المونودراما فى المسرح العربى

المونودراما فى المسرح العربى

العدد 972 صدر بتاريخ 13أبريل2026

فى السنوات الأخيرة، شهد المسرح المصرى والعربى حضورا متزايدا لمسرح المونودراما، ذلك الشكل الذى يقدم العرض من خلال ممثل واحد على الخشبة، محملًا بعبء النص والأداء والإيقاع الدرامى كله، فهل يعود هذا الانتشار إلى أسباب فنية وجمالية تعكس تطور لغة المسرح وتجربة الممثل، أم أنه نتاج ظروف إنتاجية واقتصادية تجعل من العرض الفردى بديلًا أكثر مرونة وأقل تكلفة للعروض الجماعية؟
كما يطرح هذا الشكل أسئلة حول التحديات التى تواجه كتابة نص المونودراما، خصوصا فيما يتعلق ببناء الصراع الدرامى وتجنب الانحدار إلى السرد المباشر، فضلًا عن متطلبات الأداء والإخراج، حيث يحتاج العرض إلى ممثل قادر على حمل النص وتقديمه بحيوية، مع الحفاظ على ثراء بصرى وجمالى رغم اقتصار الشخصيات على واحد فقط.
وفى هذا التحقيق، نسلط الضوء على دور المهرجانات المتخصصة فى تعزيز حضور المونودراما، ونبحث فيما إذا كان ازدهارها اليوم مرتبطا بهذه المنصات، ومدى إمكانية اعتبار المونودراما أحد الأشكال المسرحية المهمة فى مستقبل المسرح المعاصر وعما إذا كانت يمكن أن تحل محل المسرح الجماعى المتعارف عليه.
محمد سمير الخطيب: المونودراما ضرورة فنية وجمالية.. وهى النوع الأكثر صعوبة
قال الدكتور محمد سمير الخطيب، إن فن المونودراما يُعد من الموضوعات شديدة الأهمية فى المشهد المسرحى المعاصر، خاصة مع تزايد المهرجانات المتخصصة فيه.
ويرى أنه قبل ربط أى نوع من الفن بأى عوامل إنتاجية، ينبغى التأكيد على أن نشأته وانتشاره يرتبطان أولًا بأسباب فنية وجمالية بالأساس ثم أسباب إنتاجية، إذ إن أى شكل فنى حقيقى يفرض نفسه انطلاقا من ضرورته الفنية قبل أى اعتبارات أخرى.
ويوضح الخطيب أسباب فنية بمعنى أن هناك تركيبة وحالة مسرحية خاصة تستدعى وجود المونودراما، بمعنى أصح أن هناك حالة محددة لشخصية محددة تستحق أن تصبح نموذجا إنسانيا مكثفا يُعرض أمام الجمهور، بحيث تصبح هذه الشخصية محور التجربة الدرامية، ومن هنا تكمن أهميتها، لا فى كونها مجرد حل إنتاجى أو استجابة لظروف اقتصادية لأنه لن يشكل فارقا سوى فى الأجور، فجوهرها وهدفها الحقيقى يتمثل فى كونها تجربة فنية وجمالية قائمة بذاتها، تعتمد على ممثل واحد قادر على تجسيد هذه الرؤية.
وأشار إلى أن انتشار المهرجانات المتخصصة فى المونودراما ليس أمرا مستغربا، فعلى العكس طبيعة هذا الفن، تتيح مساحة واسعة لإبراز طاقات الممثل ومواهبه، حيث يقدم أداءً متنوعًا قد يشمل تجسيد أكثر من حالة أو المرور بتحولات نفسية ومراحل متعددة داخل الشخصية الواحدة.
