سابع سما.. تنسى كأنك لم تكن

سابع سما.. تنسى كأنك لم تكن

العدد 973 صدر بتاريخ 20أبريل2026

فى «سابع سما» لا تُطفأ الأنوار لتبدأ الحكاية، بل يبدأ الاختناق أولًا. جسد محبوس داخل قماش، أنفاس تلهث، ويد تشق طريقها نحو ضوء وحيد كأنه النجاة الأخيرة. خلال ثوانٍ، يضعك العرض فى قلب تجربة لا تطلب منك المشاهدة بقدر ما تفرض عليك التورط؛ توتر بصرى وسمعى يجعلك شريكًا فى هذا الصراع قبل أن تفهم أسبابه.
من هنا، يتضح أن العمل لا يسعى إلى تقديم قصة تُروى بقدر ما يكشف منظومة تُدار، حيث يتحول الإنسان إلى دور، والدور إلى قناع، والقناع إلى قدر لا يمكن الفكاك منه بسهولة. عالم يبدو كأنه سيرك من المهرجين، لكنه فى العمق أشبه بآلة دقيقة تُعيد تشكيل من بداخلها وفق قواعد غير مرئية.
سابع سما من إخراج محمد الحضرى يطرح نفسه كتجربة مسرحية لا تهادن المتلقى، ولا تمنحه إجابات جاهزة، بل تدفعه إلى تفكيك ما يرى، ومواجهة سؤال أكثر إزعاجًا: هل نختار الأدوار التى نعيشها أم أننا، دون أن ندرك، نصبح مجرد امتداد لها؟
تدورالحبكة فى إطار رمزى داخل عالم يشبه مؤسسة أو شركة تُدار بمنطق هرمى صارم، حيث يُفرض على العاملين فيها أداء دور المهرج كوظيفة أساسية مرتبطة بالامتثال والضحك القسرى رغم الألم الداخلى. ومع تصاعد الأحداث، يظهر الصراع الرئيسى فى شخصية «آدم» الذى يتأرجح بين رغبته فى التحرر من هذه المنظومة عبر الاستقالة، وبين الإغراءات والضغوط التى تدفعه نحو الصعود داخل السلم الوظيفى. وتتداخل فى هذا الإطار خطوط درامية لشخصيات أخرى تمثل أنماطًا مختلفة من الخضوع أو المقاومة، مثل المهرج الحزين، والمدير الذى يجسد السلطة، لتتكشف تدريجيًا آليات القهر وإعادة إنتاجها داخل النظام. وفى النهاية، تصل الحبكة إلى ذروتها حين يتحول الصراع إلى دائرة مغلقة، يصبح فيها البطل جزءًا من نفس المنظومة التى كان يرفضها فى البداية.

