• مقدمة: الخروج من الصندوق بشّرت الأوقات العصيبة بظهور اتجاهات وأشكال فنية جديدة، مثل تطور حركات الطليعة فى القرن العشرين كالبنائية، ومدرسة باوهاوس، والدادية، والسريالية فى السنوات التى أعقبت الحرب العالمية الأولى مباشرة. يبقى أن نرى ما إذا كانت جائحة فيروس كورونا (كوفيد-19) ستُحدث تحولات مماثلة فى النماذج الفنية لكن فى لحظات الأزمات التاريخية، يسعى الفنانون إلى تحويل قسوة الواقع المعاصر إلى تصورات لمستقبل مختلف تمامًا وأكثر إشراقًا. فبينما فرّقت جائحة أوائل العقد الثانى من القرن الحادى والعشرين الناس جسديًا، سعى الفنانون إلى إيجاد طرق جديدة لجمعهم من جديد، وتعزيز روابطهم، وإرساء أساليب إبداعية جديدة لتفاعلاتهم. ولعل احدى هذه المبادرات كانت «حلول تعاونية للفنون الأدائية: منصة التواجد عن بُعد»، بقيادة الفنانين والباحثين المتخصصين فى مجال الاتصالات عن بُعد بول سيرمون (الباحث الرئيسى، جامعة برايتون، المملكة المتحدة) وستيف ديكسون (الباحث المشارك، كلية لاسال للفنون، جامعة الفنون فى سنغافورة) بالتعاون مع مستشارى البحث سيتا بوبات تايلور، وساتيندر جيل، راندال باكر. وقد استجابت هذه المبادرة للأزمة التى عصفت بالفنون الأدائية الحية بعد إغلاق المسارح وعدم قدرة الفنانين على التصميم والإبداع والتدرب معًا وجهًا لوجه خلال فترات الإغلاق. وقد عالج مشروع «منصة التواجد عن بُعد» كلا الأمرين من خلال توفير منصة جديدة و«مسرحية» بامتياز للعروض الحية عبر الإنترنت، ومن خلال تصميم بيئات مسرحية غامرة بصريًا حيث يمكن للفنانين عن بُعد الالتقاء والتدرب والأداء معًا فى مساحة رقمية ثالثة باستخدام أدوات مؤتمرات الفيديو.وجد الفنانون أن هذه الأنساق أكثر فعالية بكثير وأفضل من المنصة السائدة التى تستخدمها الفرق المسرحية للتدرب والعرض أثناء فترات الإغلاق: زووم. شهدت الجائحة وفرة من العروض عبر زووم على الإنترنت، وتم اعتماد هذا الشكل فى إنتاجات تلفزيونية بارزة مثل مسلسل Staged من إنتاج BBC عام 2020 من بطولة مايكل شين وديفيد تينانت. يتابع موسمه الأول ممثلين (كوميديين) متقلبى المزاج يزدادان إحباطًا ويفقدان الاهتمام فى النهاية أثناء محاولتهما التدرب على مسرحية عبر زووم أثناء الإغلاق. لقد تكيفت منصات مؤتمرات الفيديو بشكل استراتيجى مع جماليات التلفزيون، وأصبحت الخطوط الفاصلة بين شاشات التلفزيون وشاشات الكمبيوتر أكثر ضبابية خلال الجائحة، حيث أصبحت الشاشات منتشرة فى كل مكان وتُستخدم بشكل عشوائى للترفيه والعمل والفن. لكن يبقى عيبٌ كبيرٌ يتمثل فى تنسيق زووم المرئى الثابت، حيث يظهر كل مشارك بشكل منفصل تمامًا فى نافذته الخاصة. كما يقوم معظم المستخدمين بتوجيه كاميرات حواسيبهم لتأطير أنفسهم فى لقطات مقرّبة للرأس والكتفين، مما ينتج عنه عروض زووم «المسرحية» التى تُشبه التلفزيون أكثر بكثير من العروض المسرحية الحية. ولا يزال هذا الفصل بين المؤدين فى صفوف من المربعات مصدر إحباط لممثلى