وأكد الخطيب، أن المونودراما على مستوى البناء الدرامى تُعد من أكثر الأشكال المسرحية صعوبة فى تركيبها، إذ هناك اختلاف كبير بين المونودراما والسرد التقليدى أو قصة الحياة، فلا تقوم على استعراض سيرة شخصية، بل ترتكز على لحظة درامية مكثفة يتم اختيارها بعناية، من خلالها يحدث الجدل ونحفر فى الشخصية الدرامية نفسها، ومن هنا تتجلى قوتها وصعوبتها وجمالها فى آنٍ واحد ولذلك فهى نوع فنى بالغ الأهمية.
كما لفت إلى أن هذا الفن يكشف عن الممثلين الموهوبين، الاستثنائيين، إذ لا يصلح له أى ممثل، بل يتطلب قدرات خاصة ومهارات عالية، سواء على المستوى الأدائى أو فى التحكم بالإيقاع والانفعال. وبالمثل، تحتاج كتابته إلى كاتب متمكن يمتلك حسا دراميا دقيقا وقدرة على بناء إيقاع مسرحى يحافظ على انتباه الجمهور ويمنع شعوره بالملل.
واختتم الحديث بالتأكيد على أن المونودراما شكل فنى مستقل مهم، لما تحمله من خصوصية جمالية وقدرة على تقديم تجربة إنسانية عميقة ومكثفة.

أكرم مصطفى: التحدى الأكبر فى كتابة نصوص المونودراما يكمن فى الفكرة والإطار العام للنص
فيما قال المخرج أكرم مصطفى، إن انتشار فن المونودراما يرتبط ارتباطًا مباشرا بالظروف الاقتصادية والإنتاجية التى يمر بها المسرح فى الوقت الراهن، حيث يشهد الإنتاج المسرحى تراجعا ملحوظا، خاصة فى العروض التى تتناول قضايا إنسانية كبرى أو تنتمى إلى المسرح غير التجارى، وهو ما يواجه تحديات إنتاجية كبيرة سواء داخل المؤسسات الرسمية أو الفرق المستقلة، وفى هذا السياق، تبرز المونودراما كخيار عملى، نظرا لاعتمادها على شخصية واحدة، وديكور محدود يقوم غالبا على موتيفات بسيطة تخدم طبيعة العرض، لاتضطر فى الغالب لتحريك الديكور فالديكور محدود إنتاجيا، مما يشجع العديد من المبدعين على خوض تجربتها.
ويضيف أن المونودراما ليست شكلا مسرحيا مستحدثا، بل هى نوع قديم له امتدادات واشتقاقات، تعد تنويعات على هذا الشكل المسرحى، كما أن لهذا الفن جمالياته الخاصة، إذ يمنح الممثل أو الممثلة مساحة مركزية ليكون فى صدارة المشهد (برواز لتمجيد فن التمثيل) عند الممثلين، ففن المونودراما يحتفى بالممثل وقدراته ومن ثم، يتطلب هذا النوع ممثلا واعيا ومتمكنا، إلى جانب مخرج يمتلك رؤية دقيقة، قادرا على توجيه الممثل واستخراج أفضل ما لديه خلال زمن العرض، نظرا لصعوبة هذا الشكل المسرحى واعتماده الكلى على الأداء الفردى.
وأشار مصطفى إلى أن كتابة نص المونودراما تمثل تحديا حقيقيا، إذ تعانى كثير من النصوص من الوقوع فى فخ السرد المباشر أو البوح التقليدى، فالممثل يخرج أمام الجمهور مستدعيا انفعالاته عبر الحكى أو البوح، وأرى أن التحدى الأكبر يكمن فى الفكرة أو الإطار العام أو التيمة التى تبرر وجود ممثل واحد على خشبة المسرح، بحيث يكون هذا المبرر ذكيا ومقنعا، فهو الشعلة والمفتاح الأساسي  للمونودراما، وشدد على أن المونودراما تقوم فى جوهرها على عنصرين أساسيين هما نص قوى، وممثل يمتلك أدوات استثنائية.
