حين يطل كتاب «المسرح الرقمى» ضمن منشورات الدورة الثانية والثلاثين لمهرجان القاهرة الدولى للمسرح التجريبى، فإنه لا يفعل ذلك بوصفه إضافة عابرة إلى مكتبة المسرح العربى، ولا كترجمة متخصصة موجهة إلى دائرة ضيقة من الأكاديميين، بل كإشارة ثقافية كثيفة الدلالة، تنبّه إلى تحوّل عميق يطال بنية التفكير المسرحى ذاتها. فاختيار هذا الكتاب تحديدًا، وفى هذا التوقيت، يعكس إدراكًا متزايدًا بأن المسرح لم يعد قادرًا على تجاهل التحولات الرقمية التى أعادت تشكيل علاقتنا بالزمن، وبالجسد، وبالفضاء، وبفعل التلقى نفسه. هنا لا نتعامل مع كتاب يشرح «كيف نستخدم التكنولوجيا فى المسرح؟»، بل مع نص يسأل: كيف نعيد التفكير فى المسرح حين تصبح التكنولوجيا جزءًا من نسيج الواقع لا ملحقًا به؟هذا السؤال هو ما يمنح الكتاب ثقله الحقيقى، إذ تنطلق المؤلفة ناديا ماسورا من موقف معرفى واضح يرفض ثنائية القطيعة أو الإحلال. المسرح الرقمى، فى هذا التصور، ليس بديلًا عن المسرح التقليدى، ولا نفيًا لتاريخه، بل هو لحظة تطور ضمن سلسلة طويلة من التحولات التى عرفها هذا الفن منذ نشأته. المسرح، كما تقترح المؤلفة، كان دائمًا فنًا تقنيًا بقدر ما كان فنًا إنسانيًا؛ من القناع، إلى الإضاءة، إلى الماكينات، إلى الفيديو، لم يتوقف المسرح عن استيعاب أدوات عصره، لكن الفارق اليوم أن التكنولوجيا لم تعد مجرد أداة مساعدة، بل أصبحت وسيطًا يشارك فى إنتاج المعنى، فى هذا الإطار، يكتسب الكتاب أهميته العربية الخاصة، لأنه يأتى فى سياق ثقافى ما زال يتعامل مع الرقمنة إما بوصفها تهديدًا للهوية، أو بوصفها إغراءً شكليًا. ناديا ماسورا لا تنحاز إلى أى من هذين الموقفين، بل تطرح رؤية ثالثة ترى فى المسرح الرقمى فضاءً للتفاوض: تفاوض بين الحضور الحى والوسيط الرقمى، بين الجسد والصورة، بين الفعل المباشر والمعالجة التقنية. هذا التفاوض لا يُقدَّم بوصفه حلًا جاهزًا، بل كعملية مفتوحة تتطلب وعيًا نقديًا مستمرًا.اللغة التى يُكتب بها الكتاب تؤكد هذا التوجه. فهى لغة واضحة، غير متعالية، لكنها لا تتنازل عن عمقها المفاهيمى. المؤلفة تكتب بعين الباحث، لكنها لا تنسى أنها تكتب أيضًا للممارس، للمخرج، للممثل، لمصمم السينوغرافيا. هذا التزاوج بين النظرية والممارسة ليس مصادفة، بل جزء من الرؤية العامة للكتاب، التى ترى أن المسرح الرقمى لا يمكن فهمه من خارج التجربة، ولا يمكن ممارسته من دون إطار نظرى يقيه من الوقوع فى الاستعراض التقنى.