المسرح، بمن فيهم أعضاء فرقة إمبْروبابل، إحدى فرق المسرح البحثية المقيمة، الذين قدموا عروضًا سابقة عبر زووم. ووصفوا العمل على منصة تيليبريزنس ستيج بأنه راحة كبيرة، حيث اختفت المربعات وأصبح بالإمكان دمج أجساد المؤدين كاملةً فى وقت واحد ضمن مساحة مسرح افتراضية مشتركة. أطلقوا على إنتاجهم الفنى خلال فترة إقامتهم اسم «خارج الإطار» وجسدوا استعارة الخروج من حواجز زووم حرفيًا من خلال مشهد افتتاحى يظهر فيه ثلاثة شخصيات فى اجتماع زووم مُحاكٍ (تم إنشاؤه باستخدام طبقة بصرية) يناقشون فيه الانفصال بسبب الجائحة، ثم يكتشفون أن بإمكانهم الوصول إلى نوافذ بعضهم البعض. يمدون أيديهم إلى بعضهم البعض ثم «يخرجون من حواجزهم» ليتسلقوا إلى نوافذ بعضهم البعض، فيظهرون بزوايا مختلفة أو رأسًا على عقب. شمل البحث مشاركة فرق مسرحية وراقصة محترفة فى عشرة مشاريع منفصلة، ??حيث تم تجربة أنساق وتكوينات تكنولوجية مختلفة، بالإضافة إلى مناهج متنوعة فى تصميم المناظر والتصميم البصرى. وقد وفر فريق البحث المعدات الأساسية الكاميرات، والشاشات، والجدران والأرضيات ذات الشاشة الخضراء التى يمكن تركيبها فى منازل الفنانين. هدف فريقنا إلى تزويد الممارسين بمجموعة من الحلول القابلة للتطوير لجمع الفنانين والجمهور عن بُعد، بدءًا من أنساق بسيطة يمكن استخدامها من قِبل الطلاب أو الهواة وفرق الأداء بتكلفة قليلة أو معدومة، وصولًا إلى تلك المناسبة للفرق المحترفة الكبيرة والفرق المحترفة. تُوِّجت إقامة كل فرقة بعرض حى. ثم قدم فريق منصة التواجد عن بُعد دراسات حالة مشاركة نتائج البحث عبر الإنترنت، وقدم أدلة إرشادية ودعمًا تعليميًا وموارد مفتوحة المصدر لقطاع الفنون الأدائية، لتشجيع استخدام التقنيات والأساليب المتاحة والأساليب. يستند هذا المقال إلى دراسات الحالة هذه، بالإضافة إلى مقابلات مع الفنانين لتحليل المشاريع، واستكشاف أبرز ملامحها، وأوجه الاختلاف والتشابه بينها، وعرض أهم نتائج البحث. وتتداخل هذه النتائج بطرق مثيرة للاهتمام مع مناقشة ريتشارد ميسك لبث الفيديو كوسيلة لتحسين إمكانية الوصول للعروض الحية، ومناقشة دان ستروت حول الأداء عن بُعد، والتقاط الحركة، والرقص الافتراضى. تتشابك بعض مواضيع ستروت وتنسجم مع مواضوعاتنا، حول الحضور، والحيوية، والقوة الفريدة للمس الافتراضى. وكما هو الحال فى الفصول الأخرى، يؤكد بحثنا على أهمية استكشاف حلول واقعية من خلال العمل بالشراكة مع شركات محترفة تختبر مجموعة من الأنظمة التقنية تجريبيًا، ثم تُشارك النتائج مع القطاع الإبداعى بطرق قابلة للتطبيق العملى، بما فى ذلك أدلة المساعدة التقنية.