المسرح الغنائى فى مصر.. ورحلة البحث عن اللحن المفقود

المسرح الغنائى فى مصر.. ورحلة البحث عن اللحن المفقود

العدد 985 صدر بتاريخ 13يوليو2026

لم يكن المسرح الغنائى يومًا مجرد عروض تمزج بين التمثيل والغناء والاستعراض، بل كان أحد أبرز وجوه القوة الناعمة المصرية، ورافدًا أساسيًا فى تشكيل الوجدان الفنى العربى. فمن فوق خشباته وُلدت أعمال خالدة، وبرز نجوم جمعوا بين الموهبة التمثيلية والقدرة الغنائية والحضور الاستعراضى، لتتحول تلك العروض إلى علامات مضيئة فى تاريخ المسرح المصرى، ما زالت تحتفظ ببريقها رغم مرور العقود.
لكن هذا الفن، الذى احتل لسنوات مكانة خاصة فى الحركة المسرحية، يواجه اليوم تحديات معقدة جعلت حضوره محدودًا، بعد أن كان أحد أعمدة الإنتاج المسرحى. وبين ارتفاع تكاليف التنفيذ، وندرة النصوص المتخصصة، وتراجع إعداد الفنان الشامل، وتبدل أولويات الإنتاج، يظل السؤال مطروحًا: لماذا تراجع المسرح الغنائى فى مصر؟ وهل أصبحت استعادته حلمًا صعب المنال أم أن مقومات عودته لا تزال قائمة؟
فى هذا التحقيق، نفتح ملف المسرح الغنائى من مختلف زواياه، ونستمع إلى آراء نخبة من المخرجين، والمؤلفين، والملحنين، ومصممى الديكور، وأساتذة الأكاديميات، وصُناع المسرح، لرصد واقع هذا الفن، وتشخيص أزماته، والبحث عن حلول عملية تعيد إليه مكانته، باعتباره فنًا يجمع بين الدراما والموسيقى والاستعراض، ويملك القدرة على مخاطبة الوجدان، واستعادة جمهور طالما آمن بأن المسرح، حين يغنى، يصبح أكثر قدرة على الحياة.
د. عبدالله سعد: المسرح الغنائى يحتاج إلى فنان شامل وإنتاج ضخم.. والموسيقى هى العمود الفقرى للعرض وليست مجرد خلفية
يرى الدكتور عبدالله سعد، المخرج الأوبرالى وأستاذ الإخراج بأكاديمية الفنون، أن المسرح الغنائى يُعد واحدًا من أكثر الفنون المسرحية تميزًا، لأنه يقوم فى الأساس على الموسيقى والاستعراض، ويحتاج إلى منظومة متكاملة من العناصر الفنية والإنتاجية. ويؤكد أن تراجع هذا النوع من المسرح فى مصر يرجع إلى ارتفاع تكلفته واعتماده على عناصر إبهار كبيرة تشمل الديكورات والملابس والإكسسوارات، إلى جانب الحاجة إلى ممثلين يمتلكون قدرات تمثيلية وصوتية وحركية فى آن واحد، وهو ما يجعل العثور على الفنان الشامل أمرًا نادرًا.
ويضيف أن الأزمة لا تتوقف عند العنصر البشرى، بل تمتد إلى البنية التحتية، إذ إن عدد المسارح القادرة على استيعاب عروض المسرح الغنائى محدود للغاية، مشيرًا إلى أن مسرح البالون ودار الأوبرا المصرية يمثلان أبرز المسارح المؤهلة لهذا النوع من العروض، بينما تظل المسارح الخاصة التى تستوعبه محدودة الانتشار، فى حين تفتقر أغلب مسارح الدولة إلى الإمكانات التى تسمح بتقديم عروض غنائية ضخمة.
ويؤكد أن الفارق الجوهرى بين المسرح الغنائى والعروض المسرحية التقليدية يتمثل فى أن الموسيقى داخل المسرح الغنائى ليست عنصرًا مكملًا، بل هى الأساس الذى يُبنى عليه العرض بأكمله، إلى جانب النص الشعرى والأداء الغنائى. فالموسيقى هنا موسيقى درامية تعبر عن المواقف والشخصيات، ويمكنها أن توصل المعنى حتى إذا غاب الحوار، من خلال الإيماءات والحركات التعبيرية والاستعراضات الراقصة. أما فى المسرح التقليدى فتُستخدم الموسيقى فى فواصل أو مشاهد محددة، أو لمصاحبة أغنية أو رقصة، دون أن تكون العنصر القائد لمسار الأحداث.
ويشير إلى أن الساحة الفنية لا تعانى من نقص فى المواهب الموسيقية، وإنما فى توجه هذه المواهب نحو المسرح الغنائى؛ إذ يفضل كثير من الملحنين تقديم الأغانى المنفردة أو الحفلات الموسيقية لما توفره من عائد أسرع وجهد أقل، بدلًا من خوض تجربة تأليف عمل مسرحى غنائى متكامل، وهو ما يعكس غياب الإيمان الكافى بأهمية هذا الفن ودوره فى تطوير الحركة المسرحية. كما أن ارتفاع تكاليف الإنتاج يدفع كثيرًا من مديرى المسارح إلى تفضيل العروض الدرامية التقليدية.
