العدد 974 صدر بتاريخ 27أبريل2026
فى لحظة احتفاء بالمسرح كفعل إنسانى يتجاوز الحدود، كرّم ملتقى القاهرة الدولى للمسرح الجامعى، تزامنًا مع اليوم العالمى للمسرح، الفنانة والمخرجة اللبنانية مروة قرعونى، تقديرًا لمسيرتها الفنية ورؤيتها التى تنحاز للإنسان فى أدق تفاصيله.
من القاهرة، المدينة التى تحمل ذاكرة ثقافية خاصة لكل فنان عربى، تتحدث الفنانة والمخرجة اللبنانية مروة قرعونى عن التكريم، وعلاقتها بالمسرح كمساحة للمواجهة والحرية، وعن الإبداع فى لبنان كفعل مقاومة فى وجه الأزمات.
ماذا يعنى لكِ تكريمك من الملتقى الدولى للمسرح الجامعى بالقاهرة، وفى اليوم العالمى للمسرح تحديدًا؟
هذا التكريم يحمل بالنسبة لى قيمة معنوية كبيرة جدًا، لأنه لا يأتى فقط من ملتقى له حضوره وأهميته فى المشهد المسرحى العربى، بل لأنه يأتى أيضًا من القاهرة، المدينة التى كانت وما زالت تُشكّل ذاكرة فنية وثقافية عميقة لكل فنان عربى.
وتزامن هذا التكريم مع اليوم العالمى للمسرح أعطاه بُعدًا إضافيًا، وكأن اللحظة ليست شخصية فقط، بل مرتبطة بفكرة أوسع، بفكرة المسرح كفعل إنسانى مستمر. والأهم بالنسبة لى هذا العام هو أننى كنت جزءًا من هذا الحدث من خلال ترجمة رسالة اليوم العالمى للمسرح التى كتبها الممثل العالمى ويليم دافو من الإنجليزية إلى العربية حيث اعتمدتها الهيئة العربية للمسرح، وهذا الأمر كان له أثر خاص جدًا داخليًا، لأننى شعرت أننى لا أشارك فقط كفنانة على الخشبة، بل أيضًا كصوت ينقل خطابًا مسرحيًا عالميًا إلى لغتنا وواقعنا.
كيف استقبلتِ هذه اللحظة وسط هذا الحضور من المسرحيين المصريين والعرب؟
استقبلت هذه اللحظة بقدر كبير من الامتنان والتأثر، لأن الوقوف وسط هذا الحضور من المسرحيين المصريين والعرب يخلق شعورًا عميقًا بالانتماء.
لم أشعر أننى وحدى فى هذه اللحظة، بل شعرت أننى أحمل معى كل التجارب التى مررت بها، كل العروض، كل التعب، كل اللحظات التى شككت فيها أو استمرت رغم الصعوبة. كأن كل هذا المسار كان حاضرًا معى على الخشبة.
كما أن التفاعل الإنسانى كان مؤثرًا جدًا، سواء من خلال الكلمات أو حتى النظرات. كان هناك إحساس بأننا جميعًا، رغم اختلاف تجاربنا، نحمل نفس الإيمان بهذا الفن.
وهذه اللحظة أعادت لى الشعور بأن المسرح ما زال قادرًا أن يجمعنا ويخلق مساحة مشتركة بيننا.
والشكر الكبير لملتقى القاهرة الدولى للمسرح الجامعى برئاسة المخرج عمرو قابيل على هذا التكريم والاحتفالية الرائعة.
هل يمثل هذا التكريم محطة تقييم لمسيرتك أم دافعًا لمرحلة جديدة؟
أعتقد أنه الاثنين معًا، لكن ليس بطريقة تقليدية. هو ليس تقييمًا بمعنى الحكم على الماضى، بل هو فرصة للتأمل فيه.
أعود من خلال هذه اللحظة إلى بداياتى، إلى أول مرة وقفت فيها على الخشبة، إلى الأسباب التى دفعتنى لاختيار هذا الطريق. وأحاول أن أسأل نفسي: هل ما زلت قريبة من هذا الدافع الأول!
وفى الوقت نفسه، هو دافع قوى جدًا للاستمرار، لأن أى تكريم حقيقى يضعك أمام مسؤولية التطور، لا التكرار. لا يكفى أن تستمر، بل يجب أن تتغير، أن تغوص أعمق، أن تطرح أسئلة جديدة.
لذلك أتعامل معه كبداية مرحلة أكثر نضجًا، فيها وعى أكبر بما أريد قوله وكيف أريد أن أقوله.
