العدد 979 صدر بتاريخ 1يونيو2026
فى زمن التريندات، يطرح المخرج أحمد السيد رؤيته المسرحية لمفهوم “FOMO” بوصفه ظاهرة تتجاوز مجرد الخوف من فوات الأشياء، لتتحول إلى نمط حياة يهدد وعى الإنسان ويعيد تشكيل علاقته بذاته.
ومن خلال عرضه المسرحي، يسعى إلى تفكيك هذا الهوس المعاصر، كاشفًا عن أبعاده النفسية والاجتماعية، وتأثيره العميق على جيل يبحث عن حضوره فى عالم افتراضى لا يتوقف.
ما الذى جذبك لتناول مفهوم “فومو” تحديدًا؟ وهل ترى أنه أصبح خطرًا على وعى الشباب؟
“فومو” لم يعد مجرد خوف من أن يفوت الإنسان شيء، بل تحول إلى أسلوب حياة، الشاب لم يعد يسأل نفسه: أنا عايز إيه؟ بل أصبح مشغول بما يريده الآخرون أن يروه ويتفاعلوا معه. والخطر هنا أن الوعى أصبح يتشكل من خلال شاشة صغيرة توهمك أنك متأخر أو خارج اللحظة، وهذا يخلق ضغطًا نفسيًا واجتماعيًا كبيرًا، يدفع البعض للمقارنة والتنازل عن الخصوصية والكرامة فى سبيل الظهور.
كيف ترجمت هذا المفهوم إلى لغة مسرحية على الخشبة؟
لم أتعامل معه كفكرة تُشرح، بل كحالة تُعاش. اعتمدنا على إيقاع سريع، ممثلين يتحركون باستمرار، مع استخدام الشاشات والبث المباشر والتعليقات. فخشبة المسرح أصبحت أشبه بمنصة سوشيال ميديا، لكنها تكشف ما وراءها من خوف ووحدة وتوتر ورغبة فى الاعتراف.
هل ترى أن المسرح قادر على منافسة السوشيال ميديا؟
المسرح لا ينافس السوشيال ميديا ولا يجب أن يفعل ذلك. لأن السوشيال ميديا قائمة على السرعة والاستهلاك، بينما المسرح تجربة حية وتأملية .و قوته الحقيقية أنه يعيد الإنسان لمواجهة نفسه والآخرين بشكل مباشر.
هل الجمهور ضحية أم شريك فى انتشار المحتوى السطحي؟
هو الاثنين معًا. ضحية لضغط المنصات والخوارزميات، وشريك لأنه يمنح هذا المحتوى الانتشار من خلال المشاهدة والتفاعل، حتى لو كان ذلك بدافع السخرية أو النقد.
كيف استخدمت الذكاء الاصطناعى داخل العرض؟
استخدمته كأداة فى تطوير الأفكار والتصورات البصرية، وليس كبديل عن الفنان. فالذكاء الاصطناعى ساعدنى فى اختبار احتمالات مختلفة، لكن القرار الفنى النهائى كان دائمًا إنسانيًا.
أين تضع الحد الفاصل بين الإبداع البشرى ودور الذكاء الاصطناعي؟
الحد الفاصل هو الخبرة الإنسانية. الذكاء الاصطناعى يمكنه أن يقترح ويعيد الصياغة، لكنه لا يمتلك مشاعر أو وعيًا أو ذاكرة شخصية. فالفنان هو من يختار ويتحمل مسؤولية قراراته.
هل تعتقد أن الذكاء الاصطناعى يهدد هوية الفنان؟
يهدد فقط من يتعامل مع الفن بشكل آلي. أما الفنان صاحب الرؤية، فسيستخدمه كأداة. الخطر الحقيقى هو أن يفقد الفنان صوته الخاص ويكرر نفسه.
لماذا اعتمدت على بناء العرض من وحدات درامية منفصلة؟
لأن الواقع نفسه أصبح مجزأ وسريع مثل السوشيال ميديا. اعتمدت على مشاهد تبدو منفصلة، لكنها فى النهاية تتجمع لتشكل صورة واحدة عن تأثير هذا العالم على الإنسان.
كيف تعاملت مع عدد كبير من الممثلين الشباب؟
المسرح عمل جماعي، وكان هدفى أن يكون لكل ممثل حضوره الخاص، حتى لو فى لحظة قصيرة. اشتغلنا على التمثيل والغناء والحركة لصناعة عرض حى ومتكامل.
لماذا كان جميع أبطال العرض من الشباب؟
لأنهم الأقرب للقضية. هم لا يمثلونها فقط، بل يعيشونها. هذا يمنح العرض صدقًا أكبر ويجعل الجمهور يرى نفسه على الخشبة.
هل ترى أن التضحية بالخصوصية مقابل “التريند” أصبحت خطرًا مجتمعيًا؟
بالتأكيد. لم تعد حالات فردية، بل أصبح هناك تطبيع مع تحويل الحياة الخاصة والمشاعر إلى محتوى. الإنسان نفسه أصبح سلعة، وهذا خطر على معنى الإنسان وقيمه.
هل يمكن للفن أن يغير هذا الواقع؟
الفن لا يغير الواقع بشكل مباشر، لكنه يغير طريقة رؤيتنا له. يمكن أن يدفع شخصًا للتفكير والتوقف قبل أن ينجرف وراء هذا العالم.
كيف ترى حال المسرح المصرى اليوم؟
المسرح يمتلك تاريخًا كبيرًا وطاقة بشرية مهمة، لكنه يحتاج إلى إعادة التفكير فى علاقته بالجمهور، وفهمه بشكل أعمق.
هل يعانى المسرح من أزمة جمهور أم محتوى أم تسويق؟
الأزمة مركبة. هناك أحيانًا ضعف فى المحتوى، وأحيانًا فى التسويق، إلى جانب تراجع عادة الذهاب للمسرح. لكن الجمهور موجود ويحتاج سببًا حقيقيًا للحضور.
ما الذى يحتاجه المسرح ليستعيد تأثيره؟
يحتاج إلى حرية أكبر، وموضوعات قريبة من الناس، وتسويق أفضل، وتجربة حية لا يمكن تعويضها عبر الشاشة.
ما الرسالة التى تتمنى أن يخرج بها المتفرج بعد مشاهدة “فومو”؟
أتمنى أن يسأل نفسه: هل أعيش حياتى فعلاً أم أعيشها من أجل الآخرين؟ إذا خرج وهو يفكر فى علاقته بالسوشيال ميديا وخوفه من أن يفوته شيء، فهذا يكفى.