ويشدد الدكتور عبدالله سعد على أن العلاقة بين الموسيقى والدراما فى المسرح الغنائى علاقة عضوية وحميمة، فالموسيقى هى التى تقود الحدث الدرامى وتمنحه إيقاعه وتصاعده، مستشهدًا بالأوبرا باعتبارها النموذج الأوضح لهذا التلاحم، حيث يستمر الغناء والموسيقى منذ بداية العرض حتى نهايته، كما يظهر الأمر أيضًا فى مسرح الباليه والرقص الحديث والمسرح الحركى، وهى جميعها أشكال من المسرح الموسيقى الذى تعتمد فيه الدراما على الموسيقى بوصفها المحرك الأساسى للأحداث.
وعن دور التكنولوجيا، يوضح أن التقنيات الحديثة أحدثت تطورًا كبيرًا فى عناصر العرض المسرحى، سواء فى التأليف والتوزيع الموسيقى، أو فى تصميم الديكور والإضاءة باستخدام البرامج الرقمية، فضلًا عن الاستفادة من تقنيات الذكاء الاصطناعى فى معالجة الأصوات وإنتاج الموسيقى. لكنه يحذر فى الوقت نفسه من الإفراط فى الاعتماد على هذه الوسائل، لأن ذلك قد يُفقد العمل الفنى عفويته ويُضعف حضور الإبداع الإنسانى. ويؤكد أنه ليس ضد التطور، وإنما يدعو إلى توظيفه باعتدال، بحيث يبقى فى خدمة الموهبة ورؤية المخرج، لا أن يحل محلها.
ويختتم حديثه بالتأكيد على أن استعادة المسرح الغنائى لمكانته ممكنة إذا توافرت الإرادة الإنتاجية، والمسارح المجهزة، والفنان الشامل القادر على الجمع بين الغناء والتمثيل والحركة، مع الإيمان بأن هذا الفن يمثل أحد أهم أشكال المسرح وأكثرها قدرة على التأثير فى الجمهور.

عمرو باتريك: المسرح الغنائى يحتاج إلى كوادر محترفة وخيال غير تقليدى ليعود بقوة
يرى مصمم الاستعراضات عمرو باتريك أن أزمة المسرح الغنائى فى مصر لا ترتبط بسبب واحد، وإنما بمجموعة من العوامل، فى مقدمتها الحاجة إلى خبرات متخصصة قادرة على التعامل مع هذا النوع شديد التعقيد. ويؤكد أن المسرح الغنائى يجمع بين الغناء والتمثيل والرقص، وهو ما يتطلب مخرجًا واعيًا يمتلك رؤية واضحة، إلى جانب مصمم استعراضات محترف يستطيع توظيف الحركة دراميًا، بحيث تكون كل حركة مرتبطة بالموضوع والحالة الدرامية، لا مجرد أداء شكلى.
ويشير إلى أن هذا النوع من المسرح يحتاج إلى مجهود إنتاجى كبير، سواء بسبب كثرة عدد المؤدين والراقصين، أو تسجيل الأغنيات، أو إعداد ممثل يمتلك القدرة على التمثيل والغناء والرقص فى آن واحد، وهى مواصفات لا تتوافر بسهولة، فضلًا عن احتياجه إلى خيال إبداعى بعيد عن الحلول التقليدية.
ويؤكد باتريك أن الاستعراض يمثل عنصرًا أساسيًا فى المسرح الغنائى، لكنه لا يفقد أهميته داخل العروض المسرحية الأخرى أيضًا، موضحًا أن نجاح الاستعراض لا يقاس بالإبهار البصرى وحده، وإنما بقدرته على خدمة البناء الدرامى وإبراز الممثل فى أفضل صورة، من خلال مفردات حركية تتناسب مع طبيعة العمل، مع الحفاظ على التنوع والابتكار، بحيث يترك كل استعراض بصمة حقيقية داخل العرض.
ويشير إلى أن هذا النهج حرص على تطبيقه فى جميع أعماله، بداية من عرض «الجلسة»، مرورًا بـ«يوم أن قتلوا الغناء» و «U-turn»، ثم أعماله بالمسرح الخاص مثل «الملك لير»، و«علاء الدين»، و«ياما فى الجراب يا حاوي»، و«تشارلى شابلن»، و «أم كلثوم»، إلى جانب عدد من العروض التى قُدمت فى موسم الرياض، مؤكدًا أن هدفه الدائم هو أن يكون الاستعراض إضافة حقيقية للعمل، لا مجرد فقرة عابرة.
وحول الكوادر الفنية، يرى باتريك أن الساحة تضم عددًا من الفنانين القادرين على الجمع بين الغناء والاستعراض، لكنهم ما زالوا قليلين، لافتًا إلى أن السنوات الأخيرة شهدت اهتمامًا متزايدًا من الممثلين بأهمية الحركة وتطوير أدواتهم، إلا أن الوصول إلى مستوى الاحتراف يتطلب تدريبًا مكثفًا، واهتمامًا باللياقة البدنية، واستعدادًا مستمرًا، كما يحدث فى التجارب العالمية التى يخضع فيها الممثلون لفترات تدريب طويلة قبل تقديم العروض الغنائية.