منذ الصفحات الأولى، يتضح أن الكتاب لا يتعامل مع الرقمنة بوصفها مستقبلًا مؤجلًا، بل بوصفها حاضرًا مفروضًا. الإشارة إلى جائحة كورونا ليست توظيفًا ظرفيًا، بل لحظة كاشفة أظهرت هشاشة النماذج المسرحية التقليدية حين تُغلَق المسارح، وتُمنَع التجمعات، ويصبح اللقاء الفيزيائى مستحيلًا. فى هذا السياق، لا يظهر المسرح الرقمى كترف، بل كضرورة وجودية، كوسيلة للحفاظ على فكرة المسرح بوصفه فضاءً اجتماعيًا، حتى حين يتغير شكله، غير أن الكتاب لا يسقط فى خطاب الإنقاذ الساذج. المسرح الرقمى، كما يقدمه، ليس حلًا لكل أزمات المسرح، ولا بديلًا عن الصراع الحى بين الممثل والجمهور. بل هو أفق جديد يفتح أسئلة أكثر مما يغلق، ويضع الفنان أمام مسئولية مضاعفة: أن يفهم الوسيط الذى يستخدمه، وأن يدرك أثره الجمالى والأخلاقى. هكذا يصبح المسرح الرقمى، فى جوهره، موقفًا فكريًا قبل أن يكون ممارسة تقنية، بهذا المعنى، يمكن قراءة الكتاب بوصفه نصًا نقديًا عن الحاضر بقدر ما هو نص عن المسرح. إنه يلتقط قلق العصر، وتوتره بين الاتصال والعزلة، بين الوفرة الرقمية وفقدان المعنى، ويقترح المسرح بوصفه مختبرًا لفهم هذه التناقضات. ومن هنا تبدأ رحلة الكتاب، لا من الخشبة، بل من السؤال: ماذا يعنى أن نصنع مسرحًا اليوم؟إذا كان التحليل السابق قد انشغل بتأطير المسرح الرقمى بوصفه سؤالًا ثقافيًا عامًا، فإن التعمق الحقيقى فى طبيعة هذا التحول يبدأ من مفهوم الحضور، ذلك المفهوم الذى شكّل، عبر قرون طويلة، حجر الأساس فى تعريف المسرح ذاته. فالمسرح، فى صيغته الكلاسيكية، كان يُعرَّف بوصفه فن اللقاء الحى بين ممثل وجمهور فى زمن واحد ومكان واحد، حيث تتأسس التجربة الجمالية على التشارك اللحظى، وعلى إدراك أن ما يحدث على الخشبة لا يمكن تكراره بالطريقة نفسها مرة أخرى. غير أن هذا التعريف، على بساطته الظاهرية، يصبح موضع مساءلة حين تدخل الوسائط الرقمية إلى قلب العملية المسرحية، لا كعنصر توثيقى لاحق، بل كجزء أصيل من الفعل الأدائى نفسه، وفى كتاب «المسرح الرقمي»، لا تتعامل ناديا ماسورا مع هذه الإشكالية بوصفها أزمة يجب حلها، بل بوصفها تحولًا يجب فهمه، فالحضور، فى المسرح الرقمى، لا يُلغى ولا يُستبدل، بل يُعاد توزيعه، هناك حضور جسدى فعلى للمؤدى، لكن هذا الحضور يتجاور مع حضور آخر وسيطى، يتمثل فى الصورة الرقمية، أو الصوت المعالج، أو الجسد الافتراضى، هذه الازدواجية لا تفرغ التجربة من صدقها، بل تمنحها طبقات إضافية من المعنى، شرط أن يُنظر إليها بوصفها خيارًا دراميًا واعيًا، لا حيلة تقنية، يُعيد الكتاب، فى هذا السياق، النظر فى مفهوم «الآن وهنا» الذى طالما ارتبط بالمسرح، «الآن» لم يعد لحظة زمنية مغلقة، بل نقطة تقاطع بين زمن حى وزمن رقمى، العرض قد يحدث فى لحظة معينة، لكنه يمتد خارجها عبر البث، أو التسجيل، أو التفاعل اللاحق. ومع ذلك، تصر المؤلفة على أن هذا الامتداد لا يعنى ذوبان التجربة المسرحية فى زمن افتراضى بلا حدود، بل يتطلب إعادة التفكير فى كيفية بناء العرض بحيث يحتفظ بكثافته، حتى وهو يعبر وسائط متعددة.