ما القضايا التى تشغل مسرحك، وهل تغيّرت أولوياتك الفنية مع مرور الوقت؟
أنا مشغولة دائمًا بالإنسان، ليس كفكرة عامة، بل كتفاصيل دقيقة جدًا. ما يشغلنى هو ما يحدث داخل الإنسان عندما لا يراه أحد من الصراعات الداخلية، التردد، الخوف، الحاجة إلى الحب، والخذلان الذى يترك أثرًا طويلًا.
والعلاقات الإنسانية هى محور أساسى فى أعمالى، خاصة تلك العلاقات التى تحمل تناقضات: الحب الذى يتحول إلى ألم، أو القرب الذى يخفى مسافة كبيرة. كما أننى مهتمة بفكرة الصوت الداخلى، ما لا يُقال، وما يتم قمعه أو تجاهله.
ومع الوقت، أصبحت أميل أكثر إلى تعقيد الشخصيات، وعدم تقديمها بشكل أحادى. أحب أن تكون الشخصية قوية وضعيفة فى آن، ضحية ومشاركة فى ما يحدث لها. وأيضًا هناك حضور واضح لقضايا المرأة، ولكن ليس من زاوية مباشرة أو خطابية، بل من خلال التجربة الإنسانية نفسها.
إلى أى مدى يؤثر الواقع السياسى والاجتماعى على اختياراتك الإخراجية؟
لا يمكن فصل المسرح عن واقعه، حتى لو لم يكن الطرح مباشرًا. كل ما نعيشه يترك أثرًا فينا، وهذا الأثر يظهر فى العمل الفنى، سواء فى النص أو فى الأداء أو حتى فى الإيقاع.
لكننى لا أتعامل مع الواقع بشكل مباشر أو شعاراتى، لأننى لا أؤمن بالمسرح الذى يقدّم إجابات جاهزة. ما يهمنى هو كيف ينعكس هذا الواقع على الإنسان من الداخل وكيف يؤثر على علاقاته، على شعوره بالأمان وعلى قدرته على الحلم.
أحاول دائمًا أن أشتغل على المستوى الإنسانى العميق، لأننى أؤمن أن ما هو إنسانى صادق يصل أكثر من أى خطاب مباشر.
كيف ترين وضع الفنان والمبدع فى لبنان اليوم فى ظل الأزمات السياسية والاقتصادية المتلاحقة؟
الوضع صعب جدًا، والفنان فى لبنان يعيش حالة من التوتر المستمر، ليس فقط بسبب الظروف الاقتصادية، بل أيضًا بسبب عدم الاستقرار العام.
هناك تحديات يومية تبدأ من أبسط الأمور، كالإنتاج والتمويل، ولا تنتهى عند القلق النفسى. لكن رغم ذلك، هناك إصرار واضح على الاستمرار، وكأن الفن أصبح مساحة نجاة.
ما يلفتنى هو هذا التناقض،من جهة هناك انهيار فى البنية، ومن جهة أخرى هناك رغبة قوية فى الخلق والتعبير،وهذا ما يجعل التجربة اللبنانية اليوم حادة وصادقة فى الوقت نفسه.
هل أصبح الإبداع فعل مقاومة فى السياق اللبنانى؟
نعم وبشكل واضح! فى لبنان اليوم، الإبداع لم يعد خيارًا ترفيهيًا، بل أصبح فعلًا وجوديًا.
أن تختار أن تخلق، أن تكتب، أن تقف على خشبة المسرح، هذا بحد ذاته موقف. هو رفض للانهيار، ورفض للصمت، ومحاولة للحفاظ على المعنى.
الإبداع هنا هو طريقة للبقاء، ليس فقط كفنان، بل كإنسان.
ما التحديات اليومية التى يواجهها المسرحى فى لبنان سواء على مستوى الإنتاج أو الجمهور؟
التحديات كثيرة، وأبرزها الإنتاج، غياب الدعم، وصعوبة الاستمرارية. بالإضافة إلى مسألة الجمهور، حيث أصبحت الأولويات المعيشية تؤثر على الحضور المسرحى.
لكن هناك أيضًا تحديً داخليًا لا يقل أهمية: كيف نحافظ على الصدق وكيف لا نستسلم للسهولة أو التكرار وكيف نستمر فى البحث رغم التعب!