ويضيف أن من أبرز التحديات التى تواجه مصمم الاستعراضات توافر إنتاج قادر على تحمل متطلبات هذا النوع، إلى جانب وجود مخرج يمتلك رؤية واضحة، ويثق فى أدواته، ويمنح فريق العمل المساحة اللازمة للإبداع.
ويؤكد أن نجاح المسرح الغنائى يعتمد على التكامل الكامل بين المخرج والملحن ومصمم الاستعراضات، مشيرًا إلى أنه كثيرًا ما يناقش الملحن فى تفاصيل الموسيقى ويطلب تعديلات تخدم الرؤية الحركية، فى حين تبقى رؤية المخرج هى الإطار الذى يعمل الجميع على تنفيذه، وهو ما يتطلب مخرجًا جريئًا لا يخشى التجريب والمغامرة.
ويختتم باتريك حديثه بالتأكيد على أن المسرح الغنائى المصرى يسير حاليًا فى اتجاه صاعد، معربًا عن تفاؤله بعودة قوية لهذا اللون المسرحى، مشيدًا بالدور الذى قام به المخرج مجدى الهوارى فى تطوير شكل المسرح الاستعراضى، إلى جانب جهود عدد من المخرجين والمنتجين، وفى مقدمتهم الكاتب والمنتج مدحت العدل، مؤكدًا أن هذه التجارب أسهمت فى إعادة إحياء المسرح الغنائى، وأن المستقبل يحمل فرصًا واعدة لمزيد من التطور والانتشار.

حازم شبل: المسرح الغنائى مشروع فنى متكامل.. وأطالب بإطلاق مشروع إنتاج مستمر يقدم عدة عروض غنائية سنويًا
فيما أوضح مصمم الديكور المسرحى حازم شبل أن تراجع المسرح الغنائى فى مصر لا يعود إلى ضعف الإبداع أو نقص الكفاءات، وإنما إلى غياب منظومة إنتاج قادرة على استيعاب طبيعة هذا الفن المركب، الذى يجمع بين التمثيل والغناء والاستعراض والموسيقى الحية فى عرض واحد.
ويؤكد أن المسرح الغنائى يعد من أكثر الفنون المسرحية تكلفة، ليس بسبب الديكورات أو التقنيات فقط، وإنما لأنه يعتمد على أوركسترا حية، وتدريب طويل للمطربين والمؤدين، واختيار أصوات قادرة على الغناء المباشر، إلى جانب تدريبات مكثفة لتنسيق الأداء بين المغنين والمايسترو والاستعراضات. ولذلك فإن إنتاج هذا النوع من العروض يحتاج إلى رؤية واستثمار حقيقيين، رغم أنه يضمن فى المقابل إقبالًا جماهيريًا واسعًا متى قُدم بصورة احترافية.
ويشير شبل إلى أن تصميم الديكور فى المسرح الغنائى يختلف جذريًا عن المسرح الدرامى التقليدى، فالديكور هنا ليس مجرد خلفية للأحداث، بل عنصر أساسى فى السرد البصرى وصناعة الإيقاع المسرحى. ويشرح أن العرض الغنائى يحتاج إلى مساحات واسعة للحركة، ومستويات متعددة تتيح تشكيلات استعراضية متنوعة، مع مراعاة ألا تعيق المناظر حركة الممثلين أو الراقصين، وأن تسمح بتغيير المشاهد بسرعة باعتبار أن انتقالات الديكور جزء من الإيقاع الموسيقى نفسه.
ويضيف أن الديكور فى المسرح الغنائى يتحول إلى «شخصية استعراضية» تتحرك مع الموسيقى، حيث ترتبط الارتفاعات، ومسارات الحركة، وزوايا الرؤية، وحتى أماكن وقوف المؤدين، بالإيقاع الموسيقى، بما يضمن صورة بصرية متكاملة يشعر معها المتفرج بأن جميع عناصر العرض تعمل بتناغم واحد.
ويؤكد أن الغناء والاستعراض يفرضان تحديات خاصة على مصمم الديكور، إذ ينبغى أن تكون المناظر آمنة وسهلة الحركة، وسريعة التغيير، مع الحفاظ على وضوح الرؤية للجمهور من مختلف مقاعد الصالة، فضلًا عن توفير مساحات كافية للحركة دون الإخلال بالإيقاع العام للعرض.
وحول استخدام التكنولوجيا الحديثة، يرى شبل أن الإسقاطات الضوئية والشاشات تمثل إضافة مهمة، لكنها لا يمكن أن تحل محل الديكور المسرحى المجسم. فالتقنيات الرقمية تمنح إحساسًا بالعمق وتساعد فى الانتقال بين البيئات المختلفة، لكنها تظل عناصر مسطحة، بينما يحتاج الممثل إلى كتل حقيقية يتفاعل معها، وسلالم وشبابيك ومنصات وعناصر متحركة تمنح الصورة المسرحية صدقها وثراءها. لذلك فإن المزج بين التكنولوجيا والديكور التقليدى هو الطريق الأمثل للوصول إلى صورة مسرحية مبهرة.
