العدد 982 صدر بتاريخ 22يونيو2026
رحل عن عالمنا الفنان عبدالعزيز مخيون، أحد أبرز علامات الأداء التمثيلى فى مصر، تاركًا خلفه إرثًا فنيًا كبيرًا سيظل حاضرًا فى وجدان الجمهور. امتلك حضورًا خاصًا يجمع بين البساطة والعمق، ليصنع لنفسه مكانة مميزة بين أبناء جيله. تميز بأسلوب أداء هادئ ومتماسك، قادر على النفاذ إلى أعماق الشخصية دون افتعال، وهو ما جعله يترك بصمة واضحة فى المسرح والسينما والتليفزيون.
لم يكن مخيون مجرد ممثل يؤدى أدوارًا بل كان فنانًا مثقفًا وواعيًا، انعكس ذلك على اختياراته الفنية التى اتسمت بالجدية والبحث عن القيمة والمعنى. تنوعت أدواره بين الشخصيات المركبة والبسيطة، لكنه فى كل مرة كان يمنحها صدقًا إنسانيًا يجعلها قريبة من وجدان الجمهور. وعلى مدار مسيرته، ظل نموذجًا للفنان الحقيقى الذى يؤمن برسالة الفن، ويحرص على تقديم أعمال تحمل فكرًا ورؤية.
وُلد عبدالعزيز مخيون فى محافظة البحيرة، ونشأ فى بيئة ريفية أثرت فى تكوينه الإنسانى والفنى، وهو ما انعكس لاحقًا على اختياراته وأدائه. التحق بالمعهد العالى للفنون المسرحية، حيث تلقى دراسته الأكاديمية التى صقلت موهبته، ليبدأ بعدها رحلة فنية طويلة وممتدة.
كانت انطلاقته الحقيقية من خشبة المسرح، حيث شارك فى العديد من العروض المهمة على مسارح الدولة، خاصة مسرح الطليعة والمسرح القومى، قبل أن ينتقل إلى الدراما التليفزيونية والسينما، محققًا حضورًا لافتًا ومتنوعًا.
قدّم عبدالعزيز مخيون رصيدًا فنيًا متنوعًا بين المسرح والدراما، حيث شارك فى عدد من العروض المسرحية المهمة، من بينها الجندورمة، إلى جانب أعمال أخرى أكدت حضوره كممثل مسرحى يمتلك أدوات قوية وثقافة راسخة.
وفى الدراما التليفزيونية، شارك فى أعمال بارزة أصبحت جزءًا من ذاكرة المشاهد المصرى، مثل: «ليالى الحلمية، رأفت الهجان، ذئاب الجبل، المال والبنون، وأرابيسك»، حيث قدّم من خلالها شخصيات متنوعة اتسمت بالعمق والصدق.
كما كان له حضور مميز فى السينما، من خلال مشاركته فى أفلام مهمة مثل: «إسكندرية ليه؟ وأرض الخوف»، ليؤكد قدرته على التنقل بين مختلف الوسائط الفنية بنفس الكفاءة والإبداع.
رحل الجسد، لكن تبقى الأعمال شاهدًا على فنان حقيقى، آمن بدور الفن فى تشكيل الوعى، وترك أثرًا لا يُنسى فى تاريخ الفن المصرى.
عبدالعزيز مخيون نموذج للفنان الفاخر
قال المخرج حسام الدين صلاح: «بعدما نجحتُ فى الثانوية العامة، وتقدمتُ لاختبارات المعهد العالى للفنون المسرحية، ذهبتُ إلى مسرح الطليعة وقابلتُ الفنان عبدالعزيز مخيون، وكانت هذه هى المرة الأولى التى ألتقيه فيها. وكم كانت مفاجأتى حين وجدته يمنحنى كتبًا مسرحية قيمة، اعتبرتُها لاحقًا مدخلى الأساسى لاكتشاف عالم المسرح. كانت الكتب جديدة تمامًا، حتى خُيل إلىّ أنه أرسل أحد الأشخاص لشرائها خصيصًا من مكتبة مدبولى. حينها، حاولتُ أن أدفَع له كل ما أملك من مال، رغم علمى أنه لا يغطى قيمتها، لكنه رفض بشدة وأصر على إهدائى إياها. ومنذ ذلك اليوم، أصبحنا أصدقاء، وتزاملنا لاحقًا فى اعتصام الفنانين وإضرابهم عن الطعام فى مقر نقابة السينمائيين. إن عبدالعزيز مخيون نموذج للفنان الفاخر؛ يقدم أدوراه بأسلوب مختلف عن الآخرين، وتعيش مع الشخصية التى يجسدها بانبهار حقيقى. أما مخيون الإنسان فلا مثيل له؛ رجل صاحب مبدأ، يهتم بالعمال والفلاحين والبسطاء، ويسارى الفكر، واضح كالشمس. غفر الله له ورحِمَه، وجعل مثواه الجنة، فقد فقدت مصر واحدًا من أهم مبدعيها ومثقفيها».