هل أثرت هذه الظروف على شكل الخطاب المسرحى؟
نعم وبشكل ملحوظ،أصبح أكثر جرأة وأكثر مباشرة أحيانًا لكنه أيضًا أكثر صدقًا.
كما أن هناك توجهًا أكبر نحو التجريب، نحو كسر الأشكال التقليدية، لأن الواقع نفسه لم يعد قابلًا للتقديم بأساليب تقليدية.
كيف ترين أهمية الملتقيات الدولية مثل هذا الملتقى فى خلق حوار بين المسرحيين العرب؟
أرى أن الملتقيات الدولية ليست مجرد مناسبات للاحتفال أو عرض الأعمال، بل هى مساحة حقيقية لإعادة التفكير فى موقعنا كمسرحيين ضمن المشهد العربى والعالمى. نحن فى العالم العربى نعيش تجارب متشابهة إلى حد كبير من حيث التحديات السياسية والاقتصادية لكن غالبًا ما نبقى معزولين داخل حدودنا الجغرافية.
هذه الملتقيات تخلق فرصة نادرة لكسر هذه العزلة، وللدخول فى حوار فعلى مع تجارب أخرى، سواء كانت قريبة منا أو مختلفة. من خلال النقاشات، والعروض، والورش، نكتشف كيف يعالج الآخرون نفس القضايا بطرق مختلفة، وهذا بحد ذاته يفتح أفقًا جديدًا للتفكير.
كما أنها تخلق نوعًا من التضامن الفنى، إحساس بأننا لسنا وحدنا فى هذه المواجهة اليومية مع التحديات. وهذا مهم جدًا، لأن المسرح بطبيعته فعل جماعى، وهذه الملتقيات تعيد تفعيل هذا البعد الجماعى على مستوى أوسع.
ماذا أضاف لكِ الاحتكاك بالجمهور المصرى تحديدًا؟
الاحتكاك بالجمهور المصرى كان تجربة غنية جدًا بالنسبة لى لأن هذا الجمهور يمتلك تاريخًا طويلًا مع المسرح، وبالتالى لديه حس عالٍ بالتلقى والفهم.
ما لفتنى بشكل خاص هو التفاعل المباشر والصادق لأنّ الجمهور المصرى لا يخفى رد فعله وهذا يخلق طاقة فورية بين الممثل والجمهور. تشعر أن هناك حوارًا حيًا يحدث فى اللحظة نفسها، وليس مجرد عرض يُقدَّم ويُستقبل بشكل صامت.
هذا النوع من التفاعل يدفعك كممثلة إلى أن تكونى أكثر حضورًا، أكثر وعيًا بكل تفصيلة، لأنك تشعرين بأن الجمهور شريك فعلى فى التجربة، وليس متفرجًا فقط.
كما أن هذا الاحتكاك أعاد لى التأكيد على فكرة أن المسرح، رغم اختلاف الثقافات، يظل لغة مشتركة، وأن الصدق فى الأداء هو ما يصل فى النهاية.
هل هناك اختلاف فى تلقى العروض بين الجمهور اللبنانى والمصري؟
الجمهور اللبنانى غالبًا ما يكون أكثر هدوءًا وتحفّظًا فى رد فعله، يميل إلى التفاعل الداخلى، وقد لا يُظهر مشاعره بشكل مباشر أثناء العرض.بينما الجمهور المصرى يتميّز بعفويته وتعبيره الواضح، سواء من خلال الضحك او التصفيق أو حتى التعليقات.
لكن هذا الاختلاف فى الشكل لا يعنى اختلافًا فى الجوهر. فى النهاية، عندما يكون العمل صادقًا، يصل إلى الاثنين بنفس القوة، لكن كل جمهور يعبّر عن هذا التلقى بطريقته الخاصة.
وسط كل هذه الضغوط، كيف تحافظين على شغفك بالمسرح؟
الحفاظ على الشغف ليس أمرًا سهلًا، خاصة فى ظل الضغوط اليومية التى نعيشها، لكننى أعتقد أن السر يكمن فى العودة الدائمة إلى السبب الأول.
أحاول دائمًا أن أسأل نفسى لماذا بدأت وماذا كان هذا الشعور الأول الذى جذبنى إلى المسرح.وغالبًا ما أجد أن الجواب مرتبط بالصدق، وبالرغبة فى التعبير، وبالحاجة لفهم نفسى والعالم.
كما أننى أحاول أن أبقى فى حالة بحث دائم، لأن الشغف يموت عندما يتحول العمل إلى تكرار. لذلك أبحث دائمًا عن تجارب جديدة، عن نصوص مختلفة، عن طرق أخرى للتعبير.