وفيما يتعلق بالأداء التمثيلى، أوضح أن هذا النوع يتطلب ممثلا ذا كاريزما عالية، وتركيز شديد، وقدرة على التحكم فى أدواته الجسدية والصوتية، إلى جانب وعى كامل بقدراته، واستجابته لتوجيهات المخرج، فى إطار من التناغم الفنى بين الطرفين، وأشار إلى أن تحقيق هذا التوازن ليس أمرا سهلا، نظرا لندرة الممثلين الذين يجمعون بين الذكاء الفنى والانضباط والرغبة فى الالتزام برؤية المخرج.
أما على مستوى الإخراج، فأكد أن المخرج يلعب دورا محوريًا فى الحفاظ على حيوية العرض وإيقاعه وسرقته بصريا بتكتيكات العرض المسرحى، فالمونودراما نوع مسرحى ولابد من أن يكون على وعى كبير بقدراته ويمكنه توجيه الممثل على الالتزام بما يبقى العرض (صاحي) دون سقوط الإيقاع أو الانهيار بسببه، هذا بالإضافة إلى أن إدخال عناصر بصرية مثل الشاشات أو خيال الظل أو العرائس (كالأراجوز أو الماريونيت) يجب أن يتم وفق ضرورة درامية يفرضها النص، لا مقحمة لمجرد الإبهار البصرى، حتى يظل العرض متماسكا من الناحية الفنية.
واختتم حديثه منوها إلى أن المهرجانات المتخصصة كان لها دور كبير فى انتشار المونودراما فى العالم العربى، حيث تقام فى عدد من الدول مثل مصر والأردن وتونس والإمارات وغيرها، وهو ما أسهم فى دعم هذا الفن والتعريف به. ومع ذلك، يؤكد أن المونودراما لا يمكن أن تحل محل المسرح التقليدى، بل إن العلاقة بينهما تكاملية، حيث يغذى كل منهما الآخر. واستشهد مصطفى بتجربته الأخيرة فى عرض فريدة، الذى حقق نجاحا جماهيريا لافتا، وأسهم فى لفت أنظار العديد من المهرجانات العربية، معتبرا أن هذا التفاعل يمثل إضافة حقيقية وإثراء للمشهد المسرحى.

فهد الحارثي: تحولت المونودراما من حل اقتصادى إلى نوع مسرحى مستقل له تقاليده الجمالية الخاصة
فيما أكد الكاتب السعودى فهد ردة الحارثى قائلا، إنه لا يمكن إغفال أن انتشار المونودراما فى العالم العربى بصفة عامة يرتبط جدا بواقع الإنتاج المسرحى، حيث تنخفض الميزانيات المخصصة للعروض، وتقل صعوبة إدارة فرق وطواقم العمل مما يسهل السفر، وتقل جدا تكاليف العمل بشكله الإنتاجى، وبالتالى أصبح العرض الذى يعتمد على ممثل واحد وفضاء بسيط أكثر قابلية للإنتاج والتنقل والمشاركة فى المهرجانات التى ساهمت فى انتشاره والترويج لعروضه.
وأضاف “الحارثى “، ورغم أن المونودراما فى أساس تكوينها عبارة عن مسرح مختبرى يعتمد على حالة من التشابك بين مؤلف ومخرج وممثل لصناعة عمل له خصوصيته، لكن مع وفرة المهرجانات الخاصة به أصبح لهذه المهرجانات سوق رائج وظهر تجار جعلوا من هذا الشكل المسرحى فرص عمل وتربح، حتى من خلال تصدير أنفسهم كمديرى مهرجانات من أجل الترويج والاستفادة من الدعم، وعوامل متداخلة كانت سببا فى اختلاط المختلط أصلا.