كان عبدالعزيز مخيون رقمًا صعبًا فى الأداء التمثيلي قال الكاتب المسرحى السيد حافظ رحل الصديق الفنان المبدع عبدالعزيز صديقى الفنان والمخرج والممثل القدير عبدالعزيز مخيون، تاركًا وراءه تاريخًا فنيًا كبيرًا ومسيرةً حافلة بالعطاء والإبداع. مدة نصف قرن.
عرفته عام 1969 حين أخرج لى مسرحية «6 رجال فى معتقل 500/ب شمال حيفا» بفرقة أبوحمص المسرحية، بعد أن كانت قد قدمتها فرقة المنصورة القومية بإخراج إبراهيم الدسوقى فى العام نفسه. ولعل كثيرين لا يعرفون أن بداياته الإخراجية كانت فى مسرح الثقافة الجماهيرية، وهى محطة لم يذكرها فى سيرته الفنية، كما أننى بدورى لم أذكره ضمن المسرحيين الذين قدموا أعمالى فى الثقافة الجماهيرية وغيرها.
كان عبدالعزيز مخيون رقمًا صعبًا فى الأداء التمثيلى، وأستاذًا كبيرًا يمتلك حضورًا خاصًا لا يُنسى. لم يكن ممثلًا عاديًا بل فنانًا يعرف كيف يمنح الشخصية روحها وعمقها وإنسانيتها.
أما آخر لقاء جمعنى به فكان منذ نحو عشرين عامًا فى كافتيريا «الحرافيش» بنهاية شارع فيصل، بحضور المخرج الكبير والصديق على بدرخان. كانت سهرة عامرة بالضحكات والقفشات والذكريات، امتزج فيها الشاى بالقهوة ودخان الشيشة بأحاديث الفن والعمر.
سلامًا أيها العزيز الغالى.
لقد تركت أثرًا لا يمحوه الزمن، وبصمةً ستبقى فى ذاكرة الفن المصرى والعربى وداعا عبدالعزيز مخيون. خمسون عاما من العطاء المميز إنا لله وإنا إليه راجعون
التجريب فى مسرح الفلاحين: عبدالعزيز مخيون وتجربة البحث عن مسرح مصرى خالص
قال الكاتب والناقد أحمد عبدالرازق أبوالعلا: «أشرت فى كتابى ( التجريب فى مسرح الثقافة الجماهيرية ) إلى التجربة التى قدمها الفنان عبدالعزيز مخيون فى قرية زكى أفندى التابعة لمركز أبوحمص، الذى ولد فيه عام 1946، حين قدم مسرحية الصفقة لتوفيق الحكيم فى حقل من حقولها، وهى إضافة تُحسب له، وتُعد تجربة متميزة من تجارب مسرح الفلاحين التى قدمها المخرج سرور نور فى بداية الستينيات، حين أنشأ فرقة مسرح الفلاحين فى دكرنس».
وأخرى فى السنبلاوين بالإضافة إلى الفرقة الأم فى المنصورة، وكذلك تجربة المخرج هناء عبدالفتاح حين قدم مسرحية ملك القطن ليوسف ادريس فى قرية دنشواى عام 1969 وتُعد تجربة الفنان عبدالعزيز مخيون التى قدمها عام 1974 تجربة مهمة، قام فيها بتغيير عنوان النص ليصبح صفقة توفيق الحكيم كما رآها فلاحو قرية زكى أفندى.
