على الخشبة.

الجمهور
أما عن تجربة الجمهور أثناء العرض أظهرت فجوة واضحة بين النص والأداء والتفاعل المطلوب. بدأ العرض المفترض الساعة الثامنة مساءً، لكنه لم ينطلق إلا التاسعة إلا عشرة، وهو تأخير أثر على تركيز الجمهور وجعل بعض المتفرجين يشعرون بالملل أثناء الانتظار، ما خلق فجوة أولية بين النص والأداء، وبعد فترة من بدء العرض كانوا يتحدثون فيما بينهم عن عدم رضاهم عنه.
وفى النهاية يظل العرض محاولة طموحة لتقديم مسرح اجتماعى شعبى، إلا أنه اصطدم ببعض التحديات فى الأدوات الدرامية التى خففت من أثر التجسيد. المسرح فى جوهره فن طرح الأسئلة وترك المساحة للمشاهد ليستنتج ويشعر، بينما اختار العرض تقديم إجابات مباشرة عبر خطابات وعظية، مما حد من فرصة التوغل فى عمق الصراعات الإنسانية التى طرحها.
الحبكة المبعثرة، الشخصيات غير المتماسكة أحيانًا، والأداء المبالغ فيه، بالإضافة إلى الأغانى والفواصل الموسيقية التى لم تخدم النص بشكل كامل، جعلت التواصل مع الجمهور محدودًا إلى حد ما. كان من الممكن أن يسهم بعض الهدوء فى الأداء، وترتيب أكثر منطقية لبناء التحولات، وصياغة حوار أكثر تفاعلية، فى تحويل القهوة من مجرد ديكور مزين بصور النجوم إلى ساحة حقيقية لدراما إنسانية صادقة تمس الوجدان. العرض رغم وجود فيه عناصر جذابة بصريًا وسمعية، أصبح أقرب إلى مجموعة من الإسكتشات المباشرة بدلًا من تجربة درامية متكاملة، لكنه مع ذلك يمثل محاولة للتعامل مع الواقع الاجتماعى المصرى.


نورهان ياسر