هذا التحول فى مفهوم الزمن يقود إلى إعادة تعريف التجربة المسرحية ذاتها، ففى المسرح الرقمى، لا تنتهى التجربة بانتهاء العرض، ولا تبدأ فقط عند رفع الستار. المتلقى قد يدخل إلى العمل قبل لحظة العرض عبر مواد تمهيدية رقمية، أو يظل متورطًا فيه بعد انتهائه عبر النقاشات، والمشاهدات المتكررة، وإعادة التفاعل مع عناصره. الزمن المسرحى، بهذا المعنى، يصبح زمنًا مركبًا، تتداخل فيه لحظات الحضور والغياب، المباشرة والتأجيل، غير أن الكتاب يحذر من تحويل هذا الامتداد الزمنى إلى ذريعة لتفريغ العرض من توتره اللحظى. فالمسرح، حتى فى صيغته الرقمية، يظل فن التوتر، فن الانتظار، فن ما قد يحدث ولا يحدث، لذلك تؤكد المؤلفة على ضرورة الحفاظ على نقاط كثافة زمنية داخل العرض، لحظات يشعر فيها المتلقى بأن الزمن «ينضغط»، وبأن ما يحدث لا يمكن تأجيله أو استهلاكه بلا اكتراث.فى هذا السياق، يستعيد الكتاب بشكل ضمنى نقاشات فلسفية حول الزمن، من برجسون إلى دريدا، دون أن يغرق فى الاستشهادات المباشرة، الزمن، هنا، ليس خطًا مستقيمًا، بل تجربة إدراكية تتشكل عبر التفاعل مع الوسيط، المسرح الرقمى يكشف أن الزمن المسرحى لم يكن يومًا محض آنية فيزيائية، بل بناءً إدراكيًا تشاركيًا، وأن الرقمنة تجعل هذا البناء أكثر وضوحًا وتعقيدًا فى آن واحد.من زاوية أخرى، يطرح الكتاب سؤالًا مهمًا حول أثر هذا التحول على ذاكرة المسرح. فإذا كان العرض التقليدى يعيش فى الذاكرة بوصفه حدثًا فانيًا، فإن المسرح الرقمى يترك أثرًا ماديًا قابلًا للاسترجاع، هذا الأثر لا يلغى الفناء، لكنه يغيّر شكله، العرض يصبح قابلًا لإعادة المشاهدة، لكن إعادة المشاهدة لا تعيد التجربة نفسها، الفارق بين التجربتين يفتح مجالًا جديدًا للتفكير فى معنى التوثيق، وفى العلاقة بين الذاكرة الحية والأرشيف الرقمى.فى السياق العربى، تكتسب هذه الأسئلة بعدًا إضافيًا. فالمسرح العربى، الذى عانى طويلًا من ضعف التوثيق، يجد فى الوسائط الرقمية فرصة لحفظ تجاربه، لكن هذه الفرصة تحمل فى طياتها خطر تحويل العرض إلى مادة استهلاكية، الكتاب لا يقدّم حلولًا جاهزة، لكنه يدعو إلى وعى نقدى يجعل من التوثيق امتدادًا للتجربة، لا بديلًا عنها، هكذا، يخرج مفهوم الحضور من بساطته التقليدية، ويصبح مفهومًا متعدد الأبعاد، لا يُختزل فى وجود جسدى فقط، ولا يُستبدل بحضور افتراضى خالص، المسرح الرقمى، كما يقدمه الكتاب، هو فن إدارة هذا التوتر الخلّاق بين أنماط مختلفة من الحضور، وبين أزمنة تتجاور ولا تتطابق. ومن خلال هذا الفهم، يفتح الكتاب أفقًا جديدًا لرؤية المسرح بوصفه تجربة زمنية متحوّلة، قادرة على إعادة اختراع نفسها دون أن تفقد جوهرها.