• أهداف وغايات الفرق المقيمة تنوعت فرق المسرح والرقص المشاركة فى مشروع حضور خشبة المسرح عن بعد Telepresence Stage بين فرق شابة حديثة التأسيس وذات خبرة تقنية واسعة، وبعض أقدم الفرق البريطانية الجوالة. ومنها فرقة السلم الأحمر Red Ladder، التى تأسست عام 1968 وتشتهر بنهجها المميز فى مسرح «الدعائم» الراديكالى، وفرقة مسرح رقصة العنقاء Phoenix Dance Theater، التى أسسها عام 1981 ثلاثة رجال بريطانيين سود، وهى أقدم فرقة رقص معاصر محترفة مقرها المملكة المتحدة خارج لندن. جاء بعضهم بأفكار مُعدة أو مكتوبة مسبقًا، بينما قام آخرون بتكييف أو توسيع عروض مسرحية سابقة، وعمل بعضهم بشكل كامل بالارتجال، وبدأ آخرون من الصفر، لكنهم بنوا أفكارهم تدريجيًا لتطوير عروض متقنة. وتبنت بعض الفرق أساليب مسرحية وراقصة أكثر تقليدية، واستخدمت فرق أخرى أشكال الكوميديا ??والكاباريه، بينما ركزت فرق أخرى على جماليات بصرية أكثر تجريدًا وتجريبية. كما تنوعت أهدافهم وغاياتهم من خلال إقامتهم البحثية:• الاتصال المعزول عن بعد Telematic Quarantine كان العرض الأول، وهو مشروع تجريبى للبحث والتطوير من قِبل فريق البحث لاختبار بعض أنظمة الاتصالات عن بُعد، والسينوغرافيا الافتراضية والمؤثرات. فى هذا الحدث الذى بُثّ مباشرةً لمدة ساعتين ونصف، وُضِعَ المشاركون الدوليون فى أوقات مختلفة للانضمام إلى بول سيرمون عبر سكايب، وتم دمجهم فى محاكاة ثلاثية الأبعاد مُصممة بأسلوب فنى لغرف فى منزله الحقيقى (الشكل 3.2). لعبوا معًا، وارتجلوا، وشاركواقصصهم عن العزلة الذاتية، بينما استكشفوا أنواعًا فنية مختلفة، من الدراما الاجتماعية إلى السخرية السياسية، ومن دراما المستشفيات إلى الواقعية السحرية ومسرح العبث.• غير محتمل Improbable كان الدافع وراء الخروج عن المألوف هو خلق مساحة أوسع وأكثر انفتاحًا للتعبير عما وصفوه فى بداية إقامتهم الفنية بأنه «المرح، والإبداع، والجرأة، والحميمية، والجمال، والإنسانية، والمسرحية، وغير المتوقع، وغير المحتمل». يجمع عرض «خارج الإطار» بين التمثيل الحى، وفن العرائس، والرسوم المتحركة، والفنون السيكديلية فى عرض حيوى لقصص سير ذاتية من تقديم مجموعة من الفنانات والفنانين غير الثنائيين• «مسرح الإبداع» Creation Theaterاستغلّوا فترة إقامتهم الفنية للتجريب فى مفارقات وإمكانيات تفاعل العالم المادى مع العالم الافتراضى فى المسرح عن بُعد. يستمتع المؤدون عن بُعد بتحدى تحقيق المستحيل من خلال تمرير المشروبات ورمى الكرات لبعضهم البعض وطعن يد شخص ما، بينما يجسّدون شخصيات لوحة بول سيزان لعام 1895 لاعبو الورق (الشكل 3.3). يستخدمون مزيجًا من البراعة، وخفة اليد، والكوميديا ??التهريجية، ولكن مثل شخصيات صامويل بيكيت العبثية، يبدو أنهم مُقدّر لهم أن يُحاولوا ويفشلوا، ويُحاولوا ويفشلوا مرة أخرى، ولكن بشكل أفضل.• مختبر التصميم والأداء (DAP- Lab)كان هدف مختبر التصميم والأداء (DAP-Lab) هو ابتكار عرضٍ بتقنية التواجد عن بُعد، مُستندًا إلى القضايا البيئية وأزمة المناخ، من خلال استكشاف مفهوم «الموارد المائية المشتركة»، وهو مفهومٌ يجمع بين المياه والنباتات فى بيئةٍ مشتركة. فى عرض «نهر اللا أحد»، اهتموا بمعرفة كيفية دمج مشاهد الدمار الناجمة عن الفيضانات الأخيرة، وبيانات القياسات العلمية، والبيئات تحت الماء، لخلق سردٍ مُقنع حول رحلة عالمة نباتات حول العالم.