وحول سمات مسرح المونودراما أشار، أنه يوفر مساحة عميقة لاستكشاف العالم الداخلى للشخصية، إذ يقوم العرض على ممثل واحد يحمل العبء الدرامى كاملًا، وهذا يتيح للمخرج والكاتب الاشتغال على التحليل النفسى للشخصية والتكثيف الدرامى واللغوى والتجريب فى الأداء الجسدى والصوتى، كما يتلاءم هذا الشكل مع الاتجاهات المسرحية الحديثة التى تميل إلى الاختزال والتجريب والتركيز على الفرد بوصفه مركز التجربة الإنسانية.
ويتسم نص المونودراما بكونه شخصية واحدة على الخشبة تقود الحدث الدرامى بالكامل، وتركيز عالٍ على البعد النفسى والداخلى للشخصية (الذاكرة، الهواجس، الصراع الداخلى)، بالإضافة للكثافة اللغوية والدرامية لأن الحوار كله يصدر من صوت واحد، وكذلك الاعتماد على المونولوج والحوار الداخلى بدل الحوار بين شخصيات متعددة، كما أنه يتسم بالاقتصاد فى المكان والحدث مع تركيز على لحظة أو تجربة إنسانية محددة، والتفاعل غير مباشر مع شخصيات غائبة عبر التذكر أو التخيل.
وتابع، أبرز التحديات فى كتابة المونودراما مقارنة بالمسرحية متعددة الشخصيات هى بناء الصراع الدرامى، ففى غياب شخصيات أخرى، يجب خلق الصراع من داخل الشخصية (صراع نفسى، أخلاقى، أو مع حدث ماضٍ) أو عبر شخصيات غير مرئية، أيضا تجنب السرد المباشر، لأنه من الخطر أن يتحول النص إلى حكاية أو خطاب بدلًا من فعل درامي؛ لذلك يجب إظهار الحدث عبر الانفعال والتصرف واللغة الحية لا عبر الحكى فقط.
ولابد من الحفاظ على التشويق والإيقاع، فصوت واحد قد يسبب الرتابة، لذا يحتاج الكاتب إلى تنويع النبرة، والذاكرة، والزمن، والمواقف، هذا إلى جانب بناء التحول الدرامى، حيث يجب أن تمر الشخصية بتطور واضح (اكتشاف، انهيار، اعتراف، قرار)، ومن ثم الاعتماد الكبير على اللغة والأداء لأن النص يعتمد على قوة التعبير والخيال المسرحى لتعويض غياب التفاعل بين شخصيات متعددة.
واسترسل، أما عن تأثير المهرجانات المسرحية لهذا النوع من المسرح، فقد ساهمت المهرجانات المتخصصة فى ترسيخ هذا الشكل وانتشاره وتعدد نوافذ عرضه، وتشجيع الكتاب والمخرجين والممثلين على إنتاج نصوص مونودرامية جديدة، ما خلق حركة مسرحية حول هذا النوع، فقد تحول إلى شكل مسرحى مستقل مع مرور الوقت، ولم تعد المونودراما مجرد حل اقتصادى أو شكل تجريبى محدود، بل نوعًا مسرحيًا مستقلًا له تقاليده الجمالية الخاصة، وتقنياته فى الأداء والإخراج،و جمهوره ونصوصه المتخصصة.

سيد عبدالرازق: المونودراما مختبر فنى معقد يختبر قدرات الكاتب والممثل
فيما شارك الكاتب المسرحى سيد عبدالرازق برأيه، قائلا:
يمكن القول إن الحضور المتزايد لمسرح المونودراما لا يمكن تفسيره بعامل واحد منفرد؛ لأنه نتيجة تفاعل جملة من العوامل الفنية والجمالية والإنتاجية فى آن، ولا يمكننى إنكار أن الظروف الإنتاجية والاقتصادية لعبت دورا مهما فى اتساع رقعة المونودراما؛ فالمسرح بطبيعته فن مكلف نسبيا؛ إذ يتطلب الصرف على المادى والبشرى، ومع تقلص الميزانيات المخصصة للمسرح فى كثير من المؤسسات الثقافية أصبح من الصعب أحيانا إنتاج العروض الجماعية الكبرى، وهنا ظهرت المونودراما كحل عملى يخفف من عبء الإنتاج، خاصة مع الاقتصاد فى عناصر السينوغرافيا، لكن من الخطأ اختزال انتشارها فى هذا العامل وحده؛ لأن المونودراما ليست مجرد بديل اقتصادى للمسرح الجماعى.