وهو بهذا العنوان أراد أن يشارك أكثر من خمسين فردًا من أبناء القرية للعمل فيها، ليس فقط بأداء الأدوار، لكن بمناقشة ما طرحه الحكيم فى نصه، لأنه كان يرى أن المسرح له وظيفة اجتماعية، وتلك المشاركة تحققها.
والمسرحية - كما هو معروف- تُعالج موضوع الصراع بين الفلاحين والإقطاعيين على تملك الأرض، كتبها عام 1956 تعبيرًا عما كان يحدث فى مصر قبل ثورة يوليو 52، وكانت محاولة منه أيضًا، لإدخال الفنون الشعبية الريفية من رقص وتحطيب وغناء فى إطار المسرحية، مشيرًا إلى أنها من الممكن أن تقدم فى العراء أو مصطبة، ولهذا كان اختيار مخيون لها موفقًا، حيث قدمها داخل حقل من حقول القرية.
تلك التجربة المتميزة، التى قدمها بعد سبع سنوات من تخرجه فى المعهد العالى للفنون المسرحية توضح مدى تأثره بالفكرة التى تحدث عنها يوسف إدريس، وكتب عنها مقاله الشهير نحو مسرح مصرى عام 1964، وأيضًا ما طرحه توفيق الحكيم فى كتابه «قالبنا المسرحى»، وصدر فى نفس عام تخرج الفنان عبدالعزيز مخيون 1967، هذا التأثر ترجمه فى تلك التجربة، التى تميز بها عن أقرانه الذين أشرت إليهم فى اطار مسرح الفلاحين فى أنه وثقها فى كتاب له صدر بعنوان «يوميات مخرج مسرحى فى قرية مصرية» وفيه تحدث باستفاضة عن تلك التجربة، وذكر من ضمن ما ذكر، أنه ذهب إلى نص شعبى ذى طبيعة مصرية، تمردًا على الشكل الإيطالى السائد فى المسرح المصرى. وعلى الرغم من حصوله على منحة دراسية فى فرنسا لدراسة المسرح،فإن ذلك لم يغير قناعاته، ورغبته فى تقديم مسرح مصرى خالص. لكن هذا الطموح لم يتحقق - فى اعتقادى - لأن السينما اختطفته، وبعدها التليفزيون، وقدم فيهما أعمالًا كثيرة، صنعت نجوميته، أكثر من مشاركاته المحدودة فى المسرح، والتى تُعد - فقط -
محطة من محطات رحلته الفنية، أخرج عملين الأول منهما هو مسرحية «الجندرمة»، والثانى هو مسرحية «غدًا فى الصيف القادم» لميخائيل رومان 1985، وشارك فى تمثيل مسرحية «المشخصاتية» لعبدالله الطوخى عام 1971 ومسرحية ماراصادا لبيتر فايس 1970 و«الناس اللى فى التالت 2001» لأسامة أنور عكاشة.
عبدالعزيز مخيون.. حين تتحول القرية إلى مسرح والحياة إلى أداء
قال الناقد الدكتور محمود سعيد، إنّ الفنان الراحل عبدالعزيز مخيون يمثّل نقطة مغايرة فى الفن المصرى، مغايرة من كل الاتجاهات: طريقة التكوين، والأداء، والنضج، والإقامة، والصمت، والسكون، والكلام. وكأنّه رسم لنفسه، منذ البدايات فى ستينيات القرن الماضى، إطارًا فريدًا فى كل شىء، ليصبح عنوانًا يُعرَف به بين أقرانه فى مختلف مراحل
حياته. وأوضح أنّه فى القرية، قرية «زكى أفندى»، مارس الحلم بشكل عملى من خلال «صفقة» توفيق الحكيم، وكأنها «صفقة مخيون» المسرحية، أو خلطته الفنية الفريدة منذ البدايات، عبر مشاركة خمسين فردًا من أبناء القرية فى العرض المسرحى، فى تجربة بدت وكأنها مناقشة مفتوحة، جماعية وارتجالية، لما طرحه توفيق الحكيم من صراع بين الفلاحين والإقطاعيين حول تملّك الأرض. وأشار إلى أنّ نقطة تميّز مخيون تجلّت فى فتحه «دفتر المجتمع» بشكل ملموس، حيث أخذ يناقش ويحلّل ويفسّر ويستخلص النتائج عبر تجربته الفنية، المسرحية والتليفزيونية والسينمائية، الممتدة لأكثر من ستين عامًا، بلا كلل أو ملل، ودون