تفكيك البنية البصرية والرمزية
يقوم العرض على بناء بصرى ورمزى كثيف، تتداخل فيه العناصر المسرحية لتشكيل عالم دلالى قائم على التوتر بين السلطة والإنسان، وهو ما يفتح المجال لقراءة مكونات العرض بوصفها علامات تحمل أكثر من معنى.
 منذ اللحظة الافتتاحية، يظهر الجسد المحاصر داخل القماش بوصفه علامة على الإنسان المقيد داخل نظام لا يتيح له حتى لحظة ولادة مكتملة، فيتحول فعل الخروج نفسه إلى مقاومة أولى ضد قمع غير مرئى. ومع ظهور البؤرة الضوئية البيضاء التى تتحول إلى صفراء ثم تتداخل مع ألوان أخرى، يُعاد تشكيل الإدراك البصرى بوصفه انعكاسًا لحالة وعى متغيرة، حيث لا تثبت الحقيقة فى شكل واحد، بل تتبدل وفق موقع الفرد داخل السلطة.
أما عن السلالم كأهم رمز فى العرض، ليس فقط باعتبارها وسيلة للصعود بل بوصفها بنية قمعية تُعيد إنتاج فكرة الترقى الوهمى، حيث يتحول الصعود إلى حركة دائرية مغلقة لا تنتهى عند مستوى أعلى بقدر ما تعيد إدخال الفرد فى دائرة جديدة من الخضوع. فكل درجة فى السلم ليست اقترابًا من الحرية، بل انتقالًا إلى شكل أكثر تعقيدًا من السيطرة، ليصبح السلم ذاته قفصًا عموديًا يختزل الطموح الإنسانى داخل منظومة مؤسسية تبتلع كل من يحاول تجاوزها. ويعتبر الترقى ذاته لعبة سلطوية تُقدَّم كهدف إنسانى مشروع بينما هى فى العمق أداة لإعادة إنتاج الطاعة وإبقاء الجميع داخل الدائرة نفسها.
أما المهرجون فيقدمون كجسد جمعى يحمل دلالة الإنسان الممسوخ داخل وظيفة مفروضة عليه، حيث يتحول الضحك إلى قناع قسرى يخفى خلفه الألم، ويتجسد ذلك بوضوح فى شخصية «رئيس قسم الضحك» الذى لا يمثل سلطة إدارية فقط، بل سلطة رمزية تُعيد إنتاج القمع عبر التوجيه المستمر، ما يجعل الفعل الإنسانى نفسه خاضعًا للتنظيم.
وفى مستوى أعمق، تأتى ثنائية القناع والوجه الحقيقى بوصفها محورًا دلاليًا أساسيًا، حيث لا يظهر الإنسان فى العرض إلا من خلال أقنعة متعددة: قناع المهرج، قناع الموظف، وقناع السلطة نفسها. ومع لحظات خلع القناع، لا يحدث تحرر بقدر ما يحدث سقوط فى فراغ الهوية، وكأن العرض يؤكد أن الذات داخل هذا العالم ليست جوهرًا ثابتًا بل دورًا يتم إعادة توزيعه باستمرار.
كما يلعب الزمن دورًا رمزيًا مهمًا، إذ لا يُقدَّم بوصفه خطًا مستقيمًا، بل كحالة متكسرة تتداخل فيها لحظات الحاضر مع الفلاش باك، وكانت لحظات توقف الزمن أو الفلاش باك متقنة من خلال عوامل مساعدة كالمؤثرات الصوتية، والإضاءة، وبالطبع أداء الممثلين.
وتتعمق الدلالة الرمزية أكثر مع ظهور إضاءة اللون الأحمر بوصفه علامة على القهر وإعادة فرض السيطرة وهذه الإضاءة كانت مسيطرة على السلم الذى يجلس عليه السلطة ، والأزرق كمساحة وعى متجمد أو تأمل داخلى وتلك الإضاءة كانت مسلطة على مكان الموظفين/المهرجين ، بينما يشير الأصفر إلى لحظات التحول والانكشاف التى تسبق الانكسار أو إعادة التشكيل. هذه المنظومة اللونية لا تعمل كزينة بصرية، بل كخريطة شعورية تحكم إدراك المتلقى داخل العرض.
ولا تقف البنية الرمزية عند حدود السلالم والمهرجين، بل تتعمق أكثر عبر شخصيات بعينها تكشف الطبقات الخفية داخل هذا النظام. من أبرز هذه الشخصيات «المهرج الحزين»، الذى يُقدَّم بوصفه كيانًا منكسرًا خرج من داخل المنظومة نفسها، لكنه لم ينجُ منها بالكامل. فهو ليس مجرد ضحية بل شاهد حى على ما يحدث داخل هذا العالم، يحمل ذاكرة الألم والامتثال فى آن واحد. لحظة اعترافه بأنه كان مثلهم وأنه اضطر إلى الضحك رغم الحزن، تكشف عن أحد أهم أبعاد العرض (أن القمع ليس خارجيًا فقط، بل يُعاد إنتاجه داخل الفرد نفسه حتى يتحول إلى عادة وجودية). وموته لاحقًا لا يُقرأ كحدث درامى بقدر ما هو إعلان رمزى عن فشل محاولات الخروج الفردى من المنظومة، وكأن النظام يعيد ابتلاع من يحاول الخروج منه.
وفى مقابل هذا تظهر طبقة السلطة بشكل أكثر كثافة رمزية من خلال: خوذات على شكل قرونًا، ماكياج حاد وغير إنسانى، وأزياء حمراء صارخة. هذه الصورة لا تطرح السلطة كإدارة محايدة، بل كقوة شبه شيطانية تتجاوز فكرة الإدارة. فهؤلاء لا يديرون النظام فقط بل يعيدون تشكيله بصريًا ونفسيًا بطريقة تُرهب من تحته، وتؤكد أن الوصول إلى القمة لا يعنى التطور، بل الاقتراب من فقدان الإنسانية كما حدث لشخصية آدم ، فعندما صعد السلم تحول من شخص مساعد إلى قاهر يرهب من هم أدنى منه فى السلم، بالإضافة إلى حبسه لأى موظف طموح يهدد مركزه على السلم، تطور شخصية آدم تلك تأكيد على فقدان الإنسانية تدريجيًا كلما صعدت أكثر.
ومن هنا يصبح القناع فى العرض مزدوج الدلالة؛ فهو ليس فقط قناع المهرج الذى يخفى الألم، بل أيضًا قناع السلطة التى تخفى قسوتها خلف شكل احتفالى مضلل. هذا التوازى بين الطرفين يكشف أن الجميع داخل هذا العالم يرتدى قناعًا، لكن بدرجات مختلفة من الوعى به.
وفى لحظات الذروة البصرية، يتعمد العرض خلق صور مسرحية شديدة الرمزية، مثل اجتماع الإضاءة الحمراء والصفراء والزرقاء فى لحظة واحدة، أو محاصرة الشخصيات داخل مستويات السلالم المختلفة، وهو ما يحول الصورة المسرحية إلى ما يشبه اللوحة الحية التى تُقرأ بصريًا قبل أن تُفهم دراميًا. هذه اللحظات تكشف أن العرض لا يعتمد على السرد بقدر ما يعتمد على الصورة المركبة كوسيلة أساسية للتعبير.