وأضاف»عبدالرازق»، فى تقديرى الدافع الجمالى والفنى هو العامل الأكبر،فالمونودراما تتيح للكاتب والمخرج والممثل مساحة واسعة للغوص فى الشخصية الإنسانية والاقتراب من عوالمها النفسية والوجودية أكثر من الصراع الخارجى بين الشخصيات؛ وهو ما يتناسب مع طبيعة العصر الحديث فالناس تشعر بالعزلة والاغتراب والهوية الفردية، كما أنها تمنح الممثل مساحة استثنائية لإبراز قدراته الأدائية؛ لأنها ميدان خصب لاختبار مهارات الممثلين وإبراز إمكاناتهم الفنية أمام جماهيرهم، مما زاد من إقبال الممثلين عليها.
وتابع، ومن ناحية أخرى، أسهمت المهرجانات المتخصصة فى ترسيخ هذا الفن وتعزيز حضوره؛ نظرا لسهولة الانتقال والتنفيذ، والمسرح فى النهاية فضاء واسع يتسع للأشكال كافة، وإذا كانت المونودراما قد فرضت حضورها فى السنوات الأخيرة، فإن ذلك يعكس حيوية المسرح العربى وقدرته على التكيف مع تحولات الواقع الثقافى والاجتماعى.
ومن أبرز التحديات التى تواجه كتابة نص المونودراما مقارنة بالمسرحية متعددة الشخصيات، فهى تُعد من أصعب أشكال الكتابة المسرحية على الإطلاق، ربما تبدو للوهلة الأولى أبسط من حيث البنية لأنها تعتمد على ممثل واحد، لكنها فى الحقيقة أكثر تعقيدا من الناحية الدرامية؛ فالمسرحية متعددة الشخصيات تملك بطبيعتها مصادر متعددة للصراع والحوار والتفاعل بين الأصوات، ولا يتوفر مثل  هذا للمونودراما، ومن هنا تنبع خصوصية هذا الفن وصعوبته، ولنأخذ مثلا بناء الصراع الدرامى، سنرى أنه ففى المسرح التقليدى يتولد الصراع من احتكاك الشخصيات بعضها ببعض، ومن اختلاف دوافعها ورغباتها ومصالحها، ومن ثم تتشكل شبكة العلاقات التى تبنى الصراع، أما فى المونودراما فالصراع لا يكون فى الغالب خارجيا بقدر ما يكون صراعا داخليا يدور داخل الشخصية، وعلى الكاتب تحويل هذا الصراع النفسى إلى فعل مسرحى حى وليس مجرد تأملات ذهنية أو اعترافات أو بوح أو حكى، مما يدعو إلى تجنب السرد المباشر، وللأسف كثير من نصوص المونودراما تقع فى فخ الحكي؛ إذ تتحول الشخصية إلى راوٍ يروى ما حدث فى الماضى بدل أن يعيشه دراميا أمام الجمهور، ومن المعلوم من المسرح بالضرورة أنه بطبيعته فن الفعل لا فن الحكاية؛ لذلك يلجأ كاتب المونودراما إلى توظيف تقنيات متعددة لتحويل السرد إلى دراما مثل استدعاء شخصيات غائبة، وهنا لا بد من وقفة؛ لأن تعدد الشخصيات التى سيجلبها إلى داخل الفعل الدرامى يستوجب تعدد الأصوات (البوليفينية) وتداخل مستويات مختلفة من الخطاب الدرامى، وإلا أصبحت الشخصيات المختلفة مجرد بوق أو أقنعة للشخصية الواحدة، يعنى يجب تعديل الخطاب ليتلاءم مع كل شحصية أيدلوجيةً ووعيًا ولغة وموقفًا.. إلخ، وهو ما شرحه ميخائيل باختين من قبل فى دراسته لأعمال دوستويفسكى، وعلى الكاتب أن يخلق هذا التعدد دون أن يفقد وحدة الشخصية المركزية، أو يمكن للكاتب بناء مواقف يتغير فيها وعى الشخصية تدريجيا، أو توظيف الذاكرة كمساحة للصراع وليس أرشيفًا لجلب الحكايات، وهذا يتطلب إدارة التحولات الزمنية بين الماضى والحاضر والمستقبل بحس درامى دقيق حتى لا يتحول النص إلى مجرد تداعيات ذهنية غير مترابطة.
