العدد 973 صدر بتاريخ 20أبريل2026
صدر حديثًا عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، بوزارة الثقافة المصرية، كتاب «معجم المسرح السيري: ببليوجرافيا شارحة لتجليات السير الشعبية في المسرح العربي (1847–2025)» للباحث والناقد دكتور عبدالكريم الحجراوي، في مؤلف توثيقي موسّع يرصد مسار حضور السير الشعبية داخل التجربة المسرحية العربية عبر ما يقرب من قرنين من الزمن.
قراءة تاريخ المسرح العربي من زاوية مغايرة
وينتمي الكتاب إلى الدراسات التي تعيد قراءة تاريخ المسرح العربي من زاوية مغايرة، حيث يتتبع العلاقة العميقة بين النصوص المسرحية والموروث السردي الشعبي، واضعًا السير الشعبية في قلب هذا التفاعل كأحد أهم مصادر الإلهام التي لجأ إليها الكُتّاب والمخرجون، ويكشف هذا التتبع عن حضور ممتد يبدأ مع البدايات الأولى للمسرح العربي في القرن التاسع عشر، حين ظهرت محاولات مبكرة لاستلهام عناصر من الحكايات الشعبية والسير في صياغة نصوص تناسب الذائقة المحلية.
جهد بحثي طويل في جمع وتوثيق النصوص
ويعتمد الكتاب على جهد بحثي طويل في جمع وتوثيق النصوص، حيث يقدّم رصدًا لنحو 250 عرضًا مسرحيًا استُلهمت من السير الشعبية في 16 دولة عربية خلال الفترة من 1847م إلى 2025م، ويقدّم هذا الحصر صورة واسعة لانتشار الظاهرة وتنوعها جغرافيًا وزمنيًا، مع إبراز الفوارق في كثافة الإنتاج بين بلد وآخر، وهو ما يتيح قراءة أكثر دقة لخريطة التفاعل المسرحي مع التراث الشعبي.
ويولي الحجراوي أهمية خاصة للجانب التوثيقي التفصيلي، إذ يقدّم لكل نص بيانات دقيقة تشمل اسم المؤلف وسياقه الثقافي، وطبيعة النص من حيث الشكل الفني واللغة، إلى جانب تحديد حالته من حيث النشر أو التداول في صورة عروض مسرحية، كما تتضمن المادة ملخصات لأهم الأحداث، بما يمنح القارئ تصورًا واضحًا عن كيفية توظيف عناصر السيرة داخل البناء الدرامي.
المصادر السيرية للنصوص المسرحية
ويبرز الكتاب تنوع المصادر السيرية التي استندت إليها النصوص المسرحية، وفي مقدمتها سيرة عنترة بن شداد والسيرة الهلالية وسيرة الزير سالم، إلى جانب سير أخرى مثل الظاهر بيبرس وسيف بن ذي يزن وعلي الزيبق والأميرة ذات الهمة. ويعكس هذا التنوع ثراء المخزون الشعبي وقدرته على تغذية الخيال المسرحي بنماذج بطولية وصراعات درامية قابلة لإعادة التشكيل وفق سياقات مختلفة.
أنماط التعامل مع السير الشعبية داخل المسرح
ويطرح الحجراوي تصورًا منهجيًا لأنماط التعامل مع السير الشعبية داخل المسرح، من خلال تصنيف النصوص إلى مستويات متعددة في درجة الاقتراب من الأصل السيري. فبعض النصوص تنقل الحكاية في صورة درامية مباشرة، فيما تعيد نصوص أخرى صياغة الأحداث لتواكب قضايا معاصرة، بينما تتجه أعمال إلى إدماج شخصيات السيرة في سياقات حديثة تمنحها دلالات جديدة، ويساعد هذا التصنيف في فهم آليات التحول التي خضعت لها السير أثناء انتقالها من فضاء الحكي الشفاهي إلى خشبة المسرح.
حضور السير الشعبية في المسرح العربي
ويكشف الكتاب عن استمرارية حضور السير الشعبية في المسرح العربي عبر العقود، حيث تظهر البيانات التي يجمعها المؤلف تزايدًا ملحوظًا في الإنتاج خلال السنوات الأخيرة، بما يعكس حيوية هذا المصدر وقدرته على مواكبة التحولات الاجتماعية والسياسية، وتظهر الشخصيات السيرية في هذه العروض المسرحية بوصفها أدوات تعبير عن قضايا معاصرة، مستفيدة من رسوخها في الوعي الجمعي وما تحمله من رمزية ثقافية.
