خروج فاطمة رشدى من الفرقة!

خروج فاطمة رشدى من الفرقة!

العدد 972 صدر بتاريخ 13أبريل2026

لاقى مشروع الفرقة القومية هجومًا كبيرًا من قبل الصحافة الفنية، وحكموا عليها بالفشل قبل أن يبدأ بأيام قليلة! وبالرغم من ذلك قاومت إدارة الفرقة هذا الهجوم، لا سيما وأنها لم تعرض مسرحية الافتتاح بعد، ولكنها أعلنت عن المسرحيات التى ستبدأ بها، وبدأت فى توزيع الأدوار وتحديد المخرجين.. إلخ. وهنا حدثت مشاكل كثيرة بين الممثلين والممثلات على توزيع الأدوار، لا سيما وأن هناك أصحاب وصاحبات فرق مسرحية كبيرة، كانوا يأمروا فيطاعوا! أما الآن فجاء عليهم الدور لينفذوا الأوامر كونهم ممثلين فقط.. لا أصحاب فرق! وأوضح مثال سنكتفى به، هو «فاطمة رشدي»!
قالت مجلة «الجامعة» تحت عنوان «كيف انسحبت الممثلة الأولى من الفرقة الحكومية»: سبب انسحاب «فاطمة رشدي» هو توزيع الأدوار، والدور الذى كان مثار النزاع هو دور «جوليا» فى رواية «المجرم» التى عربها عن الألمانية الأديب «أحمد شكري». ولما كانت «فردوس حسن» هى الممثلة التى وقع عليها اختيار المخرج «عزيز عيد» لتقوم بهذا الدور فقد حفظته استعدادًا لتمثيلة. وقد وجد عزيز أن خير من يصلح للقيام بدور الأم فى هذه المسرحية زوجته السابقة فأعطاها الدور وأعطى لنفسه دور الرجل المحبوب. ولهذا التوزيع قصة أرى أنه من حق القارئ أن يعرفها.. فدور الأم فى هذه المسرحية يدور حول زوجة هجرت زوجها تاركة وراءها ولدًا! إلى هنا مفهوم جدًا والأم ستمثلها فاطمة والزوج المهجور عزيز، وعزيز قد مثل هذا الدور فى الحياة الحقيقية وكانت بطلته فاطمة فهو يريد أن يظهر عاطفته للجمهور على المسرح وأمام نفس التى لعبت أمامه نفس الدور على مسرح الحياة! وشعرت فاطمة بأن زوجها السابق يريد أن يظهر على حسابها فأظهرت رغبتها لزميلتها فردوس فى تمثيل دور جوليا بدلًا منها، وكان من المؤكد أن ترفض فردوس الطلب وذهبت فاطمة إلى عزيز الذى ذهب بدوره ليرجو فردوس كى تترك دورها فى هذه المسرحية لزوجته السابقة! وأبت فردوس أن تتنازل عن دور أتعبت نفسها فى مذاكرته وحفظه فلم يسع عزيزًا والحالة هذه إلا أن يتصرف بنفسه فأعطى الدور لفاطمة وكانت فردوس قد ثارت على المخرج وزوجته عاصفه تمرد بين الزملاء الذين شجعوها على التمسك بدورها وعدم تركه من أجل رجاء من لهم مصالح شخصية. وجلس الممثلون لعمل بروفة المسرحية كما هى عادتهم ولكن المخرج أحضر قصة «تاجر البندقية» وابتدأ فيها ولما كانت فردوس ليست من العاملات فيها فقد فضلت الخروج، وما أن خرجت فردوس من الباب حتى أرجع المخرج ثانية رواية «المجرم» وبدأ العمل فيها. وعلمت فردوس فثارت واحتدت لأنها لا تجد من يتحيز لها هى الأخرى. ومر اليوم وفى الثانى عند حضورها أخرج عزيز مسرحية «الملك لير» وانصرفت فردوس أيضًا، فابتدأ فى «المجرم»! عندها دخلت فردوس ثائرة غاضبة وقامت معركة بين الممثلة والمخرج وزوجته، طلبت فردوس على أثرها حضور مدير الفرقة. وحضر الأستاذ مطران بك وأفهم فاطمة عندما قالت إنها حضرت لتأخذ الأدوار التى تريدها قائلًا إنهن جميعًا سواء فلم يسع كبيرة ممثلات مصر إلا الانسحاب، وخرجت تاركة وراءها جوًا متمردًا على هذا الغرور الذى أبدته فاطمة!
