عادل حسّان: نعمل على تحويل المركز من ذاكرة للتراث إلى مصنع للمستقبل

عادل حسّان: نعمل على تحويل المركز من ذاكرة للتراث إلى مصنع للمستقبل

العدد 972 صدر بتاريخ 13أبريل2026

فى لحظة تتطلب إعادة التفكير فى دور المؤسسات الثقافية، يطرح المخرج عادل حسّان رؤية مختلفة لإدارة المركز القومى للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية، تقوم على الانتقال من منطق الفعاليات الموسمية إلى مشروع ثقافى مستدام يراكم أثره بمرور الوقت.
منذ توليه المسؤولية فى مارس 2025، سعى حسّان إلى إعادة تعريف وظيفة المركز، ليس فقط بوصفه جهة حافظة للتراث، بل ككيان حى يشتبك مع الحاضر ويصنع المستقبل، عبر تفعيل مسارات متوازية تشمل الإنتاج الفنى، والنشر، والتوثيق، ودعم المواهب، إلى جانب العمل على بناء جمهور واعٍ ومتفاعل.
وفى حواره لمسرحنا ، يكشف حسّان عن ملامح هذه التجربة بعد مرور عام على إدارتها، متحدثًا عن فلسفة العمل، والتحديات، وأبرز ما تحقق على الأرض، ورؤيته لتطوير المشهد الفنى فى مصر، فى ظل متغيرات تفرض إعادة النظر فى العلاقة بين الفن والمؤسسة والجمهور.
كشف المخرج عادل حسّان مدير المركز القومى للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية عن ملامح مشروعه داخل المركز منذ توليه المسئولية وحتى مرور عام على التجربة، متحدثًا عن الفلسفة التى تحكم العمل، وأبرز الإنجازات، وخطط تطوير المشهد الفنى فى مصر.

كيف تُقيّم الفترة منذ توليك إدارة المركز فى مارس 2025؟
منذ اللحظة الأولى، كان لدينا تصور واضح ، بأن يكون دور المركز فاعل ثقافى حقيقى، وغير قاصر على إقامة فعاليات فنية فقط ، لذلك تحركنا على أكثر من مستوى بالتوازى، سواء فى الفعاليات، أو النشر، أو التوثيق، أو دعم المبدعين.
ركزنا على فكرة الاستمرارية، بمعنى أن أى نشاط يتم إطلاقه يجب أن يكون قابلًا للتطور والبناء عليه، وليس مجرد حدث ينتهى بانتهاء موعده.
كما كان من المهم أن يكون لدينا حضور فعلى فى الشارع الثقافى، وأن نعيد ربط الجمهور بالمؤسسة، بحيث يشعر أن المركز جزء من حياته الثقافية اليومية.

ما أبرز ملامح النشاط الفنى والفعاليات التى قدمها المركز؟
اشتغلنا على إعادة إحياء «الأيام الفنية» وربطها بالهوية المصرية. لم نكتفِ بالاحتفال باليوم العالمى للفن أو الرقص الشعبى، بل حاولنا أن نقدم هذه المناسبات بشكل يعكس خصوصيتنا الثقافية.
حيث قدمنا عروضًا موسيقية حية، وأفلامًا تسجيلية، وعروضًا متحفية، إلى جانب تكريم رموز حقيقية فى كل مجال.
كما وسّعنا نطاق الفعاليات ليشمل مختلف المحافظات، ونجحنا فى تقديم ما يقرب من 100 فعالية موسيقية وغنائية.
الأهم بالنسبة لى أن هذه الفعاليات لم تكن معزولة، بل كانت جزءًا من رؤية متكاملة تهدف إلى إعادة تقديم الفنون للجمهور بشكل حى ومؤثر، وليس بشكل احتفالى تقليدى فقط.

لماذا كان من المهم تحويل بعض الفعاليات إلى قرارات رسمية؟
لأن المشكلة الأساسية فى العمل الثقافى هى غياب الاستمرارية. لذلك كنا نسعى إلى تثبيت بعض المناسبات كأيام رسمية، مثل اليوم المصرى للموسيقى فى ذكرى سيد درويش، واليوم المصرى للفنون الشعبية فى ذكرى محمود رضا.
هذا يمنح هذه الفعاليات طابعًا مؤسسيًا، ويضمن تكرارها سنويًا، وبالتالى تراكم تأثيرها. الفكرة ببساطة هى أن تتحول الثقافة إلى جزء من الذاكرة الجمعية، وليس مجرد نشاط موسمى.