سعيٍ وراء ما يُسمّى بالبطولة. وأضاف أنّ مخيون سعى إلى وضع معايير خاصة للبطولة، تتناسب مع فكره وصوته وجسده وهدوئه، لذلك اتجه نحو «اللعبة المجتمعية» فى الفن. ويتذكر له بعض المقالات حول المسرح والمجتمع، سواء فى كتاب «المسرح المتجول» فى ثمانينيات القرن الماضى، أو فى مجلة «آفاق المسرح»، وكأنه كان يرسم لنفسه مسارًا فنيًا محددًا، قائمًا على اجتماعية الفن وأثره المجتمعى. وأوضح أنّ رحلته المسرحية، رغم قصرها، كانت مؤثرة، إذ تنقّل فيها من «صفقة» الحكيم إلى «غدًا فى الصيف القادم» لميخائيل رومان، ثم «المشخصاتية» لعبدالله الطوخى، و«ماراصاد» لبيتر فايس، وصولًا إلى «الناس اللى فى التالت» عام 2001 مع أسامة أنور عكاشة، وهى تجربة أفاد منها كثيرًا فى مسيرته اللاحقة فى التليفزيون والسينما. وأشار إلى أنّ مخيون قدّم، منذ بداية السبعينيات وحتى قبل وفاته بأسابيع قليلة، نموذجًا للفنان المثقف الواعى، المتمرد، الرافض للقهر والنفاق، كما تجلّى فى «سفر الأحلام» لوحيد حامد، وفى مبارياته التمثيلية أمام محمود مرسى وصلاح السعدنى، التى بدت وكأنها مبارزات أدائية شديدة التميّز، وقدّمت دروسًا مهمة فى فن التمثيل. وأضاف أنّه تألق أيضًا فى دور «طه السماحي» الثائر فى «ليالى الحلمية»، كما برع فى أدوار أخرى، منها ضابط البوليس فى «الهروب»، لتتعدد محطات عطائه الفنى وتتنوع، فى مسيرة ثرية وممتدة. واختتم قائلًا إنّه كان له شرف حضور إحدى محطات مخيون الأخيرة فى الحياة، فى أكتوبر 2025، خلال تكريمه فى مهرجان «أيام القاهرة الدولى للمونودراما»، حيث بدا شامخًا، صامدًا، واثقًا، قويًا فى لغته وأدائه، وكأنه لا يزال ذلك الشاب الذى حلم بالفن داخل القرية؛ تلك القرية التى شهدت البدايات والنضج والنهاية. وأكد أنّ مخيون ظلّ حريصًا على البقاء فى قريته، وكأنه يقول: «إننى أرسم الفن فى أى مكان، وأنثر البذور فى شتّى الأراضى، فلا بدّ لها أن تستجيب، وتنمو، وتزهر». سلامًا لروحك يا مخيون، والبقاء لفنك خالدًا، كدرس متجدّد فى الأداء، لأجيالٍ وأجيال.
عبدالعزيز مخيون رحل وحلم المسرح القومى فى قلبه
تحدث الفنان حسن العدل عن علاقته الوثيقة بالفنان الراحل عبدالعزيز مخيون، مؤكدًا أنه لم يكن مجرد زميل فى الوسط الفنى، بل صديق عزيز وأخ حقيقى جمعتهما سنوات طويلة من التفاهم الإنسانى والفكرى.
وأوضح العدل أن كليهما نشأ فى بيئة ريفية متقاربة، وسط الفلاحين والعمال، وهو ما انعكس بوضوح على تكوينهما الإبداعى ورؤيتهما للحياة والفن، مشيرًا إلى أن بينهما قواسم مشتركة كثيرة فى الفكر والقناعات، وهو ما كان يثرى لقاءاتهما الدائمة بالنقاشات العميقة.
وأضاف أن من الطقوس الخاصة التى جمعتهما، تبادل الكتب والحديث عنها، حيث كان السؤال الأول فى كل لقاء بينهما: «ما أول كتاب قرأته؟ وما فحواه؟»، لتبدأ بعدها حوارات ممتدة حول ما قرآه كل منهما.