واسترسل، لكن من وجهة نظرى إن أهم التحديات هو الحفاظ على الإيقاع الدرامى، عادة فى المسرحية متعددة الشخصيات يتغير الإيقاع تلقائيا مع انتقال الحوار بين الشخصيات، أما فى المونودراما فإن خطر الرتابة يظل حاضرا وبقوة؛ لذلك يحتاج النص إلى تنويع فى النبرة والأسلوب والمواقف، بحيث تنتقل الشخصية بين حالات شعورية مختلفة هدوءًا وتوترا واعترافا وإنكارًا وسخرية وألما.. إلخ، وهذا التنويع هو ما سيمنح العرض حيويته ويمنع الجمهور من الشعور بالملل؛ ولهذا أستطيع القول إن كاتب المونودراما مطالب بامتلاك درجة عالية من الاقتصاد الدرامى والتركيز الفني؛ لأن كل كلمة فى النص ينبغى أن تكون مشحونة بالدلالة، وكل حركة فيه لها وظيفة فى تطور الصراع؛ ولهذا يجب التعامل مع هذا الشكل على أنه مختبر فنى للتجريب.
وعلى مستوى الأداء والإخراج، فالمونودراما تضع الممثل والمخرج معا أمام اختبار فنى شديد الخصوصية، وكما أشرت سلفا يتطلب هذا الشكل ممثلا يمتلك قدرات استثنائية تتجاوز الأداء التقليدى فى المسرح متعدد الشخصيات؛ فهو يحتاج طاقة حضور مسرحى طاغية؛ لأنه يتحمل وحده عبء جذب الجمهور والحفاظ على تركيزه طوال العرض، وهذا بالتبعية يتطلب سيطرة كاملة على أدواته التعبيرية كالصوت والإيقاع الكلامى واللغة الجسدية والمرونة فى الانتقال السلس بين حالات شعورية متعددة.
أما على مستوى الإخراج، فالتحدى الأساسى يتمثل فى الحفاظ على حيوية العرض بصريا ودراميا؛ فالمخرج فى المونودراما لا يمكنه الاعتماد على حركة الشخصيات المتعددة لتوليد الإيقاع؛ولذلك يلجأ إلى توظيف عناصر السينوغرافيا كشريك فعلى فى الأداء، وهنا تصبح الإضاءة والفضاء المسرحى والديكور والملابس عناصر فاعلة فى بناء المعنى، بل يمكن أنسنتها وتحويلها لشخصيات كاملة، وهنا يطل المخرج المسرحى البريطانى بيتر بروك والذى كان يؤكد دائمًا أن المسرح يمكن أن يُبنى من أبسط العناصر، شرط أن تُستخدم بوعى جمالى يفتح خيال المتلقى، وفى المونودراما تحديدا يصبح هذا الاقتصاد فى العناصر مصدرًا لقوة العرض، كما أن على المخرج الاشتغال على الإيقاع الزمنى للعرض، فالمونودراما الناجحة لا تسير على وتيرة واحدة، بل تتصاعد دراميا عبر موجات من التوتر والانفراج، والمخرج هو المسؤول عن ضبط هذا الإيقاع، بحيث يشعر الجمهور بأن العرض يتطور باستمرار، لا أنه مجرد خطاب طويل لشخص واحد.