إذا كان المسرح، عبر تاريخه الطويل، قد ارتكز على الجسد بوصفه مركز الفعل الأدائى ومصدر حضوره الأساسى، فإن دخول الوسائط الرقمية إلى قلب العرض لم يلغِ هذا المركز بقدر ما أعاد مساءلته، فى كتاب «المسرح الرقمي»، لا يُنظر إلى الجسد على أنه عنصر مهدَّد بالاختفاء، ولا إلى الصورة الرقمية بوصفها خصمًا له، بل إلى العلاقة بينهما باعتبارها ساحة اشتباك جمالى ومعرفى تكشف تحولات أعمق فى فهمنا للتمثيل، وللمكان، ولطريقة إدراكنا للمشهد المسرحى ككل، تنطلق ناديا ماسورا من فكرة أن الجسد المسرحى لم يكن يومًا كيانًا طبيعيًا خالصًا، بل كان دائمًا جسدًا مُنتجًا داخل منظومة ثقافية وتقنية. القناع، والملابس، والإضاءة، والماكياج، كلها وسائط أعادت تشكيل الجسد عبر التاريخ، الفرق اليوم أن الوسيط الرقمى لا يكتفى بإضافة طبقة خارجية، بل يخلق نسخة موازية من الجسد، صورة يمكن أن تتحرك، وتتضاعف، وتختفى، وتعود. هذا «الجسد المضاعف» يفتح إمكانات تعبيرية جديدة، لكنه يفرض أيضًا تحديات تتعلق بالسيطرة، وبالانسجام، وبحدود المعنى.فى المسرح الرقمى، كما يصفه الكتاب، لا يقف الجسد فى مواجهة الصورة، بل يدخل معها فى علاقة تفاوض مستمرة. الممثل لا يتنافس مع الإسقاط الضوئى، ولا تُختزل حضوريته لصالح الشاشة، بل يصبح جزءًا من تركيب بصرى مركب، حيث تتجاور المادة والضوء، واللحم والبيكسل. نجاح هذا التركيب لا يتوقف على جودة التقنية، بل على وعى درامى بكيفية توظيفها. حين تُستخدم الصورة بوصفها عنصرًا سرديًا أو شعوريًا، فإنها توسّع أفق المعنى؛ وحين تُستخدم بوصفها استعراضًا، فإنها تُفرغ الجسد من قوته.هذا التحول ينعكس مباشرة على مفهوم السينوغرافيا. المكان المسرحى لم يعد خلفية ثابتة للأداء، بل أصبح فضاءً ديناميكيًا يتغير لحظة بلحظة، الإسقاطات، والخرائط الضوئية، وتقنيات الواقع المعزز، تتيح للمكان أن يتحول من موقع إلى آخر دون انتقال فيزيائى، وأن يعكس حالات نفسية أو رمزية لا يمكن تحقيقها بالوسائل التقليدية وحدها. المكان هنا لا يُصمَّم مرة واحدة، بل يُبرمج ليكون قابلًا للتحول، غير أن الكتاب يحذر من اختزال السينوغرافيا الرقمية فى بعدها البصرى فقط. المكان الرقمى ليس صورة فحسب، بل تجربة حسية تؤثر فى إدراك المتلقى للجسد والزمن، الضوء الرقمى يمكن أن يثقل الجسد أو يخففه، أن يضخّمه أو يفتته، أن يمنحه حضورًا طيفيًا أو واقعيًا مكثفًا. هذا التأثير يتطلب فهمًا عميقًا للعلاقة بين الجسد والتقنية، لا مجرد إتقان للأدوات.من الناحية النظرية، يستدعى هذا النقاش أفكار ميرلو–بونتى حول الجسد المدرك، حيث لا يُفهم الجسد بوصفه موضوعًا فى الفضاء، بل بوصفه وسيلة لإدراك الفضاء ذاته. المسرح الرقمى يضيف إلى هذا التصور بعدًا جديدًا: الجسد يدرك الفضاء، لكنه يُدرَك أيضًا عبر وسيط رقمى يعيد تشكيل صورته. هذه الازدواجية تجعل الجسد فى حالة توتر دائم بين حضوره الفيزيائى وتمثيله الوسائطى.