العدد 978 صدر بتاريخ 25مايو2026
يعد سمير عبد الباقى واحدا من أبرز كتاب المسرح الذين ارتبطت تجربتهم بفكرة المسرح الشعبى فى مصر خلال النصف الثانى من القرن العشرين. امتدت تجربته عبر مجالات متعددة شملت المسرح والشعر والرواية وأدب الطفل والصحافة الثقافية والعمل التنويرى داخل مؤسسات الثقافة الجماهيرية، لكن المسرح ظل المجال الأكثر حضورا فى مشروعه الإبداعى، سواء من خلال الكتابة المسرحية أو العمل الثقافى المرتبط بالحركة المسرحية فى الأقاليم والفرق الشعبية ومسرح الطفل والعرائس.
ولد سمير عبدالباقى فى 15 مارس بقرية ميت سلسيل بمحافظة الدقهلية. حصل على الشهادة الابتدائية عام 1950، ثم شهادة الثقافة عام 1954، والتوجيهية القسم العلمى عام 1955، قبل التحاقه بكلية الزراعة بجامعة عين شمس، حيث درس الاقتصاد الزراعى والتعاون، وتخرج فيها سنة 1966.
بدأ اهتمامه بالنشاط الثقافى والعمل العام مبكرا. شارك خلال سنوات شبابه فى أنشطة اجتماعية وثقافية داخل قريته، وكون مع مجموعة من شباب القرية لجانا لاستقبال مهاجرى بورسعيد أثناء العدوان الثلاثى، كما شارك فى تقديم عروض مسرحية بسيطة داخل نادى الطلبة، وأصدر مجلات حائط ذات طابع اجتماعى وسياسي.
ارتبط وعيه الفنى مبكرا بالواقع الاجتماعى والسياسى، وهو ما انعكس لاحقا على معظم أعماله المسرحية والشعرية. وفى نهاية الخمسينيات تعرض للاعتقال بسبب نشاطه السياسى وإصداره جريدة “صوت الفلاحين”، التى دعت إلى الديمقراطية والاستقلال الوطنى والدفاع عن الفلاحين. استمر اعتقاله من سبتمبر 1959 حتى أبريل 1964.
داخل المعتقل اتسعت علاقته بالمسرح بشكل واضح، حيث شارك فى التمثيل والإخراج وإعداد الديكور وتقديم عروض مسرحية للمعتقلين، كما ساهم فى تقديم عروض لخيال الظل والعرائس. ومن المسرحيات التى شارك فى تقديمها خلال تلك الفترة: “أختام البلد”، “عيلة الدوغري”، “الخبر”، “حلاق بغداد”، “موت بائع جوال”، “البرجوازى الصغير”، “قيصر وكليوباترا”، و”بيت الدمية”.
كما أصدر داخل المعتقل مجلات حائط ومجلة للكاريكاتير، وشارك فى تنظيم الأنشطة الثقافية للمعتقلين، وهو ما ترك أثرا واضحا على رؤيته للمسرح بوصفه فعلا جماعيا مرتبطا بالناس والحياة اليومية.
بعد خروجه من المعتقل عاد إلى العمل الثقافى والصحفى، وشارك فى تحرير عدد من مجلات الأطفال مثل “سمير” و”كروان”، كما ساهم فى إصدار ملحق “حكايات صباح الخير”، وكتب فيه عددا من الحكايات، منها: “حكاية سقا”، “نهر الدموع”، “عذراء الربيع”، و”وجه القمر”.
كما شارك فى تطوير مجلة “سمير” خلال مرحلة مهمة سعت فيها المجلة إلى تقديم محتوى مصرى وعربى للطفل، بدلا من الاعتماد الكامل على النقل من المجلات الأجنبية.
وعقب هزيمة يونيو 1967 انتقل إلى السويس للمشاركة فى الأنشطة الثقافية المرتبطة بالمقاومة الشعبية، وشارك فى إصدار صحيفتى “المقاومة الشعبية” و”السويس الثقافية”، كما نظم مع عدد من المثقفين والفنانين سلسلة من الندوات والعروض الثقافية فى الشوارع والميادين دعما لروح المقاومة.
وفى عام 1968 شارك فى المظاهرات الطلابية والعمالية التى طالبت بالحريات العامة والاستعداد الحقيقى للمعركة، وتعرض للاعتقال مرة أخرى لمدة شهرين.