وعن محدودية الميزانيات، يوضح أن الإبداع لا يرتبط بحجم الإنفاق، فالمصمم يستطيع اللجوء إلى الحلول التجريدية أو الرمزية، واستخدام عدد محدود من العناصر بشرط تنفيذها بجودة عالية، لأن قلة العناصر لا تعنى الفقر البصرى، وإنما يمكن أن تحقق جمالًا لافتًا إذا أُحسن توظيفها.
ويختتم شبل حديثه بالتأكيد على أن مصر تمتلك جميع المقومات اللازمة لاستعادة ريادة المسرح الغنائى، من مخرجين ومصممين وكتاب وشعراء وملحنين ومؤديين على أعلى مستوى، لكن الأزمة تكمن فى غياب الإنتاج المنتظم، وعدم جاهزية كثير من المسارح تقنيًا لاستقبال هذا النوع من العروض.
ويطالب شبل بإطلاق مشروع إنتاج مستمر يقدم عدة عروض غنائية سنويًا، مع تطوير تجهيزات المسارح، وتوفير الميزانيات اللازمة للتدريب والديكور والأزياء والموسيقى الحية، مؤكدًا أن المسرح الغنائى قادر على جذب الجمهور وتحقيق عائد فنى واقتصادى كبير إذا توفرت له الإرادة والدعم، تمامًا كما يحدث فى المسارح العالمية، حيث تحولت العروض الغنائية إلى صناعة ثقافية وسياحية ناجحة تستقطب الجمهور على مدى العام.

سعد القليعى: المسرح الغنائى يحتاج إلى فتح الطريق أمام الإبداع الحقيقى
يرى الشاعر والكاتب المسرحى سعد القليعى، أن أزمة المسرح الغنائى ليست أزمة نصوص أو مواهب، وإنما هى جزء من أزمة المسرح المصرى بشكل عام، والتى يصفها بأنها «متعددة الجوانب ومتشعبة».
ويستعيد القليعى تحذيرات الناقد الراحل فاروق عبدالقادر منذ سبعينيات القرن الماضى، حين كان ينبه إلى تراجع المسرح المصرى، مؤكدًا أن جوهر الأزمة يكمن فى غياب جهات إنتاج تمتلك الوعى والرؤية. ويقول إن المشكلة لا تتمثل فى نقص الكُتاب أو العناصر البشرية القادرة على إنجاز عروض متميزة، وإنما فى الخلفية الفكرية لمن يديرون منظومة الإنتاج المسرحى، حتى داخل مسارح الدولة، التى ما زالت - بحسب وصفه - تعتمد على إعادة تقديم النصوص الكلاسيكية المعروفة، مثل أعمال شكسبير وسعد الله ونوس وألفريد فرج، بينما لا تجد النصوص الجديدة طريقها إلى الخشبة.
ويضيف أن السبب فى ذلك يعود إلى غياب لجان متخصصة تمتلك القدرة على قراءة النصوص الجديدة وترشيحها، مشيرًا إلى أن القرار أصبح فى يد مسؤولين ليست القراءة أو متابعة الإنتاج الأدبى من صميم اختصاصهم. ويستشهد بتجربة شخصية مؤلمة، إذ تقدم بأحد نصوصه إلى المسرح القومى وظل سنوات يتابع مصيره دون أن يعرف ما إذا كان قد قُبل أم رُفض، رغم أن النص نفسه سبق أن فاز بجائزة تحكيمها نخبة من كبار رموز المسرح، من بينهم الدكتور أشرف زكى سخسوخ، والدكتورة هدى وصفى، والدكتور رشيد الصبان، الذين أشادوا بالنص واعتبروه جديرًا بالجائزة.
وعن خصوصية كتابة الأغنية المسرحية، يؤكد القليعى أنها تختلف جذريًا عن كتابة الأغنية المستقلة؛ فالأغنية العادية تحمل موضوعًا مكتملًا بذاته، أما الأغنية داخل العرض المسرحى فلا بد أن تكون جزءًا من البناء الدرامى، تسهم فى تصعيد الحدث وتطور الشخصيات، لا أن تكون مجرد تعليق أو شرح لما يجرى على الخشبة.
وفى السياق نفسه، يرفض القليعى اعتبار أى عرض يضم أغنيات واستعراضات مسرحًا غنائيًا، موضحًا أن المسرح الغنائى الحقيقى يقوم على اندماج كامل بين الحوار والغناء، بحيث يستحيل الفصل بينهما. ويرى أن الكاتب الذى ينجز هذا النوع من المسرح ينبغى أن يجمع بين أدوات كتابة الدراما والشعر معًا، لا أن يكتب المسرحية ثم يستعين بشاعر لكتابة الأغنيات فى مراحل لاحقة، لأن ذلك يفقد العمل وحدته الفنية. ويشير إلى أن الأغنيات تُستخدم اليوم فى كثير من العروض كعنصر تزيينى أو وسيلة جذب جماهيرى، وهو ما يحدث أيضًا فى بعض الأفلام السينمائية، لكنه لا يصنع مسرحًا غنائيًا بالمعنى الحقيقى.