يتوسع الكتاب فى مناقشة هذا التوتر من خلال أمثلة تطبيقية لعروض استخدمت الإسقاطات المتحركة لا لتزيين المشهد، بل لخلق «مكان شعوري» يتفاعل مع حركة الممثل، فى هذه العروض، لا تكون السينوغرافيا عنصرًا صامتًا، بل شريكًا فى الأداء، يكاد يمتلك شخصية خاصة به، المكان يصبح كائنًا متحركًا، له إيقاعه وتحولاته، ويتطلب من الممثل أن يعيد ضبط جسده باستمرار.فى السياق العربى، يكتسب هذا الطرح أهمية خاصة، لأن المسرح العربى غالبًا ما اعتمد على حلول سينوغرافية ثابتة، بسبب القيود الإنتاجية أو بسبب هيمنة النص، المسرح الرقمى يفتح إمكانية تجاوز هذه القيود، ليس عبر ميزانيات ضخمة، بل عبر إعادة التفكير فى العلاقة بين الجسد والمكان. إسقاط واحد ذكى، أو معالجة ضوئية واعية، يمكن أن تخلق تحولات درامية عميقة دون تحميل العرض عبئًا تقنيًا مفرطًا، لكن الكتاب لا يغفل عن المخاطر فالإفراط فى الاعتماد على الصورة قد يؤدى إلى تهميش الجسد، وتحويل الممثل إلى عنصر ثانوى داخل مشهد بصرى كثيف، هنا تعود المؤلفة للتأكيد على أن المسرح الرقمى لا ينجح إلا حين يحتفظ الجسد بمركزيته، لا بوصفه المصدر الوحيد للمعنى، بل بوصفه نقطة التقاء الوسائط كلها. الجسد هو ما يمنح الصورة وزنها، وهو ما يمنع الفضاء الرقمى من التحول إلى سطح بلا عمق، فى المحصلة، يقدم هذا القسم من الكتاب قراءة دقيقة لتحولات الجسد والسينوغرافيا فى المسرح الرقمى، قراءة لا تنحاز إلى التقنية ولا ترفضها، بل تسعى إلى فهم شروط اشتغالها الجمالى. الجسد لا يختفى فى العصر الرقمى، بل يتغير، والمكان لا يذوب، بل يعاد بناؤه وبين هذا وذاك، يظل المسرح فضاءً للتجربة الإنسانية، حتى وهو يعبر أكثر الوسائط حداثة.حين يدخل المسرح إلى المجال الرقمى، فإن أول من يواجه هذا التحول بصورة مباشرة هو الممثل، فالممثل، الذى كان تاريخيًا مركز الفعل المسرحى، وصاحِب الجسد الوحيد القادر على توليد الحضور والمعنى، يجد نفسه فجأة محاطًا بطبقات من الوسائط: صور تُضاعف جسده، أصوات تُعالَج رقميًا، شاشات تنافسه على انتباه الجمهور، وأحيانًا عناصر غير بشرية تشاركه الفضاء الأدائى، كتاب «المسرح الرقمي» يتعامل مع هذه التحولات لا بوصفها تهديدًا مباشرًا للممثل، بل بوصفها لحظة اختبار عميقة لمعنى الأداء ذاته.تنطلق ناديا ماسورا من فرضية أساسية مفادها أن الممثل فى المسرح الرقمى لا يفقد مركزيته، لكنه يُجبر على إعادة تعريفها. لم يعد الأداء قائمًا فقط على السيطرة على الجسد والصوت فى فضاء مادى، بل أصبح يتطلب وعيًا بالوسيط، وبكيفية اشتغاله، وبالطريقة التى يعيد بها تشكيل صورة الجسد وحضوره. الممثل هنا لا يؤدى «رغم» الوسيط، بل «من خلاله»، ويصبح جزءًا من منظومة أدائية مركبة تتداخل فيها الإنسانية مع التقنية.هذا التحول يفتح سؤال الهوية على مصراعيه، من هو الممثل حين تتضاعف صورته على الشاشة؟ وأين يقيم حضوره الحقيقي: فى الجسد الحى أم فى تمثيله الرقمي؟ الكتاب لا يقدّم إجابات قطعية، لكنه يصر على أن هذا التوتر بين الأصل والنسخة، بين الجسد وصورته، ليس ظاهرة طارئة، بل امتداد لتحولات فلسفية أعمق فى فهم الذات المعاصرة. الممثل فى المسرح الرقمى يصبح كائنًا «هجينًا»، لا ينتمى بالكامل إلى المجال الفيزيائى ولا يذوب كليًا فى الافتراضى، فى هذا السياق، تستعيد المؤلفة، بشكل غير مباشر، أطروحات دونا هاراواى حول «السايبورغ»، حيث يُفهم الكائن المعاصر بوصفه تركيبًا بين البيولوجى والتقنى. غير أن المسرح الرقمى لا يحتفى بهذا التركيب احتفاءً طوباويًا، بل يتعامل معه بحذر نقدى. فالممثل السايبورغى ليس بطلًا خارقًا، بل ذاتًا قلقة، تتعرض باستمرار لخطر التفكك أو التشييء إذا ما فُقد التوازن بين الجسد والوسيط.الأداء، فى هذا الإطار، يتحول من فعل إظهار إلى فعل تنسيق، الممثل لا يكتفى بإيصال الانفعال، بل ينسّق حضوره مع الصورة، يضبط توقيته مع الإسقاطات، ويعيد تشكيل إيقاعه وفق استجابة الوسيط. هذا النوع من الأداء يتطلب مهارات جديدة، لا تُدرّس عادة فى مدارس التمثيل التقليدية: وعى بالفضاء الرقمى، إدراك للتأخير الزمنى، قدرة على التفاعل مع عناصر غير مرئية أحيانًا، لكن الكتاب يرفض اختزال هذه المهارات فى بعدها التقنى. فالممثل، مهما تعقدت الوسائط، يظل مطالبًا بالحفاظ على صدق الأداء، وعلى علاقة حية مع المتلقى. التقنية قد تُضخّم الأداء أو تُجزّئه، لكنها لا تستطيع أن تحل محل الفعل الإنسانى ذاته. هنا تؤكد المؤلفة أن أخطر ما يمكن أن يحدث فى المسرح الرقمى هو تحويل الممثل إلى «مشغّل واجهة»، يؤدى حركات مضبوطة بلا توتر داخلى.يناقش الكتاب أيضًا حضور العناصر غير البشرية على الخشبة: الدمى، الروبوتات، الأفاتارات، بوصفها شركاء أدائيين. هذه العناصر لا تُطرح كمنافسين للممثل، بل كمرايا تعكس إنسانيته. حين يؤدى الممثل أمام روبوت أو صورة رقمية، فإن السؤال لا يكون: أيهما أصدق؟ بل: كيف يكشف هذا اللقاء حدود الإنسان وحدود الآلة؟ المسرح الرقمى يستخدم هذه اللقاءات لإعادة طرح أسئلة قديمة حول الذات والآخر، لكن فى صيغة معاصرة.فى السياق العربى، يكتسب هذا النقاش حساسية إضافية. فالممثل العربى غالبًا ما يرتبط بتراث أدائى يقوم على الجسد المباشر، وعلى البلاغة الصوتية، وعلى العلاقة الحميمة مع الجمهور. دخول الوسيط الرقمى قد يُنظر إليه بوصفه تهديدًا لهذا التراث. غير أن الكتاب يدعو إلى قراءة مختلفة: الوسيط لا يلغى الخصوصية الثقافية، بل يمكن أن يعيد إبرازها، إذا ما استُخدم بوعى نقدى.التحدى الحقيقى، كما يلمح الكتاب، ليس تقنيًا بقدر ما هو تربوى. كيف ندرّب الممثل على العمل داخل منظومة وسائطية دون أن نفقد جوهر الأداء المسرحي؟ كيف نحافظ على الجسد بوصفه مصدر المعنى، لا مجرد حامل للصورة؟ هذه الأسئلة تظل مفتوحة، لكنها تشكّل قلب النقاش حول مستقبل الممثل فى العصر الرقمى، فى المحصلة، يقدّم هذا القسم من الكتاب رؤية دقيقة للممثل بوصفه كائنًا يعيش فى منطقة بينية، بين الحضور والوساطة، بين الجسد والصورة، بين السيطرة والتفكك. المسرح الرقمى لا يطلب من الممثل أن يتخلى عن إنسانيته، بل أن يعيد اكتشافها داخل فضاء أكثر تعقيدًا. ومن خلال هذا التوتر، يظل الأداء المسرحى قادرًا على طرح أسئلته الجوهرية، حتى وهو يعبر أكثر الوسائط حداثة.إذا كان المسرح الرقمى قد أعاد تشكيل علاقة الجسد بالصورة، والممثل بالوسيط، فإن أثره الأعمق ربما يتجلى فى إعادة تعريف الجمهور وفى تفكيك البنية التقليدية لسلطة التأليف والإنتاج المسرحى. كتاب «المسرح الرقمي» يصل فى هذا المستوى إلى جوهر التحول، حيث لا يعود السؤال متعلقًا بالشكل فقط، بل بالسياسة الجمالية التى تحكم العلاقة بين العرض والمتلقى، وبين الفرد والجماعة، وبين المركز والهامش داخل العملية الإبداعية، الجمهور، فى المسرح الكلاسيكى، كان يُفهم غالبًا بوصفه كتلة صامتة، حاضرة جسديًا، تشارك فى الحدث عبر التلقى والانفعال، لا عبر التدخل المباشر. ومع تطور نظريات التلقى فى القرن العشرين، جرى الاعتراف بدور المتفرج فى إنتاج المعنى، لكن هذا الدور ظل فى الغالب ذهنيًا وتأويليًا.، المسرح الرقمى يربك هذه المعادلة، لأنه يتيح أشكالًا جديدة من المشاركة، تتراوح بين التفاعل المحدود والتدخل المباشر، وبين المشاهدة الحية والمتابعة المؤجلة.غير أن ناديا ماسورا تتعامل مع هذه الإمكانات بحذر نقدى واضح. فالكتاب يرفض الفكرة السائدة التى تساوى بين التفاعل والقيمة الفنية، ويحذر من تحويل الجمهور إلى «مستخدم» يضغط أزرارًا أكثر مما يعيش تجربة جمالية. المشاركة، فى تصور الكتاب، ليست هدفًا فى ذاتها، بل أداة درامية يجب أن تكون مبررة داخل بنية العرض. الجمهور لا يُستدعى ليحل محل الفنان، بل ليُدفع إلى موقع أكثر وعيًا داخل التجربة.هذا الطرح يلتقى، بشكل ضمنى، مع أفكار جاك رانسيير حول «المتفرج المُحرَّر»، حيث لا يُنظر إلى المتلقى بوصفه كائنًا سلبيًا يحتاج إلى إنقاذ، بل بوصفه ذاتًا قادرة على التفكير والتركيب. المسرح الرقمى، فى هذا السياق، لا يحرر الجمهور عبر منحه سلطة التحكم، بل عبر الاعتراف بقدرته على إنتاج المعنى داخل إطار جمالى مضبوط، فى الوقت نفسه، يفتح الكتاب نقاشًا معمقًا حول الدراماتورجيا التعاونية بوصفها البنية الإنتاجية الأنسب للمسرح الرقمى، فالعرض الرقمى لا يمكن أن يكون نتاج رؤية فردية معزولة، لأنه يقوم على تداخل تخصصات متعددة: كتابة، إخراج، تصميم بصرى، برمجة، صوت، وأحيانًا تفاعل جماهيرى. هذا التداخل يفرض إعادة توزيع للسلطة الإبداعية، ويجعل من التعاون شرطًا بنيويًا لا خيارًا تنظيميًا، تطرح المؤلفة مفهوم «نقطة