العدد 972 صدر بتاريخ 13أبريل2026
فى إطار اهتمام الحركة المسرحية بالعمل على حفظ الذاكرة المسرحية الجمعية وإعادة قراءة التراث الفنى للمسرح المصرى، أهدى المكتبة المسرحية المصرية حارس ذاكرة المسرح والمؤرخ الراحل د. عمرو دوارة آخر مشروع توثيقى ضخم أتمه قبل رحيله، جسد فيه رؤية شاملة للمسرح المصرى عبر قرن ونصف من الزمن. يتمثل هذا المشروع فى الموسوعتين التوثيقتين اللتين أعدّهما ، وهما: «موسوعة فرسان المسرح المصرى المصرى”، و»موسوعة سيدات المسرح المصرى المصورة»، مع إسهام تحليلى لأحمد محمد الشريف بالتقديم والدراسة. حيث صدرتا ضمن مطبوعات الهيئة العربية للمسرح فى إصدار بمناسبة مهرجان المسرح العربى الـ16، والذى أقيم بالقاهرة فى يناير 2026. حيث تشتمل موسوعة «فرسان المسرح المصرى المُصورة» على 292 صفحة من الحجم الكبير، بينما تشمل موسوعة «سيدات المسرح المصرى المصورة» 286 صفحة من نفس الحجم. وتضم كل منهما بجانب المادة التوثيقية المكتوبة عددا كبيرا من الصور للفنانين والفنانات سواء كصور شخصية أو صور نادرة من العروض المسرحية التى شاركوا فيها.
تمثل هاتان الموسوعتان إضافة كميّة ونوعية للمكتبة العربية، كما تقدمان نموذجًا منهجيًا متطورًا فى التوثيق المسرحى، يعيد الاعتبار للذاكرة المسرحية الشعبية والرسمية على حد سواء، ويسد فراغًا تاريخيًا طالما عانت منه الدراسات المسرحية العربية.
الرؤية التوثيقية الشاملة
يكشف الدكتور عمرو دوارة عن رؤية متكاملة لمشروعه التوثيقى، الذى يندرج ضمن إطار ثلاثى الأبعاد يضم، بالإضافة إلى موسوعتى «الفرسان» و»السيدات»، موسوعة «المسرح المصرى المصورة» التى سبقتهما من إصدار الهيئة المصرية العامة للكتاب. هذا التكامل يجمع بين التوثيق النصى التحليلى للأفراد (الممثلين والممثلات)، والتوثيق البصرى الأرشيفى للعروض والفرق (الصور) ، مما يُعَد نقلة نوعية فى مفهوم الأرشفة المسرحية العربية. فبدلاً من الاقتصار على التوثيق التقليدى للنصوص والمؤلفين والمخرجين، يركز هذا المشروع على «حجر الزاوية فى العرض المسرحي»، أى الممثل، بوصفه الناقل الحى للنص إلى الجمهور عبر أدائه الجسدى والصوتى. هذه الرؤية تعكس وعيًا عميقًا بأن تاريخ المسرح ليس تاريخ نصوص ومدارس فحسب، بل هو تاريخ تراكمى لأداء الممثلين الذين يطبعون العمل الفنى بهويتهم.
موسوعة فرسان المسرح المصري
تُمثِّل موسوعة «فرسان المسرح المصرى المصورة» محاولة غير مسبوقة لرصد وتوثيق مسيرة عدد 1243 ممثل مصرى محترف، منذ بدايات المسرح الحديث عام 1870 مع فرقة يعقوب صنوع وحتى عام 2025. ما يميز هذه الموسوعة هو خروجها عن النمط التقليدى الذى يركز على نجوم الصف الأول، لتنصف الممثلين فى الأدوار الثانوية، وممثلى فرق مسارح الدولة، والمغمورين الذين ظلوا بعيدين عن الأضواء. إنها، وتعد تلك «نزعة ديمقراطية فى التوثيق»، تتعامل مع المسرح كمؤسسة جماعية يتساوى فى بنائها جميع المشاركين بغض النظر عن درجة الشهرة.
المنهجية التصنيفية المبتكرة:
بين الترتيب الأبجدى والموضوعى والزمنى
تتبنى الموسوعة منهجية تصنيفية مركبة تعتمد على ثلاثة محاور: الترتيب الأبجدى، التصنيف الموضوعى، والتتابع الزمنى. وتم توزيع الممثلين على عشرة فصول رئيسة تعكس تنوع المسرح المصري: فرسان الريادة، المسرح الغنائى، المسرح الكوميدى، المسرح الرصين، ممثلو السينما والتلفزيون الذين انضموا للمسرح، ممثلون بين الضوء والظل، ممثلو الأدوار الثانوية، ممثلو مسرح الطفل، المسرحيون المعاصرون، وأدوار كبار السن. هذه البنية لا تتيح للباحث تصفحًا سهلًا فحسب، بل تقدم «نظرة بانورامية» تمكن من تحليل سمات كل مرحلة فنية وتتبع تحولات الأساليب والأجيال.
يكتسب العمل قيمته أيضًا من تجاوزه السرد التوثيقى الجاف إلى التحليل النوعى للمسيرة الفنية، مع إرفاق السير الذاتية بتحليل دقيق للمشاركات المسرحية. كما يقدم كل فصل «مقدمة تحليلية» تبرز الإطار النظرى للتصنيف، مما يضفى على العمل بُعدًا تأصيليًا يربط بين التوثيق والنقد. ويُحسب للمؤلف د. عمرو دوارة وعيه بإشكالية تقاطع التصنيفات، حيث قد يندرج ممثل واحد تحت أكثر من فصل، مما يعكس واقع التنوع فى الممارسة الفنية.