ويرفض القليعى أيضًا تحميل مسئولية التراجع إلى نقص الكفاءات، مؤكدًا أن الساحة المصرية تزخر بالمبدعين من شعراء وملحنين ومخرجين، لكن المشكلة تكمن فى الحواجز التى تفصل بين هؤلاء المبدعين وخشبات المسارح. ويشير إلى غياب اللجان الحرة والمتخصصة القادرة على تقييم النصوص بموضوعية، معتبرًا أن هذا الخلل يحول دون وصول الأعمال الجديدة إلى الجمهور، بينما تظل المؤسسات الرسمية تميل إلى إعادة إنتاج الأعمال التى أثبتت نجاحها سابقًا، لأنها الخيار الأكثر أمانًا بالنسبة للقائمين على الإنتاج.
وعلى الرغم من اعترافه بأن المسرح الغنائى مرتفع التكلفة، فإنه يرى أن هذه التكلفة يمكن تعويضها إذا أُحسن استثمار عناصر العرض، مقترحًا إنتاج أغنيات المسرحية بصورة مستقلة فى ألبومات أو عبر المنصات الرقمية، بما يحقق عائدًا يسهم فى تغطية جزء من نفقات الإنتاج. كما يشير إلى أن الجمهور يدفع اليوم أسعارًا مرتفعة لحضور حفلات مطربين، ولذلك فإن عرضًا مسرحيًا غنائيًا متكاملًا يضم مطربين وملحنين وأغنيات عالية المستوى يمكنه تحقيق إيرادات كبيرة إذا قُدم باحترافية.
ويختتم القليعى رؤيته بالتأكيد على أن المسرح الغنائى المصرى لا يحتاج إلى البحث عن مبدعين جدد، فالمبدعون موجودون، والمسارح موجودة أيضًا، لكن المطلوب هو إزالة العراقيل التى تعوق وصول الإبداع الحقيقى إلى خشبة المسرح، وفتح الطريق أمام أصحاب المواهب والأفكار الجادة ليقدموا أعمالهم إلى الجمهور.

إيهاب حمدى: المسرح الغنائى لن يستعيد مكانته إلا بإنتاج جاد ونصوص قوية وتكامل بين جميع عناصر العرض
فيما يرى الملحن إيهاب حمدى أن الأزمة التى يواجهها المسرح الغنائى فى مصر ترجع فى المقام الأول إلى ارتفاع تكلفة الإنتاج، إلى جانب ندرة النصوص المناسبة وغياب الفرق المتخصصة القادرة على تقديم هذا اللون الفنى، مؤكدًا أن المسرح الغنائى يقوم على منظومة متكاملة تتطلب تعاونًا وثيقًا بين المؤلف والملحن والمخرج والممثل، وهو ما لا يتوافر بالقدر الكافى فى الوقت الحالى.
وأوضح أن موسيقى المسرح الغنائى تختلف جذريًا عن الموسيقى المستخدمة فى العروض المسرحية التقليدية، لأنها تُعد جزءًا أصيلًا من البناء الدرامى، إذ تنقل المشاعر وتسهم فى سرد الأحداث، بينما تقتصر الموسيقى فى المسرح التقليدى غالبًا على تهيئة الأجواء أو دعم المشاهد دون أن تكون عنصرًا رئيسيًا فى تطور الحدث.
وأشار إلى أن المشكلة لا تكمن فى نقص الملحنين المتخصصين بقدر ما تتمثل فى قلة المشروعات المنتجة للمسرح الغنائى، موضحًا أن توفير إنتاجات حقيقية ومستدامة من شأنه أن يشجع الملحنين على التخصص والإبداع وتطوير أدواتهم فى هذا المجال.
وأكد حمدى أن الموسيقى قادرة على أن تكون عنصرًا دراميًا فاعلًا يقود الأحداث ويكشف أبعاد الشخصيات، وليست مجرد خلفية صوتية، لافتًا إلى أن نجاح المسرح الغنائى يرتبط بقدرة الموسيقى على الاندماج الكامل مع الدراما وخدمة البناء الفنى للعرض.
وعن أثر التكنولوجيا، أوضح أن التقنيات الحديثة فى التأليف والتوزيع الموسيقى وفرت إمكانات صوتية كبيرة وسهلت عملية الإنتاج، لكنها تظل مجرد وسيلة، بينما يبقى الإبداع وجودة الفكرة هما الأساس فى نجاح أى عمل فنى.
واختتم حديثه بالتأكيد على أن المسرح الغنائى المصرى يمتلك القدرة على استعادة مكانته وريادته خلال السنوات المقبلة، إذا توافرت نصوص جيدة، وإنتاج جاد، وفرق مدربة، إلى جانب الاهتمام باكتشاف المواهب الجديدة وتقديم الدعم الحقيقى لها.

شادى الدالى: نحتاج لخطة واضحة تجمع الكل فى مشروع وطنى متكامل لإحياء المسرح الغنائى.