أما عن مدى إسهام المهرجانات المتخصصة فى انتشار المونودراما،ومدى اعتبارها أحد الأشكال التى قد تمثل مستقبل المسرح فقد أشار قائلا، لا أشك لحظة فى أن المهرجانات المتخصصة لعبت دورا محوريا فى ترسيخ حضور المونودراما فى المشهد المسرحى العربى خلال العقود الأخيرة، فقبل ظهور هذه المهرجانات كانت المونودراما موجودة بالفعل لكن فى نطاق محدود، وبدأت المهرجانات بعدها تحتفى بها، مما جعلها ظاهرة مسرحية واضحة المعالم، لها منصاتها وعروضها والمدونة النقدية المصاحبة لها، ومن أبرز هذه الفعاليات على المستوى العربى مهرجان الفجيرة الدولى للمونودراما، ومهرجان أيام قرطاج للمونودراما، ومهرجانات تونس والمغرب العربى والكويت والأردن ومهرجان شرم الشيخ المسرحى للشباب، والآن أصبح هناك مهرجان فى السعودية بالدمام، وستتسع الرقعة شيئا فشيئا، الأمر الذى أتاح مساحة واسعة لعرض التجارب الجديدة وتبادل الخبرات بين المسرحيين العرب، وهذه المهرجانات تعرض الأعمال وتنظم ندوات فكرية وورشا تدريبية أسهمت فى تعميق الوعى النظرى بالمونودراما وهو ما ساعد على تشكل نوع من الخطاب المعرفى حولها.
واسترسل، أتفق أن ازدهار المونودراما اليوم يرتبط إلى حد كبير بفضاء المهرجانات أكثر من ارتباطه بتحديات المسرح الجماهيرى التقليدى، والعرض المونودرامى غالبا ما يُنتج ليُعرض فى سياق مهرجانى أو ثقافى محدد حيث يتوفر جمهور مهتم بالتجريب المسرحى، خاصة فى الاتجاه للمسرح الفقير على حد تعبير جروتوفيسكى، أما فى المسارح التجارية أو الجماهيرية فلا أظن على الأقل الآن، خاصة أن النوع المسيطر على الأداء الفردى فى المسارح التجارية فن الستاند آب كوميدى، وعلى كلٍّ لن تحل المونودراما محل المسرح الجماعى بطبيعة الحال؛ لأن لكل منهما منطقه الجمالى ووظيفته التعبيرية، ولأن المسرح فن متعدد الأشكال والاتجاهات.

د. سامى الجمعان: المونودراما تحتاج إلى فكر ومهارة.. لا مجرد حضور استعراضى
فيما قال أ.د سامى الجمعان، أستاذ النقد والكاتب المسرحى،
إن حضور المونودراما المتزايد فى الفترة الأخيرة له عدة أسباب بعضها وجيه وبعضها دفعت إليه الحاجة، علما بأننى على المستوى الشخصى لا اقتنع بأن تكون الظروف غير الوجيهة سببا فى انتشار فن بعينه، والأسباب الوجيهة فى وجهة نظرى هى التحولات الفنية التى طالت الساحة المسرحية، كأن يسعى المسرح إلى التجريب ومحاولة الخروج من التقليدية التى ظلت تهمين على الساحة ردحا من الزمن، ثم سبب آخر هو الجرأة التى بدأ يتحلى بها الممثلون فى رغبتهم فى تأكيد مهاراتهم الفنية وقدراتهم الأدائية مما دفع بهم للصعود مفردين  على خشبة المسرح ، أما الأسباب غير الوجيهة من وجهة نظرى فأولها المهرجانات المسرحية التى انتشرت فى فن المونودراما الأمر الذى جعل المسرحيون يتكالبون على هذه المهرجانات، ولكن هذا أوجد حالة من التعاطى الفاتر مع فن المونو فقد أصبح الكل راغب فى تقديم هذه العروض حتى وإن كانت ضعيفة، كذلك أصبحت عروض قابله للترحال من مهرجان إلى آخر لقلة التكلفة المالية ، وهذا صنع واقعا مسرحيا موجعا بصراحة.