ويمثل كتاب «معجم المسرح السيري: ببليوجرافيا شارحة لتجليات السير الشعبية في المسرح العربي (1847–2025)» إضافة مهمة إلى الدراسات المسرحية العربية، لما يتيحه من مادة علمية منظمة تساعد الباحثين على تتبع الظاهرة وتحليلها، كما يفتح المجال أمام قراءات نقدية جديدة تستند إلى قاعدة بيانات واسعة ومحققة، ويقدّم الكتاب في الوقت نفسه صورة واضحة عن تداخل الإبداع الشعبي مع الفنون الحديثة، وعن الدور الذي لعبته السير الشعبية في تشكيل ملامح التجربة المسرحية العربية عبر تاريخها الطويل.
وجاء على غلاف الكتاب: «صبَّ كثيرٌ من الباحثين اهتمامهم على المسرحيات المأخوذة من ألف ليلة وليلة بوصفها المصدر الشعبي الأكبر الذي نهل منه المسرحيون العرب، وفي المقابل وضعوا السير الشعبية في مرتبة أدنى. يأتي هذا الكتاب ليُظهر بالأرقام ما للسير الشعبية من مكانة في المسرح العربي، ويكشف أنها الأكثر حضورًا والأسبق في الظهور على خشبات المسرح مقارنةً بأي مصدر شعبي آخر.
فإذا كان مارون النقاش قد قدَّم عام 1850م أول مسرحية عربية مأخوذة عن ألف ليلة: «أبو الحسن المغفَّل أو هارون الرشيد»، فإن حواراتها تستدعي شخصية عنترة بن شداد، كما أن مسرحيته الأولى «البخيل» تُسمَّى شخوصها بأسماء مأخوذة من سيرة عنترة، مثل «مالك وقراد»، وتظهر فيها كذلك قضية الصراع حول مهر هند بنت الثعلبي.
وقد سبق نقولا النقاش أخاه مارون في هذا النهج القائم على الاقتباس من التراث الشعبي بعامٍ كامل، حين ألَّف مسرحيته «ربيعة بن زيد المكدم» أو «ربيعة وعنترة» عام 1849م، وفيها يُستحضر بطل السيرة عنترة بن شداد بشكل مباشر؛ ليرسِّخ بذلك سبقَ السير الشعبية في المسرح العربي على سائر ألوان الفنون الشعبية الأخرى».
عبدالرحيم عبدالكريم الحجراوي
عبدالرحيم عبدالكريم الحجراوي، (1 سبتمبر/ أيلول 1991م) كاتب وناقد مسرحي مصري، حاصل على دكتوراه الفلسفة (PHD) في النقد المسرحي جامعة القاهرة بمرتبة الشرف الأولى التوصية بطبع الرسالة وتبادلها بين جامعات الدول العربية، و عضو باتحاد الكتاب، ونادي القصة صدرت له مؤلفات نقدية وإبداعية، منها:
المسرحية الشعرية العامية في مصر: دراسة تحليلية (1921–1986) م
تجليات السير الشعبية في المسرح العربي: دراسة تداولية (1967–2011) – دار بتانة، القاهرة.
صدمة التوحش: صورة داعش في المسرح العربي – دار العلم والفنون، الأردن.
راهب المسرح: سليم كتشنر – وزارة الثقافة، القاهرة.
الهوية: رؤية مأساوية – الهيئة العامة لقصور الثقافة، القاهرة.
كان لك معايا (مجموعة قصصية) – الهيئة العامة لقصور الثقافة.
سيرة هشة ليوم عادي (رواية) – دار بيت الحكمة، القاهرة.
نُشرت للدكتور عبد الكريم الحجراوي، عشرات المقالات النقدية والفكرية في صحف ومجلات عربية ومصرية مثل الحياة اللندنية، إندبندنت عربية، مجلة الفيصل، والنهار اللبنانية، شارك بالكتابة في العديد من المهرجانات، العامة والمتخصصة في فن المسرح، في والمؤتمرات العلمية داخل مصر وخارجها.