فى عرضها المسرحى «ولاد البطة السودا»، تنسج المخرجة عبير على حُزين عالمًا يعكس تناقضات الواقع اليومى، مستندة إلى حكايات الناس والفلكلور الشعبى ومحتوى السوشيال ميديا. عبر شكل المسرح الحكائى الغنائى، تطرح أسئلة جريئة حول الاختلاف وتهميش الآخر، دون أن تقدم إجابات جاهزة، تاركةً للجمهور مساحة للتأمل وإعادة التفكير.س ما الذى دفعكِ إلى تقديم عرض بعنوان «ولاد البطة السودا»، وما الدلالة التى يحملها الاسم بالنسبة لكِ؟انطلق المشروع من طبيعة اشتغالى داخل المختبر المسرحى ، حيث أعتمد على جمع حكايات الحياة اليومية، والمواد التراثية والفلكلور، إلى جانب شهادات الناس وما يتداول عبر وسائل التواصل الاجتماعى. وهذه المادة المتنوعة أعيد صياغتها دراماتورجيًا لتخدم فكرة مركزية، وفى هذا العرض، كانت الفكرة هى «الاختلاف» وتهميش الآخر.أما عنوان «ولاد البطة السودا» فهو مستمد من الفلكلور الشعبى، ويُستخدم لوصف المهمشين أو من يُنظر إليهم باعتبارهم مواطنين من درجة ثانية. بالنسبة لى، «الآخر» هو دائمًا «ابن البطة السودا» فى عين من يُهمِّشه، ونحن جميعًا نتبادل هذا الدور. كيف وُلدت فكرة العرض؟ الفكرة ليست وليدة اللحظة، بل تشغلنى منذ سنوات، تحديدًا منذ 2016 أو 2018. كنت مهتمة بسؤال الاختلاف والصراع الناتج عنه، ومع الوقت، تراكمت لدى مواد وحكايات عديدة تعكس هذا الصراع، فبدأت تتبلور كعرض مسرحى.وأنا مؤمنة بأن الاختلاف ليس صراعًا بل تنوعًا، وأن هذا التنوع هو سر الحياة. كان يمكن أن نكون نسخًا متطابقة، لكن الاختلاف هو ما يمنحنا إنسانيتنا.لماذا اخترتِ شكل المسرح الحكائى الغنائى تحديدًا للتعبير عن هذه الحكايات؟لأن الحكى فى حد ذاته فن ساحر وقادر على الوصول للجمهور بشكل مباشر، وفى النسخة الأولى من العرض اعتمدت على الحكى الصافى، أما فى النسخة الحالية فطوّرت الشكل ليصبح مزيجًا من الحكى الدرامى، والميوزيكال الكوميدى، مع مسحة سريالية.وهذا الشكل سمح لى بالتعبير عن حالة التشظى والفوضى التى نعيشها، من خلال بناء غير تقليدى يعكس واقعًا مضطربًا ومتناقضًا.العرض يمزج بين الحكايات اليومية ومحتوى السوشيال ميديا والفلكلور، كيف تعاملتِ مع هذا التنوع دون فقدان وحدة العمل؟اعتمدت على فكرة «المركز والمدارات»، حيث تمثل الفكرة الرئيسية المركز، بينما تدور حولها الحكايات المختلفة. لكننى فى الوقت نفسه تعمدت كسر هذا البناء التقليدى، واستخدمت أسلوب التشظى والفوضى، ليعكس طبيعة حياتنا اليومية التى تفتقد أحيانًا لأى منطق واضح.وهذا التنوع لم يكن عبئًا، بل أداة للتعبير عن واقع متناقض نعيشه جميعًا. هل يحمل العرض رسالة نقدية مباشرة أم تفضلين ترك التأويل مفتوحًا أمام الجمهور؟ العرض يطرح ما أسميه «التساؤلات الخبيثة»، وهى أسئلة تكشف وتعرّى الواقع دون تقديم إجابات جاهزة. ونحن نعرض حالات التهميش والازدواجية كما هى، ونترك للجمهور حرية التأويل.