يرى المخرج شادى الدالى أن تحميل الجمهور مسؤولية تراجع المسرح الغنائى يمثل تشخيصًا خاطئًا للأزمة، مؤكدًا أن الجمهور المصرى ما زال متنوعًا وقادرًا على استقبال مختلف أشكال المسرح متى قُدمت إليه أعمال جيدة. ويشير إلى أن المشكلة الحقيقية تكمن فى عقلية الإنتاج، التى أصبحت تميل إلى تجنب المغامرة الفنية والبحث عن الأعمال المضمونة تجاريًا، وهو ما أدى - فى رأيه - إلى تراجع جودة الإنتاج المسرحى بشكل عام، وليس المسرح الغنائى وحده.
ويؤكد الدالى أن وجود الأغانى أو الاستعراضات داخل العرض لا يجعله تلقائيًا مسرحًا غنائيًا، موضحًا أن المسرح الغنائى الحقيقى هو العمل الذى تتكامل فيه الدراما مع الموسيقى والغناء بوصفها لغة السرد الأساسية، كما كان الحال فى الأوبريتات المصرية الكبرى التى قدمها رواد مثل سيد درويش، والتى ناقشت قضايا المجتمع من خلال نصوص وألحان رفيعة المستوى.
ويستشهد بتجربته فى إخراج عرض «أوبريت الدرافيل»، الذى اعتمد على الغناء الحى والموسيقى الحية وضم نحو عشرين لوحة غنائية، مؤكدًا أن هذه التجربة أبرزت الفارق الكبير بين المسرح الغنائى الحقيقى وما أصبح يُقدَّم حاليًا من عروض تعتمد على الموسيقى المسجلة أو تقنية الـ«بلاى باك»، وهى حلول يراها بعيدة تمامًا عن روح هذا الفن.
وفى ما يتعلق بتكاليف الإنتاج، يعترف الدالى بأن المسرح الغنائى يحتاج إلى ميزانية أكبر، خاصة مع وجود فرقة موسيقية حية، لكنه يرفض أن تتحول الحسابات الاقتصادية إلى مبرر للتنازل عن الجودة الفنية، مشددًا على أن مسارح الدولة لا ينبغى أن يكون الربح هو هدفها الأول، بل دعم الفن الراقى وتقديم أعمال قادرة على صناعة جمهور دائم.
ويؤكد أن مصر لا تعانى نقصًا فى الكفاءات، فالمواهب موجودة داخل أكاديمية الفنون والمؤسسات الثقافية المختلفة، لكن المشكلة الحقيقية تتمثل فى غياب التنسيق المستمر بينها، وافتقاد خطة واضحة تجمع الأكاديميات، ووزارة الثقافة، ودار الأوبرا، والفرق المسرحية، والنقابات، فى مشروع وطنى متكامل لإحياء المسرح الغنائى.
ويشير إلى أن ما شاهده خلال عمله فى أوروبا أقنعه بأن الفارق الحقيقى ليس فى الإمكانات، وإنما فى وجود خطط طويلة المدى، ونظام مؤسسى يحدد الأهداف ويضمن استمرارية الإنتاج. ويرى أن إعادة بناء المسرح الغنائى تبدأ بوضع استراتيجية واضحة تبدأ من النصوص والأشعار والألحان، مرورًا بإعداد الممثلين والمغنين والعازفين، وصولًا إلى إنتاج عروض تمتلك مقومات النجاح الفنى.
ويختتم الدالى حديثه بالتأكيد على أن الحديث عن نهضة حقيقية للمسرح الغنائى ما زال سابقًا لأوانه، فالموجود حاليًا لا يتجاوز محاولات فردية تستحق الدعم لكنها لا تكفى لصناعة تيار متكامل. ويشدد على ضرورة تشجيع التجارب الشابة، وإتاحة مساحة أكبر للتجريب، مع توفير الدعم المادى والفنى، لأن المسرح - فى رأيه - لا يمكن أن يتطور دون المغامرة والإبداع، مؤكدًا أنه يسعى فى كل أعماله إلى ترسيخ قيمة الموسيقى والغناء الحيين باعتبارهما جوهر المسرح الغنائى الحقيقى.

ياسين الضوى: أزمة المسرح الغنائى تتمثل فى ندرة صُناعه الحقيقيين
يرى الفنان المخرج والشاعر ياسين الضوى أن الحديث عن تراجع المسرح الغنائى فى مصر يجب أن ينطلق من تشخيص دقيق لأسباب الأزمة، مؤكدًا أن هذا الفن يشهد بالفعل حالة من الانحسار، وأن العروض الغنائية المتكاملة أصبحت نادرة، إذا كان المقصود بها العروض التى تقوم بنيتها الدرامية بالكامل على الموسيقى والغناء، لا تلك التى تكتفى بإقحام بعض الأغنيات أو الاستعراضات داخل العرض.
