«محمد على حماد» الناقد المسرحى والمندوب الفنى لجريدة «كوكب الشرق»، خصص مساحة كبيرة من الجريدة للحديث عن عرض مسرحية «أندروماك» فى أوائل يناير 1936، وقد جاء الناقد بجديد لم نقرأه من قبل عن المسرحية وأصولها التراثية، قائلًا:مثلت الفرقة القومية خلال الأسبوع الماضى تراجيديا «أندروماك» الشهيرة، وهى إحدى تراجيديات «راسين» الكاتب الفرنسى الخالد، والذى اشتهر بما وضعه للمسرح الفرنسى من قصص تمثيلى نحا فيه نحوًا خاصًا وأراد أن يعرض فى مشاهده النفس الإنسانية، من ناحية خاصة، من ناحية سيطرة العواطف والانفعالات البشرية عليها، فخلق من أبطاله أناسًا من لحم ودم، يتأثرون بما يتأثر به الكائن الحى من حب وحقد أو رضى وغضب، أو أمل ويأس أو حب للانتقام ونزوع للأخذ بالثأر، إلى غير ذلك من شتى ضروب العاطفة الإنسانية التى تختلج فى قلب كل إنسان.. فراسين ينظر إلى الإنسانية كما هى فى الواقع ويصورها من هذه الناحية أدق تصوير، وشخصياته شخصيات إنسانية تعيش وتشعر فى هذا المحيط الواسع الشامل محيط الإنسانية والنفس البشرية جميعًا. وهو فى هذا على النقيض من صنوه «كورنيل» الذى صور الإنسانية فى مُثلها العليا وكما يجب أن تكون لا هى فى حقيقتها، فكان لكل منهما مدرسته الخاصة فى الفن والأدب. وليس هنا مجال التفصيل فى هذا فموضعه فى المجلات الأدبية الخالصة التى يعنى قراؤها بمثل هذه الأبحاث الأدبية الخالصة. ولكن أظن أنه يحسن بنا أن نشير هنا إلى أن كلا الشاعرين قريبى العهد بشكسبير، فقد ولد كورنيل قبل وفاة شكسبير بعشر سنوات. ولكن راسين جاء متأخرًا عن ذلك حوالى الثلاث والعشرين سنة تقريبًا. على أن تقارب العهد كان له ولا شك أثره فى شاعرى فرنسا العظيمين، وكما أن «شكسبير» استقى أكثر مسرحياته من التاريخ القديم، وكان «تاريخ الرومان» الذى كتبه «بلوتارك» عماده الأول فى مسرحياته التى كتبها عن أبطال الرومانيين، كذلك فعل شاعرا فرنسا فلم يخترعَ الجزء الأكبر من مواضيع مسرحياتهما بل عادا إلى التاريخ اليونانى القديم يستلهمانه ويقتبسان منه. بل إنهما أعادا كتابة بعض المسرحيات التى سبق أن كتبها «سفوكل» و«أربيد» شاعرا اليونان الخالدان. وقصة «أندروماك» بالذات كتبها «أربيد» قبل «راسين» بما قد يزيد على عشرين قرنًا. والمرجح أن «أربيد» كتبها فى سنة 419 قبل الميلاد، ثم كتب بعد ذلك بحوالى عشر سنوات قصة أخرى أسماها «أورست» وهو أحد أبطال القصة الأولى. على أن القصتين تختلفان كل الاختلاف عن قصة «راسين» التى نتحدث عنها اليوم، سواء فى الحوادث وفى سيرها ونهايتها أم فى شخصياتها. فعندنا فى قصة «أورست» لأربيد يتزوج أورست من هرميون بعد أن أوشك أن يقتلهما لولا أن هبط «أبلون» فى اللحظة الأخيرة وأنقذها من بين يديه. وقصة أندروماك لأربيد تنتهى هى الأخرى بزواج أورست وتختفى أندروماك نفسها فى منتصف القصة ولا نعود نسمع عنها شيئًا. على أن الفارق الأكبر بين قصتى أربيد وراسين هو فى تصوير شخصيات كل من المسرحيتين فقد جاءت شخصيات راسين فى أكمل وأروع ما تُرى الشخصيات الإنسانية الحية التى تعيش وسط انفعالات نفسياتها البشرية نماذج خالدة من الإنسانية الحية الخالدة، فأندروماك وهرميون امرأتان قبل كل شيء، يتنازع الأولى وفاؤها وحبها القديم