أكملت مجلة «الصباح» تطورات الموضوع، قائلة تحت عنوان «بيان مدير الفرقة الحكومية عن انسحاب السيدة فاطمة رشدي»: ليس من جديد بالفرقة الحكومية خلال هذا الأسبوع إلا انسحاب السيدة فاطمة رشدى بعد نتيجة التحقيق الذى أجراه حضرة الأستاذ خليل مطران مدير الفرقة، وثبت منه خروجها على النظام. ثم طلب منها أن تخضع له فلم تخضع وكان الانسحاب. وقد أفضى إلينا الأستاذ خليل مطران ببيان عن هذه المسألة قائلًا: إن غضبه من فاطمة رشدى يلتمس لها فيها العذر لأنها عاشت مدة طويلة مديرة لفرقة تمثيلية كبيرة تأمر فتطاع وتطلب فتجاب، فهى بما فعلته واجترأت عليه كانت تعتقد أن هذا الحق - حق السلطة والنفوذ – لا زال من حقها الآن كما كان فى فرقتها فكونها منعت من الوصول إلى تمثيل دور كانت تطمع فيه لم تكن تنتظره بالمرة، لذلك كانت صدمتها قوية فى الواقع صدمة شديدة، وقد أفهمتها عند تحدثى معها بعد الحادث المذكور أنها ممثلة كبيرة فعلًا، ولها فى نفوسنا منزلة كبيرة محترمة، وستسنح لها الظروف فى المستقبل بالاشتراك فى لجنة اختيار الروايات واللجنة الفنية الخ. أما توزيع الأدوار فهو فى هذا الظرف الحاضر لا يمكن لأحد أن يشوه نظامه الموضوع، فالدور لا يمكن أن يُنتزع من ممثل أو ممثلة إلا إذا كان لا يصلح له. وذلك لا يكون إلا بعد الاختبار.. قلت لها ذلك فلم تتقبل منى هذا القول وغضبت. فتركت لها الفرصة لتفكر كثيرًا فى اختيار الصالح لها، فإذا كانت ترى من مصلحتها هذا الغضب والانسحاب فنحن لا نريد أن نقف مطلقًا فى طريق هذه المصلحة لأى ممثل أو ممثلة. وإنما هذا هو نظامنا الذى نسير عليه وخطتنا التى ننتهجها ولا يمكن أن نحيد عنها. فمن ارتاح لها فنحن مرتاحون إليه.. وإذا نجح هذا العمل فلا شكر فى النجاح لنا أو له إنما الشكر للحكومة وحدها التى رصدت مبلغًا كبيرًا لا يقل فى قيمته عما ترصده أية حكومة من الحكومات لإعانة المسرح المصرى ونهضته. هذا كل ما أستطيع أن أفعله أو أقوله. والحمد لله لا أخشى شكوى تُقدم إلى جهة من الجهات فأنا رجل مهذب لم أطرق فى سبيل العمل غرضًا أوغاية، ولم أحقق مطلب صديق مهما كان له فى نفسى من معزة وإكبار. ووالله لو كان مثقال فاطمة رشدى أو جميع أعضاء الفرقة ذهبًا فلا يكون لهذا تأثير على ما يطلبه منى ضميري».
خروج «فاطمة رشدى» من الفرقة القومية قبل أن تبدأ عروضها، أحدث ضجة هائلة وأثار سؤالًا: «هل يحق للممثل أن يُعارض المخرج فى دوره التمثيلى؟».. هذا السؤال طرحته مجلة «الصباح» على مجموعة من المخرجين والممثلين، منهم «زكى طليمات» الذى قال: «هذا السؤال يتوقف على حُسن نيّة المخرج وتصرفه، وأعتقد إذا تجرد من الأهواء وعمل لصالح الرواية والفن فإنه قلما يخطئ فى إسناد الأدوار التى يعهد بها إلى الممثلين والممثلات. وفى هذه الحالة لا سبيل ولا موجب لأن يعترض الممثل على تمثيل الدور الذى عهد إليه به. وأعتقد أن الممثل الذى يحسن الظن فى مخرجه قلما يعترض على دور يُعطى إليه إذا تجرد هو نفسه أيضًا من رغبته فى أن يخص نفسه بالأدوار الكبيرة». أما «حسين رياض» فقال: «من حق الممثل بالفعل أن يراجع دوره ويجب أن تكون له حرية الرأى فى قبول الدور إذا كان يناسبه أو يعارض فيه إذا كان لا يتفق مع ميوله وروحه ومشاربه». وقال «مختار عثمان»: «إن الممثل ليس له الحق فى إبداء الرأى فى دوره سواء رضى بتمثيله أو عارض فيه». وقال «فؤاد سليم»: «اختيار الدور يجب أن يكون من حق الممثل المشهود له بالكفاءة، لأنه أدرى الناس بالشخصية التى يمثلها». وقال «حسن البارودى»: «بالتأكيد للممثل الحق فى اختيار الدور الذى يسند إليه لأنه أدرى الناس بالنوع الذى يجيده».