وأشار العدل إلى تعاونهما الفنى، حيث اشتركا فى أحد الأعمال الدرامية، وضمّ العمل مشاهد مشتركة بينهما، لافتًا إلى أن التواصل بينهما لم ينقطع، إذ كان مخيون حريصًا على متابعة عرض العمل والتعليق عليه، كما كانا يتناقشان كثيرًا فى كواليس التصوير حول تفاصيل الأداء والرؤية.
وكشف العدل عن آخر لقاء جمعه بالراحل قبل وفاته بأسبوعين فقط، حيث حدثه مخيون بحماس شديد عن رغبته فى تقديم عمل مسرحى كبير على خشبة المسرح القومى، يشارك فيه العدل إلى جانب الفنان رياض الخولى، مؤكدًا أنه كان مشروعًا يحلم به ويسعى لتحقيقه.
وأضاف أنه حاول بالفعل التواصل مع رياض الخولى بناءً على طلب مخيون، إلا أنه لم يتمكن من الوصول إليه، وهو ما دفع مخيون لمحاولة الاتصال به أكثر من مرة، إيمانًا منه بأهمية هذا المشروع المسرحى.
واختتم العدل حديثه بحزن بالغ، مستعيدًا لحظة تلقيه خبر الوفاة، مؤكدًا أن رحيل عبدالعزيز مخيون جاء فى وقت كان فيه متعطشًا للعودة إلى المسرح بعمل كبير يليق بتاريخه، مشيرًا إلى أن الراحل سيظل حاضرًا فى ذاكرة الفن المصرى، بما قدمه من أعمال متميزة فى المسرح والسينما والتلفزيون، وأنه كان فنانًا وإنسانًا استثنائيًا، عاش حاملًا حلمًا كبيرًا اسمه «المسرح القومى.
فنان استثنائى لم نلتقِ فنيًا لكنه ترك أثرًا لا يُنسى
أعرب الفنان محمد محمود عن حزنه لرحيل الفنان الكبير عبدالعزيز مخيون، مؤكدًا أنه لم تجمعهما فرصة العمل معًا فى أى عمل فنى، رغم تقديره الكبير له على المستويين الإنسانى والفنى.
وقال محمود إنه كان على يقين دائم بأن مخيون إنسان متميز ومتفرد، ليس فقط فى فنه، بل فى أخلاقه وثقافته، حيث كان يتمتع بسمعة طيبة بين زملائه، ولم يُعرف عنه يومًا أنه تسبب فى إزعاج أحد أو دخل فى خلافات. وأضاف أن الفنان الراحل كان يمتلك قدرة استثنائية على تجسيد أصعب الأدوار بسلاسة شديدة، مهما بلغت درجة تعقيدها، مؤكدًا أن أى دور يُسند إليه كان يقدمه ببراعة وهدوء يعكسان خبرته وعمق موهبته.
وأشار إلى أن لقاءاتهما كانت تقتصر على المناسبات، خاصة العزاءات، حيث كان مخيون يعرفه جيدًا، وتجمعهما مشاعر الاحترام المتبادل، رغم عدم تعاونهما فنيًا.
واختتم محمد محمود حديثه بالدعاء للراحل، قائلًا: «رحم الله عبدالعزيز مخيون، وأحسن إليه، وأسكنه فسيح جناته، مؤكدًا أن الساحة الفنية فقدت قيمة كبيرة برحيله».
فنان مثقف وحضور لا يُنسى
استعاد الفنان والمخرج إميل شوقى ذكرياته مع الفنان الراحل عبدالعزيز مخيون، مؤكدًا أن أول لقاء جمعهما كان على خشبة مسرح الطليعة، حيث كانا زميلين معينين بالمسرح فى تلك الفترة، تحت إدارة الفنان محمود الألفى.
وأوضح شوقى أن الألفى كان يسعى آنذاك لتقديم عرض مسرحى بعنوان «الجندرمة»، وهو العمل الذى شهد مشاركة عدد من الموهوبين، من بينهم الفنان أحمد عقل فى البطولة، مشيرًا إلى أنه رشّح الفنانة وفاء الحكيم - التى كانت آنذاك طالبة بالمعهد العالى للفنون المسرحية - للمشاركة فى العرض، لتخوض واحدة من تجاربها المبكرة المهمة.
وأضاف أن عبدالعزيز مخيون كان يتميز بثقافة واسعة وشخصية ودودة، حيث كان يجيد اللغة الفرنسية، ومطلعًا على الأدب الفرنسى، وهو ما كان ينعكس على حواراته الثرية ورؤيته الفنية المتعمقة.
وأشار إلى أن لقاءاتهما كانت ممتدة ومليئة بالنقاشات الفنية، لافتًا إلى أن مخيون رحّب به بحفاوة عقب عودته من إيطاليا، فى لفتة تعكس عمق العلاقة الإنسانية بينهما.
واختتم شوقى حديثه مستعيدًا آخر لقاء جمعهما، حين جاء مخيون إلى الإسكندرية لمشاهدة عرض «العسل عسل»، حيث أشاد بالعرض، مؤكدًا أنه عمل مميز ومسرح حى ينبض بالجمال.
واختتم بالدعاء للراحل، مؤكدًا أن الساحة الفنية فقدت فنانًا مثقفًا وإنسانًا راقيًا سيظل أثره باقيًا فى ذاكرة المسرح المصرى فقدنا قيمة فنية عظيمة.. وكان «وش الخير» على فى بداياتى*
صاغت الفنانة وفاء الحكيم بكلمات مؤثرة تملؤها مساحات الحزن والتقدير، نعيًا فى رحيل القيمة والقامة الفنية العظيمة، الأستاذ عبدالعزيز مخيون، مسترجعة ذكريات أولى خطواتها الاحترافية على خشبة المسرح تحت إدارته الإخراجية، حيث نعت الفنانة وفاء الحكيم فى تصريحها المخرج الراحل معربة عن حزنها الشديد قائلة: «أعيش هذه الأيام حالة حزن شديدة جدًا لفقدان قيمة وقامة فنية إنسانية عظيمة، الأستاذ عبدالعزيز مخيون. هو مخرجى الذى شهدت على يديه أولى خطواتى الاحترافية على خشبة المسرح، وتحديدًا فى قاعة صلاح أبوسيف بمسرح الطليعة».
كان إنسانًا خلوقًا لدرجة غير عادية، يهمس فى أذن الممثل بكل هدوء عندما يوجه إليه ملحوظة. كان شديد الدقة وشديد الحساسية، يملك رؤية متكاملة للعمل منذ اللحظة الأولى، ويعرف تمامًا ماذا سيفعل فى كل منطقة؛ فلم يكن ينتظر من الممثل أن يضيف إليه أو يأخذ منه، بل كانت خارطته الفنية كاملة ومتكاملة. كان لديه حلم واضح يريد تقديمه، ولا يتنازل عن هذا الحلم أبدًا، وفى الحقيقة أنا استفدت منه كثيرًا جدًا.
تبدأ علاقتى به منذ أن رآنى لأول مرة وأنا ما زلت فى بدايات دخولى المعهد العالى للفنون المسرحية بالأكاديمية. عندما قرأت النص وناقشته فيه، أعطانى الحركة والمشهد، فبدأت أتحدث معه، قائلة: «نحن لم نُعرّف الناس بالشخصية بعد، هل جلست بمفردها لفترة؟» ثم بدأت أعمل قليلًا على لغة (البانتومايم) التعبيرية، وأريته لحظة واثنتين، حتى نسجت مشهدًا كاملًا صامتًا يوضح من هى هذه الشخصية وكيف تتعامل مع إكسسواراتها. كنت قد اخترت إكسسواراتى بنفسى؛ حيث كانت الشخصية تعمل «سجّانة» مسئولة عن سجن نسائى وزوجها سجّان، فاخترت أن تكون (الغوايش) فى يدها عبارة عن أساور تشبه الكلبشات، والأحذية مربوطة بربطة تشبه البيادة العسكرية، والإكسسوارات على الصدر تحمل شكل القفل. كنت أبدع وأنا ما زلت صغيرة السن، لكنه كان يوافق على كل شىء بعد أن يسألنى بذكاء المخرج: «كيف ستستعملينها؟».