الأداء التمثيلى
يُظهر الأداء التمثيلى وعيًا واضحًا بطبيعة التحول بين الشخصية والقناع، حيث لم يكن الممثلون يؤدون شخصيات ثابتة بقدر ما كانوا يتحركون بين حالتين: حالة الإنسان خلف القناع، وحالة السلطة أو الدور عند ارتدائه. ويبرز ذلك بشكل خاص فى أداء رئيس قسم الضحك والمدير السابق، حيث يشكل القناع أو الخوذة لحظة فاصلة فى بناء الشخصية؛ فعند ارتدائهما تتغير نبرة الصوت، وتتحول لغة الجسد إلى أكثر صرامة وحدّة، وكأن الممثل ينتقل إلى كيان آخر بالكامل، لا مجرد دور مختلف.
لا يغلق العرض أبوابه على نهاية تقليدية بقدر ما يترك المتلقى أمام فراغ ثقيل تتلاشى فيه الشخصيات كما لو أنها لم تكن يومًا. فكل ما جرى داخل هذا العالم المسرحى، بكل ما فيه من صعود وسقوط وأقنعة وسلالم، ينتهى إلى لحظة محو هادئة لكنها قاسية، تتجسد فى العبارة الختامية المستلهمة من محمود درويش: تنسى كأنك لم تكن. وكأن العرض رغم كثافة تفاصيله يعيد فى لحظته الأخيرة تفكيك كل ما بناه، ليؤكد أن الوجود داخل هذه المنظومة لا يترك أثرًا ثابتًا، بل يذوب تدريجيًا فى ذاكرة قابلة للمحو.
وبين هذا البناء الدقيق الذى تشكل عبر الإضاءة والصوت والحركة والأداء، وذلك الانهيار فى النهاية، يظل العرض متماسكًا فى رؤيته، كاشفًا عن عالم يُعاد فيه إنتاج الإنسان ثم محوه فى دورة لا تنتهى، دون أن يترك خلفه سوى أثر عابر داخل التجربة نفسها.


نورهان ياسر