بعد ذلك التحق بالمعهد العالى للفنون المسرحية، قسم النقد والأدب المسرحى، وحصل على دبلوم الدراسات العليا. وكان من زملائه د. صبرى حافظ، ونسيم مجلى، وحسين أبوالمكارم، ود. أسامة أبوطالب.
وخلال تلك المرحلة أعد دراستين مهمتين، هما: دراسة أولية وببليوجرافيا لأعمال كامل الكيلانى للأطفال، ودراسة بعنوان “مسرح الأطفال فى مصر: تحليل نصوص ورؤية عامة”.
ثم عاد للعمل فى الثقافة الجماهيرية، وانخرط لسنوات طويلة فى العمل الثقافى والمسرحى داخل عدد كبير من محافظات مصر، حيث مارس الكتابة والمحاضرات والنقد المسرحى والعمل التنظيمى المرتبط بالحركة المسرحية.
ارتبطت تجربة سمير عبد الباقى المسرحية بمحاولة تقديم صيغة مسرحية تستفيد من التراث الشعبى المصرى، وتعتمد على اللغة العامية والحكاية الشعبية والأغنية والسخرية السياسية، مع اهتمام واضح بالشخصيات المهمشة والبسيطة.
كتب عددا كبيرا من النصوص المسرحية للكبار، من أهمها: “سيرة شحاتة سى اليزل ـ سعدون”، “الليلة فنطزية”، “اقرأ الفاتحة للسلطان”، “سهرة ضاحكة لقتل السندباد الحمال”، “كانت وعاشت مصر”، “فى حب مصر”، “غنوة للحرب غنوة للسلام”، “البطاقة”، و”النشيد الفقير عن بابلو نيرودا”.
وتعد مسرحيات “سعدون”، و”الليلة فنطزية”، و”اقرأ الفاتحة للسلطان” من أبرز أعماله، وقد جمعها فى كتاب “فلح وسلاطين” الصادر سنة 1988. وتعتمد هذه النصوص على روح الفرجة الشعبية والمسرح الاحتفالى، حيث تختلط الكوميديا بالسخرية السياسية، وتتحول الشخصيات الشعبية إلى وسيلة للكشف عن تناقضات الواقع والسلطة.
كما كتب للمسرح الموسيقى والاستعراضى عددا كبيرا من الأغنيات والأشعار المسرحية بالفصحى والعامية.
مسرح الطفل والعرائس
احتل مسرح الطفل مساحة واسعة فى مشروعه الثقافى والفنى، وكان من أوائل المهتمين بتطوير مسرح العرائس داخل الثقافة الجماهيرية. أسس الفرقة المركزية لمسرح العرائس، وساهم فى تدريب عدد من الفرق بالمحافظات، كما قدم مشروعا لتصميم مسارح عرائس وخيال ظل سهلة النقل، يمكن استخدامها فى القرى والمناطق البعيدة.
ومن أبرز أعماله فى مسرح الطفل والعرائس: “حكاية سقا” ـ 1966، “أرنب فوق العادة”، “دبدوب الكسلان”، “مملكة القرود”، “حسن قرن الفول”، “أحلام السقا”، “الطحان وملك الغابة”، “ثورة العرائس”، “بركات الحكيم”، “الشاطر حسن قرن الفول”، “فريك والعفريت”، “جحا وتيمورلنك”، “حواديت جزيرة الورد”، “أوز الأراجوز”، “سبع فى القفص”، “طائر الحظ السعيد”، “البلياتشو وست الحسن”، “الوحش الغريب”، و”ضحكة بنت السلطان”.
كما أصدر كتاب “مسرحيات الأطفال والعرائس”، الذى ضم مجموعة كبيرة من نصوصه فى هذا المجال.
واهتم كذلك بتجارب اللعب الدرامى والدراما التلقائية للأطفال، وكتب دراسات تتناول ثقافة الطفل الريفى ومسرح العرائس ووسائل توظيفه فنيا وتربويا.