ويرفض الضوى تحميل ارتفاع تكاليف الإنتاج مسئولية هذا التراجع، معتبرًا أن هذه الحجة لا تصمد أمام التجارب العملية، موضحًا أن هناك عروضًا مسرحية غير غنائية تتجاوز فى تكلفتها إنتاج عروض غنائية كاملة، والعكس صحيح. ويستشهد بتجربته فى عرض «حرامى الكتاب» الذى كتبه وأخرجه بمشاركة أطفال معهد الباليه، حيث اعتمد العمل بالكامل على الغناء والموسيقى والاستعراض، واستمر عرضه على مسرح النيل العائم لمدة اثنين وأربعين يومًا متتالية، رغم أن ميزانيته لم تتجاوز تكلفة إنتاج عرض عادى لفرقة مسرحية. كما يشير إلى عرض «حى بن يقظان» الذى أخرجه سعيد سليمان عن نص غنائى من تأليفه، وقدم على مسرح الطليعة بميزانية محدودة، مؤكدًا أن نجاح هذه النماذج ينفى وجود علاقة حتمية بين المسرح الغنائى وارتفاع التكلفة.
ويؤكد أن الأزمة الحقيقية تكمن فى ندرة الكُتاب المتخصصين فى هذا اللون المسرحى، موضحًا أن كتابة المسرح الغنائى تتطلب كاتبًا يجمع بين الحس الشعرى والخبرة المسرحية، لأن امتلاك موهبة كتابة الأغنية وحدها لا يكفى لصناعة دراما غنائية متماسكة. كما يلفت إلى أن الساحة تعانى أيضًا من قلة المخرجين القادرين على التعامل مع هذا النوع، لما يحتاجه من أدوات ورؤية مختلفة عن المسرح التقليدى.
ورغم ذلك، يشدد الضوى على أن المبدعين المؤهلين لهذا الفن موجودون بالفعل، وإن كانوا قلة، داعيًا إلى إسناد هذه الأعمال إلى أصحاب الخبرة الحقيقيين، لأن نجاح المسرح الغنائى مرهون بأن «يعطى العيش لخبازه»، على حد تعبيره، لا بمن يجرب هذا الفن دون امتلاك أدواته.
ويجدد رفضه الربط بين استمرار المسرح الغنائى والعامل الاقتصادى وحده، مؤكدًا أن بقاء أى نوع مسرحى يخضع لمنظومة متكاملة من الرؤية والإرادة والإنتاج، وليس لحجم الميزانية فقط. ويرى أن توفر الرغبة لدى الجهات المنتجة فى تقديم أعمال غنائية، سواء كانت ضخمة أو متوسطة أو صغيرة، كفيل بتحقيق ذلك، لأن التمويل يتبع القناعة بالمشروع وليس العكس.
ويختتم الضوى حديثه بنبرة متفائلة، مؤكدًا أن المسرح الغنائى لم يختفِ من الساحة المصرية، بل ظهرت خلال السنوات الأخيرة عروض أثبتت أن إنتاج مسرح غنائى ثرى ومتنوّع لا يزال ممكنًا، متى توفرت الإرادة لدى القائمين على الحركة المسرحية، وهو ما يمنح هذا الفن فرصة حقيقية لاستعادة حضوره من جديد.

زياد هجرس: المسرح الغنائى يحتاج إلى إمكانات حقيقية.. والموسيقى فيه هى التى تقود الدراما
يرى الملحن زياد هجرس أن تراجع إنتاج المسرح الغنائى فى مصر يرجع إلى مجموعة من الأسباب المتداخلة، فى مقدمتها ارتفاع التكلفة الإنتاجية لهذا النوع من العروض، موضحًا أن المسرح الغنائى يعتمد بدرجة كبيرة على الإبهار السمعى والبصرى، ما يجعله أكثر احتياجًا إلى ميزانيات ضخمة مقارنة بالعروض المسرحية التقليدية. وأضاف أن نقص المسارح المجهزة بأحدث تقنيات الصوت، إلى جانب ندرة الفنانين المتخصصين فى هذا اللون، سواء من الملحنين أو المخرجين، يمثل أحد أبرز العوائق أمام ازدهاره.
وأكد أن الموسيقى فى المسرح الغنائى لا تؤدى دورًا تكميليًا أو تجميليًا، وإنما تمثل المحرك الأساسى للدراما، إذ تُبنى القصة فى الأساس على الألحان والموسيقى، التى تصبح الوسيط الرئيسى لنقل الأحداث والمشاعر إلى الجمهور، ولذلك لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد خلفية موسيقية يمكن الاستغناء عنها.
وأشار هجرس إلى أن عدد الملحنين القادرين على العمل فى المسرح الغنائى ما زال محدودًا، لأن هذا المجال لا يتطلب فقط موهبة موسيقية، بل يحتاج أيضًا إلى دراسة عميقة لفنون المسرح وآليات البناء الدرامى، حتى يصبح الملحن أحد أهم أعمدة المشروع الفنى. كما لفت إلى أن الأزمة لا تتوقف عند نقص المتخصصين، وإنما تمتد إلى قلة النصوص والقصص التى تصلح لتقديمها فى قالب المسرح الغنائى.
وشدد على أن العلاقة بين الموسيقى والدراما فى هذا النوع من المسرح علاقة عضوية، فالموسيقى هى الأداة الأساسية التى تُنقل من خلالها الدراما إلى المتلقى، وهى التى تقود تطور الحدث وتصنع إيقاعه، وليس العكس.