فأنا لا أؤمن بالمسرح الذى يلقّن، بل بالمسرح الذى يطرح الأسئلة ويدفع المتلقى للتفكير.إلى أى مدى يعكس العرض صورة حقيقية للشارع المصرى اليوم؟ العرض يعكس حالة إنسانية عامة، لكنها بالتأكيد مستمدة من الواقع المصرى بكل تناقضاته. فنحن نعيش حالة من الفوضى اليومية؛ ننتقل بين الفرح والحزن، بين الحياة والموت، وبين القبول والرفض، فى لحظات متجاورة.وهذا التناقض هو ما حاولت نقله عبر بنية العرض.كيف اشتغلتِ على المزج بين الحكى والتمثيل والغناء والاستعراض دون أن يطغى عنصر على آخر؟ تعاملت مع كل عنصر بوصفه خطًا دراميًا مستقلًا يخدم الفكرة. فالغناء لم يكن امتدادًا للدراما، بل وسيلة لكسر الاستغراق، وإتاحة مساحة للتنفس بين الحكايات المؤلمة.كما اعتمدت على الممثلين أنفسهم فى الأداء الحركى، لأننى أردت حركة تحمل دلالة درامية، وليس مجرد استعراض تقنى. ما التحديات التى واجهتكِ فى إخراج عرض يعتمد على الاسكتشات والنمر المنفصلة؟التحدى الأكبر كان خلق حالة من التناغم بين هذه الأجزاء، بحيث تبدو متنوعة لكنها تنتمى إلى عالم واحد.وكذلك كان من الضرورى أن يمتلك الممثل أدوات متعددة؛ من الحكى إلى التمثيل والغناء.كيف تم توظيف الموسيقى داخل العرض؟ وما أهميتها فى بناء الحالة الدرامية؟الموسيقى كانت عنصرًا سيكولوجيًا بالأساس، تُستخدم كفاصل يتيح للجمهور والممثلين استيعاب ما يُطرح من حكايات مؤلمة.واعتمدت على أغنيات تحمل طابعًا نوستالجيًا، يلامس ذاكرة الجمهور ويخلق حالة من التفاعل العاطفى.كيف تم اختيار فريق العمل؟ حوالى 70% من الفريق ينتمى إلى «المختبر المسرحي»، بينما تم اختيار الباقى بناءً على قدرتهم على العمل الجاد، والبحث، وتعدد المهارات.فكنت أبحث عن ممثل شامل، قادر على الغناء والتمثيل والحكى فى آن واحد.من هو الجمهور الذى تراهنين عليه فى هذا العرض؟ أراهن على جمهور واعٍ، مستعد للتفاعل والتفكير، وليس مجرد التلقى السلبى. العرض يخاطب كل من لديه استعداد لمراجعة أفكاره عن الآخر.كيف كانت ردود الفعل من الجمهور؟ الحمد لله، ردود الفعل كانت إيجابية جدًا، وهناك حالة من التفاعل والصدى الجيد، ويبدو أن الحكى ما زال قادرًا على جذب الجمهور والتأثير فيه.هل تعتقدين أن المسرح الحكائى الغنائى قادر على جذب جمهور جديد للمسرح؟بالتأكيد، لأن هذا الشكل يجمع بين المتعة والبساطة والعمق، وهو ما يجعله قريبًا من الجمهور المعاصر، خاصة فى ظل التحولات التى يشهدها المسرح عالميًا.ما المشاريع المقبلة التى تعملين عليها بعد هذا العرض؟أعمل حاليًا على مشروع جديد بعنوان «مواسم الجسد»، وهو عرض غنائى حركى يستكمل اشتغالى على العلاقة بين الجسد والتعبير الفنى.لو طُلب منكِ تلخيص رسالة «ولاد البطة السودا» فى جملة واحدة، ماذا ستقولين؟دعونا نعيش فى رحابة الاختلاف والتنوع، بدلًا من أن نهلك فى صراعات لا تنتهى.