الشعر
إلى جانب المسرح عرف سمير عبد الباقى بوصفه واحدا من شعراء العامية البارزين. أصدر عددا كبيرا من الدواوين الشعرية، منها: “غنوة لمصر” ـ 1968، “نبوت الغفير” ـ 1979، “فرحة ليست للحبر السري” ـ 1981، “وردة مصرية على خد موسكو” ـ 1987، “كتاب الشعر” ـ 1990، “دفاتر العامية المصرية” ـ 1993، “شكشكة على سبيل الفزلكة” ـ 1996، “يوميات مدينة مكسورة الجناح” ـ 1997، “دفاتر ابن عبد الباقي”، “نهنهات المشيب” ـ 2001، “رباعيات وربع تاني” ـ 2004، “قصائد العشق والغربة” ـ 2008، “شمروخ الأراجوز” ـ 2010، “دفتر اليومية الزفرة” ـ 2014، “سدرة المنتهك”، “متر الوطن بكام”، “سابق عليك الوطن”، و”قصائد غير شخصية”.
واتسم شعره بالارتباط بالحياة اليومية والهم الوطنى، مع حضور واضح للغة الشعبية والسخرية والمرارة والحنين.
الرواية والسرد
كتب كذلك الرواية والسيرة الذاتية والحكاية الشعبية، ومن أعماله: “زمن الزنازين”، “كراكيب الصندرة”، “ولا هم يحزنون”، “موال الصبا فى المشيب”، “على هامش السيرة الهلالية”، “قد تستكمل غدا”، و”هكذا تكلمت الأحجار”.
كما ترجم كتابا عن الأساطير الأفريقية.
الصحافة والكتابة للأطفال
شارك فى تحرير عدد كبير من المجلات والصحف المصرية والعربية، منها: “سمير”، “كروان”، “ميكي”، “أسامة”، “سامر”، “ماجد”، “العربى الصغير”، و”علاء الدين”.
كما أسس بابا للأطفال فى جريدة “المساء” بعنوان “لقاء الأصدقاء”.
وكتب كذلك للإذاعة والتلفزيون والسينما، وفاز فيلم “ليمونة المحيا”، المأخوذ عن قصة لفؤاد حداد، بجائزة فى مهرجان القاهرة لسينما الأطفال.
المناصب الثقافية
تولى عددا من المناصب المهمة داخل المؤسسات الثقافية، منها: مدير إدارة نوادى الأطفال، مدير الفرقة المركزية لمسرح العرائس، مدير إدارة التوثيق بالإدارة العامة للمسرح، مدير فرقة السامر المسرحية، مدير عام الثقافة العامة، مدير إدارة المواهب، مستشار ثقافى لرئيس قطاع الفنون الشعبية، مدير فرقة الغد المسرحية، ومدير عام الإدارة العامة للتفرغ بالمجلس الأعلى للثقافة.
كما شارك فى تأسيس عدد من الجمعيات والكيانات الثقافية، منها: جمعية ثقافة الطفل، جمعية المسرح المصرى، جمعية المسرحيين بالثقافة الجماهيرية، ومؤتمر أدباء مصر فى الأقاليم.
وكان عضوا في: اتحاد الكتاب، نقابة المهن التمثيلية، نقابة المهن السينمائية، أتيليه القاهرة، والفرع المصرى لجمعية كتاب الأطفال العالمية.
الجوائز والتكريم
حصل سمير عبد الباقى على جائزة الدولة للتفوق فى الآداب عام 2014، كما كرمه المهرجان القومى للمسرح المصرى عام 2017، تقديرا لمسيرته الطويلة فى الكتابة المسرحية والعمل الثقافي.
واهتم عدد كبير من النقاد والباحثين بدراسة أعماله المسرحية والشعرية، ومنهم: لويس عوض، فؤاد دوارة، سامى خشبة، نهاد صليحة، فريدة النقاش، راجى عنايت، حلمى التونسى، صلاح جاهين، وغيرهم.
ورحل عن دنيانا فى 23 مايو 2026، بعد أن أثرى حياتنا الثقافية بتجربة ثرية تمثل واحدة من التجارب التى جمعت بين الإبداع والعمل الثقافى والانشغال بالقضايا الاجتماعية والوطنية. وقد ظل المسرح فى قلب هذه التجربة، سواء عبر نصوصه التى استلهمت التراث الشعبى، أو من خلال دوره فى دعم الحركة المسرحية فى الأقاليم ومسرح الطفل والعرائس. ولذلك يرتبط اسمه بوصفه واحدا من الكتاب الذين سعوا إلى تقديم مسرح مصرى يعتمد على الذاكرة الشعبية واللغة القريبة من الناس، دون انفصال عن الواقع الاجتماعى والسياسى الذى عاشته مصر عبر عقود طويلة.