موسوعة سيدات المسرح المصرى:
إنصاف تاريخى واجتماعى
إذا كانت موسوعة «الفرسان» تنصف المغمورين وتبرز وتؤرخ مسيرة الكبار والنجوم، فإن موسوعة «سيدات المسرح المصرى المصورة» تمثل «فعل إنصاف تاريخى ومعرفي» يعيد الاعتبار لدور المرأة كركيزة أساسية فى الحركة المسرحية المصرية. تهدف الموسوعة إلى سد فراغ كبير فى التوثيق، حيث ظل حضور المرأة فى التأريخ المسرحى حبيس الهوامش، بينما كُرِّست معظم الدراسات للرجال.
ترصد الموسوعة مسيرة المرأة المسرحية منذ الريادة المبكرة مع ليزا وماتيلده فى فرقة يعقوب صنوع، مرورًا بالرائدات الشاميات مثل ملكة سرور وميليا ديان، ثم ظهور أولى المصريات مثل لطيفة عبد الله (أول مؤلفة مسرحية عربية) ومنيرة المهدية (أول سيدة تؤسس فرقة مسرحية)، وصولاً إلى نجمات العصر الحديث. لا تقتصر الموسوعة على النجمات الشهيرات، بل تتناول أيضًا سيدات الظل والممثلات فى الأدوار الثانوية، مؤكدة أن المسرح منظومة جماعية وليس بطولة فردية.
البعد الاجتماعى والوطنى:
المرأة المسرحية كفاعل ثقافى
وقد كشفت الدراسة المصاحبة للموسوعة عن أبعاد أعمق لتجربة المرأة المسرحية، فهى لم تكن مجرد ممثلة، بل كانت رمزًا للتحرر الاجتماعى، ومرآة لصوت الأمة. لقد شاركت الفنانات فى الحراك الوطنى منذ ثورة 1919، واستخدمت الخشبة كمنبر لمعالجة قضايا اجتماعية ملحة مثل مكانة المرأة والتعليم والعدالة الطبقية. كما ساهمت فى كسر الصور النمطية وتفكيك النماذج التقليدية عن المرأة الخاضعة، مقدمة شخصيات النساء القويات والقائدات.
واجهت الممثلات المصريات تحديات مجتمعية هائلة، من رفض العائلات واضطرار الكثيرات لتغيير أسمائهن الحقيقية (كمنيرة المهدية وعقيلة راتب)، إلى القيود الاجتماعية والنظرة الدونية للمهنة. ومع ذلك، استطعن تحويل هذه العقبات إلى دافع للإبداع والريادة، فكنّ روادًا فى التأليف (لطيفة عبد الله)، والإنتاج والتمثيل (فاطمة رشدي)، وإدارة المؤسسات (سميحة أيوب فى المسرح القومي).
التكامل المعرفى والمنهجى:
إعادة بناء الذاكرة البصرية والنصية
تتميز الموسوعتان بتكاملهما المعرفى والمنهجى. فمن الناحية البصرية، تحتويان على عدد كبير من الصور الشخصية النادرة والصور الأرشيفية للعروض المسرحية، ما يخلق أرشيفًا بصريًا حيًا يعزز الوظيفة التعليمية ويساعد فى الربط بين المعلومة والملمح البصرى. هذا التكامل بين النص والصورة يمنح العمل بُعدًا توثيقيًا مضاعفًا، ويجعل منه مرجعًا يشغل الذاكرة النصية والبصرية معًا.
من الناحية المنهجية، يبرز المشروع وعيًا متقدمًا بمفاهيم التوثيق والتصنيف والفهرسة متعددة المداخل، مما يجعله صالحًا للاستخدام الأكاديمى والبحثى، ويفتح آفاقًا جديدة لدراسات المسرح المقارن والتاريخ المسرحى النقدى.
نحو ذاكرة مسرحية شاملة وعادلة
يمثل مشروع الدكتور عمرو دوارة التوثيقى، بموسوعتيه «الفرسان» و»السيدات»، إنجازًا علميًا وثقافيًا يستحق التقدير. فهو يحفظ الذاكرة المسرحية المصرية من التبدد والنسيان فحسب، كما أنه يعيد كتابتها من منظور أكثر شمولية وإنصافًا. لقد نجح المشروع فى تحويل المسرح، «فن اللحظة الزائلة»، إلى نصٍ بديلٍ دائم، ووثيقة سردية تحفظ التفاصيل الدقيقة للعطاء الفردى والجماعى.
فى وقت تشهد فيه الساحة الثقافية العربية نقاشات حول ضرورة حفظ التراث وإعادة قراءته، يقدم هذا المشروع نموذجًا عمليًا يمكن الاقتداء به فى مجالات توثيقية أخرى. إنه يؤكد أن التوثيق ليس مجرد جمع معلومات، بل هو فعل ثقافى نقدى يعيد الاعتبار للمنسيين، ويكشف عن الطبقات المهمشة من التاريخ، ويبنى ذاكرة جماعية أكثر عدالة وتكاملاً.
ختامًا، فإن موسوعتى «فرسان المسرح المصرى المصورة» و»سيدات المسرح المصرى المصورة» تمثلان إضافتين للمكتبة العربية، وهما إعلانٌ عن ميلاد وعى توثيقى جديد، يعتبر المسرح تراثًا حيًا يجب حفظه بكل تفاصيله وأبطاله المعروفين والمغمورين، رجالاً ونساءً. إنهما تحققان ما يصبو إليه أى مؤرخ: إيقاف الزمن للحظة، لالتقاط أنفاس الإبداع الخالدة، ونقلها بأمانة إلى الأجيال القادمة.