وبالفعل، رسمنا معًا مشهدًا لم يكن موجودًا فى النص الأساسى ووافق عليه. وفى أول يوم عرض، جاء صديقه ودفعته الفنان الكبير النجم الأستاذ نور الشريف لمشاهدة العرض. وأول ما سألنى قال: ‹هل هذا المشهد الأول من ابتكارك تمامًا؟›، فقلت له: ‹فى الحقيقة نعم، ولكن بموافقة الأستاذ عبدالعزيز›، فرد عليّ قائلًا: ‹بالتأكيد، فلا توجد لحظة ستخرج على الخشبة إلا بموافقة عبدالعزيز، هذا زميلى وأنا أعرفه جيدًا فهو دفعتي›. كلاهما كان يمتن للآخر ويحتفى به ويحترمه جدًا، وكان الأستاذ عبدالعزيز حريصًا على سماع آراء زملائه، ليس ليغير شيئًا فى رؤيته، بل ليرى هل وصل إلى ما يريده بدقة أم لا.
كانت هذه التجربة فتحة خير كبيرة عليّ؛ ففى ذلك اليوم اختارنى الأستاذ نور الشريف لأكون بين الممثلين فى فيلم (زمن حاتم زهران)، وبعدها ولأنه كان ينتج فيلم (الصرخة) فقد ضمنى إليه وأعطانى أيضًا دورًا فى فيلم (الهجامة). وكانت هذه الأعمال الثلاثة من إنتاج شركة ‹إن بى فيلم› الخاصة بالأستاذ نور الشريف قبل أن تنتقل لشركات أخرى وأعمل بها فعليًا، فكان الأستاذ عبدالعزيز بحق ‹وش الخير› عليّ.
كان يحترم تمامًا أننى آتى من الأكاديمية مجهدة، فيقول لى برقة حانية: ‹ارتاحى قليلًا، كلى ساندوتش، اشربى شيئًا›. كان يهتم بكل تفاصيل الممثل، وكان ملتزمًا لدرجة لا يتصورها أحد، ونقل هذا الالتزام إلينا جميعًا. وأذكر أنه كان لى صديق زميل على المسرح يقدم دورًا مهمًا وكان يحب الارتجال، فكان هناك دائمًا نقاش مستمر بينهما، وكان النقاش ينتهى دائمًا لصالح انضباط الأستاذ عبدالعزيز مخيون.
بعد ذلك، زاملته فى أكثر من عمل، وكنت فى منتهى السعادة بالتزامه وطيبته الشديدة. لقد ظل ملتزمًا بكل ما انتمى إليه من فكر ومبادئ، ولم يتغير ولم يتبدل، وكان نقيًا جدًا. قد يكون حادًا فى بعض الأحيان حرصًا على العمل، وإن كنت أنا شخصيًا لم أرَ منه ذلك، لكن من يملك هدفًا وطموحًا ومبادئ يكون دائمًا حريصًا عليها بشدة رحمه الله الأستاذ العظيم عبدالعزيز مخيون».
رحلة فن من الثقافة الجماهيرية إلى «أوراق مصرية» ?
بكلمات تفيض بالوفاء، نعى الفنان والمخرج القدير رضا الجمال رفيق رحلته الفنان الراحل عبدالعزيز مخيون، مسترجعًا محطات فنية ممتدة بدأت من مسرح «الثقافة الجماهيرية». ورغم أن مخيون (ابن البحيرة) كان يسبق الجمال (ابن دمياط) بدفعة واحدة فى معهد الفنون المسرحية، والتى زامل فيها الجمال النجم أحمد زكى، فإن الشغف بالفن جمعهما فى 3 أو 4 أعمال تاريخية بارزة. ?وتوّج هذا التعاون بمحطة درامية استثنائية فى مسلسل «أوراق مصرية»؛ حيث استذكر الجمال كواليس مشهد التحقيق الذى جسد فيه دور ضابط أمن دولة يضع قدمه على المكتب أمام مخيون (المتهم)، مؤكدًا أنه كان يسارع بالاعتذار له فور انتهاء التصوير احترامًا لمقامه الكبير. ?
وأشاد الجمال بالبصمة الفنية الفريدة للراحل، واصفًا إياه بصاحب المدرسة المستقلة والسلاسة المطلقة فى التمثيل، فضلًا عن كونه نموذجًا للفنان دمث الخلق، الراقى، والقارئ المثقف.