• فرقة مسرح جوترسنايب النسائية Female collective Guttersnipe Theatreحصلت فرقة «جوترسنايب ثياتر» النسائية على تمويل من مجلس الفنون لإنتاج عرض جديد، لكن جولتها أُلغيت بسبب فيروس كورونا. تواصلت الفرقة مع فريق البحث لاستخدام منصة «تيلى بريزنس ستيج Telepresence Stage» لتحويل العرض إلى أداء عبر الإنترنت. «شوجا فيكس ضد المتنورين SHUGA FIXX vs The Illuminati» هو عرض كوميدى أسود يحاكى برامج المواهب على غرار «إكس فاكتور»، ويسخر من نظريات المؤامرة وتلاعب وسائل الإعلام بالشباب. • مسرح رقصة العنقاء Phoenix Dance Theatreأرادوا استكشاف إمكانيات تصميم الرقصات بالعمل مع تقنية التواجد عن بُعد والمشاهد الافتراضية، وتصور أنواع جديدة من الفضاء الإبداعى. وباستخدام وضعيات كاميرا غير مألوفة، استكشفوا وجهات نظر ومشاهد درامية، بما فى ذلك تحدى الجاذبية ظاهريًا وسحب بعضهم بعضًا من حفر فى الأرض إلى السماء (الشكل 3.4). • مسرح بيجون Pigeon Theatre’sيركز البحث الرئيسى على الهياكل الشكلية للمكان والبيئة والهندسة المعمارية، وقد أتاح المشروع للفرقة فرصة لتوسيع تجاربها باستخدام تصميم المناظر الافتراضى. يتتبع عرضهما شخصيتين أمّين وهما تضيعان وتجدان بعضهما البعض وتجتازان مجموعة مذهلة من المواقع «الحقيقية» والخيالية، وتنموان من صغيرة إلى طويلة، وترتبان الألعاب، وتشربان، وترقصان، وتتساءلان مرارًا وتكرارًا أين الأطفال؟ • السلم الأحمر Red Ladderتعاملوا مع إقامتهم الفنية بهدف خلق ما أسموه «عالمًا تحدث فيه أحداث غريبة وسريالية بطريقة مقنعة حول الممثلين الحقيقيين، ومزج الواقع بالخيال لدفع الجمهور إلى التساؤل عن تصوراتهم للواقع». فى مسرحية «تاكسي»، يبدأ حوار بين سائق وراكبة فى الكشف عن قضايا تتعلق بالصحة النفسية وهشاشة المجتمع. • فرقة ريرى –وودبرى للرقص Ririe- Woodbury Dance Companyتعاونت فرقة ريري-وودبرى للرقص مع شبكة ذا ثيرد سبيس The Third Space فجمعت بين مغنى تينور أسود (تشارلز لين) ومصم رقصات /راقص أبيض (دانيال شارون) لتقديم رد فعل على الاستقطاب العرقى فى أعقاب حركة «حياة السود مهمة» وأزمة العزلة الشخصية التى أعقبت إغلاق كورونا. يستكشف عرض «أسود|أبيض» مفاهيم الحميمية والصراع والوئام والإنسانية، حيث يتم مضاعفة أجساد المؤديين، اللذين لم يلتقيا وجهًا لوجه من قبل،وإظهارها كظلال وتركيبها وسط خلفيات فيديو متنوعة. • مسرح شارب تيث Sharp Teeth Theatre أرادوا البناء على خبرتهم ونجاحهم فى عروض جريمة القتل التفاعلية التى لاقت استحسانًا كبيرًا، والتى قدموها سابقًا أمام جمهور مباشر وعبر تطبيق زووم. تدور أحداث عرض «شرلوك فى المنازل» فى معسكر قاعدة استكشافية فى القطب الجنوبى فى عشرينيات القرن الماضى، بعد عاصفة ثلجية وجريمة قتل، حيث يُمنح الجمهور أدلة من خلال مشاهد استرجاعية، ويُوجهون لاستجواب المشتبه بهم غريبى الأطوار لكشف هوية الجانى.