كيف تعاملتم مع الجانب الفكرى والبحثى داخل المركز؟
كان من الضرورى ألا يظل المركز فى إطار النشاط الفنى فقط، لذلك عملنا على تفعيل المؤتمرات كمساحة للحوار والتفكير.
على سبيل المثال، مؤتمر “الإبداع والهوية.. صوت الشعوب” لم يكن مجرد جلسات بحثية، بل تضمن عروضًا حية، وخلق حالة من التفاعل بين الباحثين والفنانين.
كذلك مؤتمر تطوير المسرح المدرسى، الذى شارك فيه عشرات الباحثين، وخرج بتوصيات بدأنا بالفعل فى تنفيذها.
نحن نؤمن أن تطوير الفن لا يحدث بدون قاعدة فكرية تدعمه، ولذلك نحاول دائمًا الربط بين النظرية والتطبيق.

ملف المسابقات شهد توسعًا كبيرًا.. ما الهدف من ذلك؟
المسابقات بالنسبة لنا ليست مجرد منافسة، بل آلية لاكتشاف طاقات جديدة وضخ دماء مختلفة فى المشهد الثقافى.
أعدنا إحياء مسابقة توفيق الحكيم، وفتحنا المجال لمسابقات جديدة فى مجالات متعددة، منها الموسيقى والفنون الشعبية والمسرح الشعرى، بالتوازى مع دعم الكتاب الشباب.

كما حرصنا على ربط هذه المسابقات بالإنتاج الفعلى، بحيث لا تبقى النصوص حبيسة الأدراج، بل تتحول إلى عروض أو إصدارات، وهو ما يخلق دورة إنتاج حقيقية داخل الوسط الفنى.

ماذا عن الإنتاج الفنى داخل المركز؟
دخلنا بقوة فى مجال الإنتاج، وقدمنا عروضًا تحاول الجمع بين التوثيق والإبداع، مثل عرض «الحكاية.. مصر»، وعروض عن رموز مهمة مثل بديع خيرى وصلاح جاهين.
هذه الأعمال لا تهدف فقط إلى تقديم سيرة فنية، بل إلى إعادة طرح هذه الرموز فى سياق معاصر، بحيث يتفاعل معها الجمهور الجديد، وليس فقط من يعرفها مسبقًا.

كيف تم تطوير مشروع النشر داخل المركز؟
كان لدينا إدراك أن النشر أحد أهم أدوات التأثير الثقافى، لذلك أعدنا تنظيمه بالكامل، من حيث اللجان المتخصصة، وفلسفة الاختيار.
ونعمل حاليًا على إصدار مجلة دورية بعنوان “ألوان”، إلى جانب مجلة علمية محكّمة، كما أعدنا تفعيل النشر الإلكترونى للوصول إلى جمهور أوسع.
الأهم أننا ربطنا النشر بالحركة الإبداعية داخل المركز، خاصة من خلال نشر النصوص الفائزة فى المسابقات، وهو ما يضمن استمرارية الإنتاج وتداوله.

ما الهدف من إنشاء «نادى الفنون»؟
نادى الفنون يمثل محاولة لبناء جمهور واعٍ ومتفاعل، وليس مجرد متلقٍ سلبى.
من خلال النادى، نتيح ورشًا فنية، وأنشطة مرتبطة بالمتحف، وبرامج تدريبية، إلى جانب مزايا فى حضور الفعاليات. الهدف هو خلق علاقة مستمرة بين الجمهور والفن، بحيث يصبح جزءًا من التجربة، وليس فقط مشاهدًا لها.

حدثنا عن مشروع الأرشيف الوطنى للفرق المستقلة؟
هذا المشروع مهم جدًا لأنه يعالج فجوة حقيقية فى المشهد الثقافى، وهى غياب البيانات المنظمة عن الفرق المستقلة.
نعمل على إنشاء قاعدة بيانات شاملة، وتقديم دعم فنى ولوجستى لهذه الفرق، وربطها بالمؤسسات الرسمية. هذا يساعد فى التخطيط الثقافى بشكل علمى، ويمنح هذه الفرق فرصًا أكبر للظهور والعمل.

ما أبرز ملامح خطتكم لعام 2026؟
أطلقنا مبادرة «2026 عام الفنانين المصريين المعاصرين»، وهى محاولة لإعادة الاعتبار للفنان الحى، وتوثيق تجربته، وفتح حوار بينه وبين الأجيال الجديدة.
كما نعمل على مبادرات أخرى، مثل مشروع «سيناء.. بتتكلم مصرى»، ومبادرة لإحياء النشاط الثقافى داخل الجامعات، لأننا نرى أن الجامعات يجب أن تكون بيئة حقيقية للإبداع، وليس فقط للتلقى.

أخيرًا.. كيف تختصر رؤيتك للمركز؟
نحن نحاول أن ننتقل بالمركز من فكرة «حفظ التراث» إلى «صناعة المستقبل»، من خلال العمل على الإنسان، سواء كان فنانًا أو جمهورًا.
المسألة فى النهاية ليست عدد الفعاليات، بل أثرها الحقيقى فى تشكيل الوعى الثقافى.


صوفيا إسماعيل