وعن أثر التكنولوجيا، أوضح أن التقنيات الحديثة فى التأليف والتوزيع الموسيقى أسهمت بشكل كبير فى تطوير المسرح الغنائى، مؤكدًا أن مواكبة هذا التطور أصبحت ضرورة لا غنى عنها، لأن التكنولوجيا باتت سمة أساسية من سمات العصر، وعلى جميع العاملين فى هذا المجال الاستفادة منها لتحقيق أفضل النتائج الفنية.
واختتم هجرس حديثه بالتأكيد على أن المسرح الغنائى المصرى قادر على استعادة مكانته وريادته خلال السنوات المقبلة، شريطة توفير الإمكانات المادية والتقنية اللازمة لإنتاج عروض غنائية تليق بتاريخ هذا الفن، وتقدم للجمهور أعمالًا بمستوى فنى يواكب التطور العالمى.

د. محمد عبدالمنعم: النهضة الحقيقية للمسرح الغنائى لن تتحقق الا بخطة ثقافية واضحة
فيما يرى الدكتور محمد عبد المنعم، المخرج المسرحى وأستاذ التمثيل والإخراج بجامعة الإسكندرية، أن الخلط بين المسرح الغنائى والعروض التى تتضمن أغنيات هو أحد أسباب غياب الفهم الحقيقى لهذا الفن، مؤكدًا أن الأغنية فى المسرح الغنائى ليست عنصرًا للتزيين، بل جزءًا من البناء الدرامى نفسه.
وأكد أن وجود الأغنيات والاستعراضات داخل العرض المسرحى لا يجعله بالضرورة مسرحًا غنائيًا. فالأغنية فى المسرح الغنائى يجب أن تكون ضرورة درامية؛ تخدم الصراع، وتدفع الحدث إلى الأمام، وتكشف أبعاد الشخصيات، بحيث إن حذفها يؤدى إلى اختلال البناء الدرامى كله. أما إذا جاءت الأغنية للترويح أو كفاصل استعراضى، فنحن أمام عرض درامى يستخدم الموسيقى، وليس مسرحًا غنائيًا بالمعنى العلمى.
وأضاف موضحا أن هذا هو الفارق الجوهرى بين المسرح الغنائى وغيره؛ فالأغنية هنا تصبح المشهد نفسه، وجوهره وخلاصته، وليست مجرد عنصر جمالى. ولذلك يمكن التمييز بين المسرحية الغنائية والمسرحية الإلقائية، التى يعتمد أداؤها الصوتى على الحوار فقط دون أن تكون الأغنية جزءًا من نسيج النص.
وأشار إلى أن مصر قدمت نماذج راسخة لهذا الفن، مستشهدًا بعروض مثل وداد الغازية، وحمدان وبهانة، والقاهرة فى ألف عام، وليلة من ألف ليلة، وتمر حنة، ولولى، إلى جانب أوبريتات سيد درويش الشهيرة، موضحًا أن الموسيقى فى هذه الأعمال كانت جزءًا أصيلًا من تطور الحدث وبناء الشخصيات، وليست مجرد وسيلة للإبهار أو الترفيه.
وعن أسباب تراجع المسرح الغنائى فى مصر، قال: إن الأزمة ليست وليدة سبب واحد، وإنما هى نتيجة تداخل عوامل فنية واقتصادية ومؤسسية وثقافية. فقد تراجعت الكتابة المسرحية الغنائية القائمة على التكامل بين النص واللحن والاستعراض، وندر الممثل الشامل، كما تراجع المتخصصون فى التأليف الموسيقى للمسرح، فضلًا عن ارتفاع تكاليف الإنتاج، وهو ما دفع كثيرًا من جهات الإنتاج إلى الابتعاد عن هذا النوع من العروض.
وتابع : لا يمكن أيضًا تجاهل تأثير تغير ذائقة الجمهور فى ظل المنصات الرقمية، لكن ذلك لا يعنى التخلى عن هوية المسرح الغنائى، بل يستدعى تطوير أدواته بما يتناسب مع العصر.
كما أكد أن استعادة المسرح الغنائى ممكنة، موضحًا أن المسرح المصرى يمتلك الكفاءات والخبرات القادرة على إحياء هذا الفن، لكنه يحتاج إلى رؤية وطنية متكاملة تقوم على إعداد الممثل الشامل، وتطوير التعليم المسرحى، ودعم الكتابة والإنتاج، وإنشاء مراكز متخصصة لتدريب الممثلين، ومصممى الاستعراضات، ومدربى الأصوات، مع ربط الدراسة الأكاديمية بالممارسة الاحترافية.
واختتم حديثه بالتأكيد على أن المحاولات التى ظهرت خلال السنوات الأخيرة تبعث على التفاؤل، لكنها لا تزال بحاجة إلى مشروع مؤسسى طويل المدى، مضيفًا: النهضة الحقيقية للمسرح الغنائى لن تتحقق بعروض متفرقة، وإنما بخطة ثقافية واضحة تعتمد على الإنتاج المنتظم، والتسويق الاحترافى، والتعاون بين المؤسسات، حتى يستعيد المسرح الغنائى المصرى مكانته بوصفه أحد أكثر الفنون قدرة على الجمع بين القيمة الفنية والفكرية والجماهيرية.


سامية سيد