لزوجها، تم حرصها على حياة ابنها حتى تضحى بنفسها فى سبيل تحقيق هاتين النازعتين اللتين تختلجان فى قلبها. وأنها لترضى أخيرًا أن تزوج من بيروس لتجعل منه أبًا ثانيًا لابنها يحميه من غضب اليونانيين جميعًا الذين يريدون قتل الابن انتقامًا من أبيه على أنها أصرت فى نفسها أن تنتحر عقب زواجها مباشرة حتى تظل على الوفاء لزوجها جسدًا وروحًا وبذلك تكون قد حفظت الابن ووفت للزوج ولو بتضحية نفسها. كذلك هرميون ليست هى الأخرى بطلة من أبطال الفن، أو شبحًا من أشباح المسرح، بل هى حقيقة خالدة لأنها المرأة فى عاطفتها الخالدة، عاطفة الحب. أتت هرميون إلى بيروس لتتزوجه ولكن كان مدلهًا بحب الطروادية أندروماك فظلت بين الأمل واليأس، يتنازعها حبها لهذا العاشق المشغول بالأخرى، فيتملكها الكبرياء حينًا.. كبرياء المرأة إذ تذل فى أسمى عواطفها وأعمقها جميعًا، ولكن الحب يخادعها ويعميها عن أن ترى الحقيقة، ويوسع لها فى الأمل وإن لم يكن ثمة من أمل. وأخيرًا يحدد بيروس موعد زواجه من أندروماك فتأخذه الغيرة وتثور بها كبرياؤها فتغرى أورست بقتله، ولكنها ما تكاد تسمع خبر موت الرجل الذى أحبته حتى تنسى كل سيئ. إلا أنها تحبه فإذا بها تثور بأورست وتصمم بأنه قاتل، ثم تهرع إلى حيث جثة بيروس فتنتحر إلى جانبها وهكذا يجمعهما الموت إذ لم تجمعهما الحياة. فليست أندروماك ولا هرميون بطلتا مسرح، ولكنهما بطلتان من صميم الحياة إذ صورهما راسين فى هذه الصورة الإنسانية الحية. وكذلك قل فى سائر أبطال القصة فقد خلق منهم راسين جميعًا صورًا خالدة من صور الإنسانية الخالدة فأجاد وأبدع ما شاءت عبقرتيه الفذة وفنه المنقطع النظير. ولقد كان خليقًا بمثل هذه القصة الخالدة أن يراها جمهور الشعب فى مصر فيتذوق ألوانًا من الأدب الرفيع لم تكن لتتاح له لولا هذه الفرقة القومية التى تألفت لتؤدى رسالة خاصة فى الفن والأدب، هى هذه الرسالة الجليلة الخطر، التى يسهر على أدائها أستاذنا الجليل خليل بك مطران مدير الفرقة. وبعد.. فلقد شاهد جمهورنا ناحية من نواحى الأدب الفرنسى فى راسين، ولعل الفرصة تتاح له قريبًا فيشهد ناحية أخرى فى إحدى تراجيديات «كورنيل» فتكمل أمامه المدرستان الخالدتان فى الأدب الفرنسى. وإلى الأستاذ خليل مطران نوجه هذا الطلب ولعله محققه قريبًا.ثم انتقل الناقد «محمد على حماد» فى مقالته إلى التمثيل، حيث قال: ليس مسرح التراجيديا ولا تمثيلها من الهنات الهينات، فإن ذلك يتطلب جهدًا وكفاءة، فإن للتراجيديا جلالًا ورهبة، ولها جوها الخاص الذى يجب أن يخلقه الممثل، سواء فى إشارته وحركاته أم فى إلقائه وتأدية دوره. والتراجيديا هى أقل الأنواع التى مارسها ممثلونا من ضروب الفن المسرحى، لكن رغم هذا كان نجاح الفرقة فى إخراج هذه المسرحية الرائعة لا يقل عن نجاحها فى غيرها، وهو نجاح خليق بأضعاف ما قُدم إليها من ثناء، لما قدمت من اعتبارات. وإذا كان النقد لا تغيب عن عينه النافذة البصيرة بعض المآخذ فأخلق به أن يوسع لأبطالنا الصدر وأن يكون بانيًا أكثر منه هادمًا، وما أولى هؤلاء الممثلين جميعًا بأن يحسو دعة النقد ورفقه إلى جانب ما نعموا به، من تشجيع الجمهور وعطفه. وليس بين ممثلى هذه القصة من ظهر قبل اليوم فى مسرحية تراجيدية اللهم إلا الأستاذ جورج أبيض والسيدة دولت أبيض. أما بقية الممثلين فهذه هى المرة الأولى التى يعانون فيها قسوة التراجيديا وعنفها، ومع ذلك فقد برزوا جميعًا. وما أظن أن الأستاذ جورج أبيض فى حاجة إلى أن نتحدث عنه فى أورست وما نستطيع أن نضيف جديدًا فوق ما قلناه عنه فى «لير»! وسواء أكان «أورست» فتى يافع العود فى حوالى كذا وكذا من العمر، أم لم يكن، فإن كفاءة جورج كممثل تراجيدى قبل كل شىء خليقة أن تعوض ما قد يبدو من النقص فى هذه الناحية وأن ترفع الممثل إلى المستوى الجدير بإعجاب الجمهور وتقديره. وظهرت السيدة «دولت أبيض» لأول مرة هذا الموسم فى دور أندروماك، وكان ظهورًا موفقًا أكبر التوفيق. وقد استطاعت أن تبرز هذه العواطف المتناقضة المتباينة التى تجيش فى قلب البطلة بين حرصها على الوفاء لزوجها، وحرصها على حماية ابنها.. استطاعت أن تبرز هذا فى صورة حيّة قوية أحسّ بها الجمهور إحساسًا قويًا وكانت ممثلتنا القديرة خليقة بما نالت من إعجاب الجمهور وحسن تقديره. وإلى جانب جورج ودولت نري علام وزينب، وقد كانا جبارين بكل ما فى هذه الكلمة من دلالة ومعنى. وهى المرة الأولى فيما أعلم التى يمثلان فيها التراجيديا. ومع ذلك فكأنى بهما لم يمثلا إلا التراجيديا طوال حياتهما الفنية على المسرح ولعلام حضور قوى فى القصة، بل لا يخلو فصل من فصولها من عدة مشاهد له، فالعبء ثقيل ليس مما يستهان به. ومشاهده كلها من أروع مشاهد القصة، سواء بينه وبين أندروماك أو بينه وبين هرميون ولقد أداها جميعًا على أحسن ما كنا نتطلبه منه، جلالًا فى الإلقاء، وتؤدة فى التعبير واتزانًا فى الإشارة، وفهمًا صحيحًا لمختلف الإحساسات التى تمر بقلب بيروس، ثم إخراجها جميعًا على أكمل وأحسن ما يستطاع. أما السيدة زينب صدقى فقد قامت بمعجزة. ولقد استطاعت فى هرميون أن تتفوق على نفسها - كما يقولون - وإذا هى فى التراجيدى وفى أول دور تظهر فيه فى هذا النوع من الروايات - جبارة تكتسح الرواية كلها وترتفع بدورها إلى مستوى رفيع من الجلال والمقدرة الفنية نبهت له جميعًا، ثم تفيق على دوى الهتاف والتصفيق من كل جانب. ولأول مرة أرى مقاعد النقد تهتف هى الأخرى وتصفق، بينما اعتدنا كلنا أن نترك هذا الشرف للجمهور! ومن رأى رقة «روشيا» - فى تاجر البندقية - ووداعتها، وهذه الليونة التى تكاد معها أن يميلها النسيم، لا يستطيع أن يصدق أنها هى هى نفس الممثلة التى رأى منها هرميون شعلة تلتهب، وثورة تشتعل، وغضبًا يرجف له أورست البطل ويضطرب. وهرميون لا شك أنه أعقد الشخصيات التى مثلتها زينب وأقواها جميعًا، ولا شك أنه كذلك قد سجل لزينب صدقى على المسرح أبلغ ما وصلت إليه من نجاح وتفوق ومجد فنى. لتصدقنى السيدة زينب صدقى إذا قلت لها إنى لم أعجب بها إعجابًا مطلقًا لا حد له كما أعجبت بها فى «هرميون». لقد كانت معجزة، والمعجزات فوق الجدل والمناقشة.