أما «فردوس حسن» التى كانت طرفًا فى المشكلة، فقالت: «يجب أن ترى الممثلة دورها وتراجعه جيدًا حتى تعرف إذا كانت تصلح لتمثيل الدور أو لا تصلح. لأن الممثلة لا تنجح فى كل دور يعهد إليها به، إنما نجاحها يكون مقصورًا على الأدوار التى يضعها المخرج بنفسية تتفق مع نفسيتها وطبيعتها. وليس معنى هذا أن الممثلة يجب أن تستبد بتمثيل دور كبير حتى إذا كان لا يتناسب مع شخصيتها فهذا عين الخطأ.. فرب دور صغير يناسبها كان أفضل من الدور الكبير الذى يتعارض معها ويكون سقوطها فيه لا بد منه - وإذا كانت بعض الممثلات ينظرن إلى هذه الناحية – ناحية كبر الدور وصغره.. فهذا ليس من الصواب فى شىء، فنجاح الممثلة نجاح لها فى كل شىء وخير من المادة مهما عظمت وفى هذا سمعتها وكرامتها.. لأنها بدون سمعتها وبدون نجاحها لا تعد شيئًا».
بناءً على ذلك، حاول «خليل مطران» تهدئة الأجواء، ونجح فى استرضاء «فاطمة رشدي» وإعادتها إلى الفرقة بعد أن طبق نظامًا جديدًا فى توزيع الأدوار ترضية لها. ولكن الأمر لم يستمر هادئًا، حيث خرجت «فاطمة رشدي» من الفرقة مرة أخرى ونهائيًا! ففى أواخر نوفمبر 1935 نشرت مجلة «الصباح» سؤالًا على هيئة عنوان «ماذا فى الفرقة الحكومية؟»، قالت فى إجابته: أصبحت الفرقة الحكومية مثال الكمال وحُسن الإدارة بعد أن وضعت إدارة الفرقة النظام الإدارى الذى يكفل الهدوء والسلام والطمأنينة. والأمر الوحيد الذى سبب شكوى أعضاء الفرقة هذا الأسبوع تصرفات الأستاذ «عزيز عيد» فى رواية «الملك لير» من جهة توزيع أدوارها وعدم مراعاة الأهلية والكفاءة كما يقول أعضاء الفرقة الذين استدلوا على شكواهم من الأستاذ عزيز بما يلي: أولًا، أراد أن يستأثر لنفسه بدور «الملك لير» فى الوقت الذى أجمع فيه الجميع على أن الذى يصلح لهذا الدور هو الأستاذ «جورج أبيض» دون سواه. ثانيًا، بينما الفرقة الحكومية ترى أنها فى حاجة إلى ممثلات خصوصًا فى هذه الرواية التى تحتاج إلى ثلاث سيدات يمثلن (بنات الملك)، يبخل على السيدة «فاطمة رشدي» بإعطائها دور «كورديليا» بطلة الرواية ويعطيه لزيزى عثمان، لأنه كما يقول يريد أن يرفعها بهذا الدور إلى السماء، ثم يعطى السيدة فاطمة رشدى دور «بهلول» مضحك الملك! ولكى يؤثر عليها فى قبول هذا الدور يقول لها إنه دور غلام جميل محبوب، فإذا ما قبلت فاطمة رشدى هذا الدور وظلت تعمل له البروفات على زعم أنه (غلام جميل محبوب) مدة ليست بالقليلة، عاد فأبلغها أن دور «بهلول» هذا يجب أن يكون صاحب شخصيته (أحدب) و(أكتع) و(أعرج)! فعارضته فاطمة بالحسنى فى عدم وجوب إسناد هذا الدور إليها، فلم يقبل معارضتها فقذفت بالدور وأنّبته على مرأى من الممثلين، واحتج الممثلون عليه لإسناد هذا الدور (الرجالي) إلى ممثلة، بينما هم فى حاجة إلى