وأيضًا، الاقتراب من الناس ومن قصصهم الحقيقية، يعيد شحن هذه الطاقة. لأن المسرح فى النهاية ليس فكرة مجردة، بل هو انعكاس لحياة حقيقية.
ماذا يمثل لكِ المسرح على المستوى الشخصى؟
المسرح بالنسبة لى هو أكثر من مهنة، هو مساحة وجود ومساحة للمواجهة.مواجهة النفس أولًا، ثم مواجهة العالم. من خلاله أستطيع أن أفهم مشاعرى، أن أطرح أسئلتى، وأن أعيش حالات إنسانية ربما لا أستطيع أن أعيشها فى الواقع.
كما أنه مساحة للحرية، لأن على الخشبة يمكننى أن أكون أى شيء، وأن أقول ما لا يمكن قوله فى الحياة اليومية.
المسرح هو أيضًا علاقة عميقة مع الجمهور، لحظة تواصل إنسانى صادق، وهذا بالنسبة لى من أجمل ما يمكن أن يعيشه الإنسان.
ما المشاريع التى تحلمين بتحقيقها فى المرحلة المقبلة؟
فى المرحلة المقبلة، أطمح إلى تعميق تجربتى فى المونودراما، لأنها مساحة تمنحنى حرية كبيرة فى التعبير، وتضعنى فى مواجهة مباشرة مع الجمهور.
كما أعمل على تطوير مشاريع تمزج بين المسرح والعلاج بالفن، لأننى أؤمن أن الفن لا يجب أن يبقى محصورًا فى الإطار الجمالى فقط، بل يمكن أن يكون أداة للشفاء والتغيير.
أحلم أيضًا بإنشاء مساحة فنية تجمع بين التدريب و العروض والعمل مع فئات عمرية مختلفة بحيث يكون هناك تفاعل حى ومستمر مع المجتمع.
وبشكل عام أبحث عن مشاريع تحمل صدقًا إنسانيًا، وليس فقط شكلًا فنيًا.
هل تفكرين فى تجارب مسرحية عابرة للحدود أو تعاونات عربية أوسع؟
نعم، هذا الموضوع يشغلنى كثيرًا، لأننى أؤمن أن المسرح لا يجب أن يبقى محصورًا داخل حدود جغرافية.التجارب العابرة للحدود تفتح أفقًا جديدًا، لأنها تضعك أمام ثقافات مختلفة، طرق تفكير مختلفة، وأساليب عمل متنوعة. وهذا يخلق نوعًا من التحدى الإيجابى الذى يدفعك للتطور.
كما أن التعاون العربى مهم جدًا، لأن لدينا قضايا مشتركة وتجارب متشابهة، لكن لكل بلد خصوصيته، وهذا التنوع يمكن أن يخلق أعمالًا غنية جدًا.
أنا مهتمة بأن أكون جزءًا من مشاريع تعتمد على هذا التبادل، ليس فقط على مستوى العروض، بل أيضًا على مستوى البحث والتدريب.
كيف ترين مستقبل المسرح فى العالم العربى خلال السنوات القادمة؟
رغم كل التحديات التى نعيشها، أنا أرى أن هناك مستقبلًا حيًا للمسرح فى العالم العربى، لكنه سيكون مختلفًا.
هناك جيل جديد من المسرحيين يملك جرأة كبيرة، ولا يخاف من كسر القوالب التقليدية، وهذا أمر مهم جدًا! كما أن هناك توجهًا نحو أشكال جديدة من المسرح أكثر تجريبًا وأكثر ارتباطًا بالواقع.
فى المقابل، التحديات ستبقى موجودة خاصة على مستوى الدعم والإنتاج، لكن أعتقد أن هذه التحديات نفسها تدفع نحو الابتكار نحو إيجاد طرق جديدة للعمل.
وأنا متفائلة لأننى أرى طاقة حقيقية ورغبة فى التغيير وإصرارًا على الاستمرار وهذا هو الأساس لأى مستقبل.
لو أُتيح لكِ أن توجهى رسالة من القاهرة، فى يوم المسرح العالمى، إلى الفنانين فى لبنان.. ماذا تقولين؟
إلى بلدى الحبيب الغالى لبنان والى فنانى لبنان أقول نحن نمر بظروف صعبة جدا وقاسية لكننا ما زلنا هنا!
الفن هو ما يبقينا أحياء من الداخل، فلا تتخلّوا عنه.