البوصلة» كأداة دراماتورجية تسمح بتوحيد الرؤية دون فرض مركز صارم. هذه النقطة لا تمثل نصًا نهائيًا، بل مبدأ توجيهى، أو سؤالًا محوريًا، يعود إليه الفريق كلما تشعبت المسارات الإبداعية. بهذا المعنى، يصبح التأليف عملية مستمرة، لا مرحلة منتهية، ويغدو النص كيانًا مفتوحًا على التعديل وإعادة الصياغة، هذا التصور يعيد توزيع مفهوم المؤلف، لا يلغى وجوده، بل يضعه داخل شبكة من العلاقات. النص المسرحى فى العصر الرقمى قد يكون مونولوجات متجاورة، أو تعليمات أدائية، أو خرائط بصرية، أو حتى قواعد بيانات. الكتابة نفسها تتحول إلى ممارسة هجينة، تتقاطع فيها اللغة مع التصميم والبرمجة. هنا، لا يعود السؤال: من كتب النص؟ بل: كيف تشكّل المعنى عبر هذا التفاعل الجماعي؟حين نعيد قراءة هذه الأطروحات من داخل السياق العربى، تظهر التحديات بوضوح أكبر. فالمسرح العربى يعيش، فى كثير من تجاربه، تحت وطأة مركزية المؤلف أو المخرج، وضمن بنى إنتاج هشة لا تسمح بسهولة بتشكيل فرق متعددة التخصصات. كما أن الإمكانات التقنية، رغم تحسنها النسبى، ما زالت محدودة، ويقابلها أحيانًا خوف ثقافى من فقدان الهوية أو من «تشويه» المسرح بالتكنولوجيا.غير أن الكتاب لا يدعو إلى القفز فوق هذه التحديات، بل إلى التفكير فيها بواقعية. المسرح الرقمى، كما يُفهم هنا، لا يشترط ميزانيات ضخمة، بل يتطلب وعيًا دراماتورجيًا بكيفية استخدام الوسيط. واجهة تفاعلية بسيطة، أو إسقاط ضوئى مدروس، أو معالجة صوتية واعية، يمكن أن تفتح آفاقًا جمالية حقيقية دون أن تثقل كاهل الإنتاج.الأهم من ذلك أن المسرح الرقمى، فى السياق العربى، يمكن أن يكون أداة لإعادة قراءة التراث، لا لاستبداله. النصوص الكلاسيكية، والمرويات الشعبية، والطقوس الأدائية، يمكن أن تُعاد صياغتها عبر وسائط رقمية دون أن تفقد جذورها. الوسيط هنا لا يُستخدم لمحاكاة نماذج غربية، بل لتفجير إمكانات كامنة فى الثقافة المحلية، صدور هذا الكتاب عن مهرجان القاهرة الدولى للمسرح التجريبى يكتسب، فى هذا السياق، دلالة خاصة. فهو يضع قضية المسرح الرقمى على جدول النقاش المؤسسى، ويمنحها شرعية ثقافية كانت غائبة أو مؤجلة. الترجمة هنا ليست فعل نقل لغوى فقط، بل فعل تموضع ثقافى، يربط التجريب العالمى بحاجات محلية ملحّة.فى النهاية، لا يقدّم كتاب «المسرح الرقمي» تصورًا مغلقًا للمستقبل، بل يفتح أفقًا إنسانيًا للتفكير والعمل، هو كتاب عن المسرح، لكنه أيضًا كتاب عن الإنسان فى زمن الوسائط، عن الجسد حين يواجه صورته، وعن اللقاء حين يتغير شكله، وعن الفن حين يصر على البقاء حيًا داخل عالم يتغير بلا توقف. ومن خلال هذا الأفق المفتوح، يدعو الكتاب صناع المسرح العربى إلى ألا يقفوا خارج التحول، ولا أن يذوبوا فيه بلا نقد، بل أن يشاركوا فى صياغته بوعى، وبحس جمالى، وبشجاعة فكرية.