ممثلات، ويوجد ممثلون يصلحون لهذا الدور لم يعط لهم أدوارًا مثل الأستاذ «حسن البارودى» الذى أبلغ شكواه للأستاذ «خليل مطران». ثالثًا، رغم وجود هذه الظاهرة التى كان يجب أن يأخذ منها عزيز عبرة وعظة ويصلح ما أفسده ليجدد ثقة الممثلين به، أخذ دور (بهلول) من فاطمة وعهد به إلى زوزو حمدى الحكيم أى عهد به إلى (سيدة) - مرة أخرى - ضاربًا بالمقترحات والاحتجاجات عليه وعلى تصرفه عرض الحائط! لمثل هذه التصرفات ضج بالشكوى الممثلون، وأراد الأستاذ خليل مطران إصلاح ذات البين فأمر بأن يعهد بدور «كورديليا» بنت الملك، أى «البطلة» إلى السيدة «فاطمة رشدى». وكان المنتظر أن يكون «عزيز عيد» حكيمًا بعد هذا الحل الحاسم الذى وضعه الأستاذ خليل مطران، لكنه بعد ذلك ثار على الممثلين والممثلات دون استثناء وصمم على أن يقف كبار الممثلين «كمبارس» فى رواية «الملك لير»! وإذا أراد أن يعلم دورًا استعمل الألفاظ المستهجنة التى لا يحتملها ممثل مهما كان مركزه صغيرًا. وكان ممن أصابهم بعض هذه الألفاظ الأستاذ «حسين رياض» فتبادلا الشتائم وأخذ كل منهما يقذف الآخر بما استطاع، ولكن كفة حسين رياض كانت هى الراجحة، لأن جميع الممثلين والممثلات كانوا إلى جانبه وأعطوه الحق فيما ثار من أجله. وقالت فاطمة رشدى إنها مضطرة للانسحاب نهائيًا من الفرقة الحكومية والتفكير فى تكوين فرقة خاصة بها. وقد انقطعت عن الفرقة فعلًا، فلا نعلم إذا كانت تعود ثانيًا كالمرات السابقة أو تنفذ خطتها الجديدة بتكوين فرقة لها. وكان يوم الجمعة الماضى قبل الظهر الموعد الذى حدده الأستاذ خليل مطران مدير الفرقة الحكومية لسماع الشكايات والمقترحات فقابله وفد من الممثلين برئاسة الأستاذ حسين رياض، وقدموا إليه عريضة يطلبون فيها إيقاف الأستاذ عزيز عيد عند حده لأنه يمتهن كرامتهم أثناء البروفات، هذا من جهة ومن جهة أخرى تقدمت عريضة أخرى من كبار الممثلين بالفرقة يطلبون فيها لفت نظر الأستاذ عزيز عيد إلى أحد أمرين إما أن يهتم بإخراج رواياته وإما أن يسحب منه الثقة كمخرج وفى نفس العريضة يطلبون إسناد دور (الملك لير) إلى الأستاذ جورج أبيض وحده دون الأستاذ عزيز عيد، وإسناد دور (بهلول) إلى ممثل لا ممثلة. وقد أهتم الأستاذ خليل مطران بهذه الشكاوى كل الاهتمام.. وطلب أن يشاهد بنفسه دور (الملك لير) من الأستاذ جورج أبيض على حده، ومن الأستاذ عزير عيد على حده.. وأقيمت هذه المباراة فعلًا فى بروفة مساء السبت الماضى. كما أنه شاهد من زيزى عثمان دور «کورديليا» و(بهلول). ثم أجل إبداء رأيه فى أى الدورين أحسن إلى حين تنعقد لجنة توزيع الأدوار المكونة من الأساتذة خليل مطران، وزكى طليمات، وجورج أبيض، وعزيز عيد، وعبد الرحمن رشدى، وعمر وصفى، وحسين رياض، وأحمد علام.


سيد علي إسماعيل