أما ناقد مجلة «المصور» فكتب مقالة قصيرة بعنوان «أندروماك على مسرح الأوبرا» ومن خلال العناوين الجانبية أدلى الناقد بدلوه فى العرض! فمثلًا تحت عنوان «راسين وطه حسين»، قال: من كان يستطيع أن يرتفع إلى سماء راسين كما ارتفع طه حسين! ويؤسفنى أن مجلتنا هذه لا تستطيع أن تفيض كما تفيض الجرائد اليومية، ولكن لعلنا نوفق إلى اختيار أهم ما يلفت النظر.. كان طه حسين فى ترجمته لهذه الرواية رءوفًا بالجمهور المصرى الذى فوجئ بخطة وزارة المعارف فخفف فى التعبير وفى الألفاظ وفى الكتابات ثم كان أمينًا كل الأمانة للأصل فلم يتصرف فيه ولم يترك للتصرف العنان. ورواية أندروماك عقدة من التفكير الدقيق وأبطالها كلهم منكوبون، فالملك منكوب لأنه لا يحب خطيبته ويحب أسيرته. وأندروماك منكوبة لأنها بين إنقاذ طفلها والحنث بعهدها أو أن تحب رغم أنف عدوها وهرميون منكوبة بحبيب غير محبوب ومحب لا يحب! وأصدقائه كلهم من نساء ورجال حيارى بين الواجب والعاطفة. رواية لا يسمعها المتفرج وإنما يفكر فيها ويجهد الذهن فى انفعالاتها ومحرجاتها وقد نفذ قلم طه حسين إلى كل هذا بلغته الساحرة فكان خير سفير بين الأدب العالى وبين اللغة العربية.وتحت عنوان «الإخراج»، قال: أخرج الرواية الأستاذ جورج أبيض وممثلوها لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين ومنظرها واحد من أول الرواية لآخرها، فالإخراج لم يكن عقدة، ونقده من الصعوبة بمكان ولكن يخيل إلينا أن الأستاذ جورج كان يستطيع أن يتصرف فلا يرى الجمهور كرسيًا واحدًا يجلس عليه الملك وهرميون دائمًا أبدًا. وعندى أن التقيد بما فعل الكوميدى فرانسيز لا يبرر هذا الشح بالمناظر والبخل بالتنويع.وعن «التمثيل»، قال ناقد المصور: والآن لنتكلم عن التمثيل زوجًا زوجًا، فالرواية كلها ازواج! وتحت عنوان «جورج أبيض وزينب صدقي»، قال: الأول يحب للعبادة والثانية تحب غيرة! ممثل هذا الدور يجب أن يطبع فكرة المؤلف.. فالمؤلف فرض أن عمره لا يتجاوز العشرين فبالرغم من عبقرية جورج وسلامة إلقائه وحركاته فقد بدا عاشقًا كبيرًا ضخمًا ومن الصعب على الناس أن يلائموا بين عظمته وسنه وعشقه.. والعشق من شأنه الفوران والنزق والخيال الصبيانى، وجورج أرفع مكانة ومقامًا من هذا كله.. واستطاعت زينب صدقى أن تقدم للجمهور لونًا جديدًا من النجاح والتفوق وبكى زملاؤها من الممثلين خلف الستار فى فصلها الأخير، لأنها كانت حقًا متهالكة فيه ومتفانية وكشف زملاؤها طبقات جديدة فى صوتها وبالأخص حين مثلت دور الحقد والتشفى. وقد أصبح من الواجب أن يلتفت المخرجون لهذا النوع من استغلال الصوت الثرى بمختلف الطبقات لأنه يحدث أثره فى الجمهور.وتحت عنوان «دولت أبيض وعلام»، قال: السيدة دولت أبيض ممثلة مجيدة تحفظ أدوارها تمام الحفظ وتعنى بلغتها تمام العناية ثم هى ثابتة ثباتًا ملموسًا على خشبة المسرح لا تتزعزع، وكان دورها فى أنين وأسى وفواجع وقد برزت وتدفقت وهى تناجى ابنها وتصر على أن تستودعه القدر، فأهنئها وأرجو أن أكون محقًا إذا قلت إن العنصر النسائى فى الفرقة القومية عنصر قوى حقًا وخصوصًا فى اللغة الفصحى التى تشتهيها وزارة المعارف. أما علام فقد كان حافظًا لدوره، وكان قويًا فى إلقائه فنجح حتى ليقصر النقد عن معاكسته. أما «سرينا إبراهيم ونجمة إبراهيم»، وصيفتان أو صديقتان لأندروماك وهرميون، فنجحتا خصوصًا فى اللغة العربية والنحو والصرف ونصيحتى لهما لكى تبلغا درجة أعلى أن تجتهدا فى تنويع صوتيهما بحسب الظروف. أما «سراج منير وعبد المجيد شكري»: فسراج يقفز خطوات سريعات تستدعى النظر هذا العام. أما عبدالمجيد شكرى فهو من عمد المسرح وإن كان دوره محدودًا.