وأضاف «الجمعان»، أن مسألة الكتابة المسرحية للمونودراما ليست سهلة لكن الناس استسهلتها حتى لم يعودوا يفرقوا بين السرد والدراما فيها، فأصبحت النصوص صفا للكلام لا أكثر ، علما بأننى ككاتب مسرحى وكتبت للمونودراما أجدها من أصعب أنواع الكتابة بل هى تحد كبير لقدرات الكاتب ، فهى تتطلب مهارة خاصة فى ابتكار الحدث وابتكار الحالة الدرامية ، لذا  أصبحت الصبغة الغالبة عليها مؤخرا هو الحس القصصى السردى مع اختفاء تام للحس الدرامى.
وتابع الحديث مشيرا، أنه فى حال تحدثنا عن المخرج والممثل فى هذا الفن فنحن نتحدث عن قدرات خاصة إن لم تكن خارقة، والقدرات الإخراجية تكمن فى قدرة المخرج على بث روح الحياة فى النص المكتوب مع ابتكار الحيل الإخراجية القادرة على إخراج النص من حالته الميتة إلى حالة حية نابضة بالحياة، لذا فى رأيى أنه ليس كل مخرج قادر على العمل فى هذا الفن رغم تطاول الكثيرين عليه وبشكل مفجع، وهذا ينطبق على الممثل الذى يتوجب عليه أن يكون ذا قدرات خاصة وإمكانات هائلة حتى يستطيع شد الجمهور والتأثير فيه، لكن ما نعيشه الآن فى وطننا العربى خاصة مؤسف للغاية فكل من لا يجد له فرصة فى عمل مسرحى ذهب للمونودراما كحل للتواجد لا أكثر.

حمد الظنحانى: المونودراما شكل مسرحى عميق.. وستصبح شكلا مهما فى المسرح المعاصر إذا طورت لغتها وأساليبها
فيما أوضح الكاتب الإماراتى حمد الظنحانى، رئيس لجنة الندوات والفعاليات بمهرجان الفجيرة الدولى للمونودراما، قائلًا: فى ضوء تجربتى فى مهرجان الفجيرة الدولى للمونودراما، أود أن أعترف أن مسرح المونودراما فى السنوات الأخيرة شهد حضورا متزايدًا ومتميزًا فى المسرح العربى بشكل عام، ويمكن تفسير هذا الانتشار من عدة زوايا متداخلة، فمن الناحية الفنية والجمالية، يتيح هذا الشكل المسرحى مساحة عميقة لاستكشاف النفس البشرية ومساحة إلى التركيز على أهم العناصر فى الممثل المسرحى حيث تكون جميع أدوات الممثل واضحة ومكشوفة أمام الجمهور، إذ يضع المتلقى فى مواجهة مباشرة مع شخصية واحدة تتكثف فيها الأسئلة الوجودية والإنسانية، وهذه الخصوصية تجعل المونودراما قادرة على النفاذ إلى مناطق حساسة فى التجربة الإنسانية قد لا تتاح بالقدر ذاته فى المسرح متعدد الشخصيات.
وأضاف « الظنحانى»، ومن ناحية أخرى، لا يمكن إغفال البعد الإنتاجى والاقتصادى، فالمونودراما بطبيعتها أقل تكلفة من العروض متعددة الشخصيات، ما جعلها خيارا عمليا لكثير من الفرق والمؤسسات المسرحية، خاصة فى ظل التحديات الإنتاجية التى يواجهها المسرح المعاصر، لكن رغم ذلك، فإن اختزال انتشارها فى هذا السبب وحده يُعد تبسيطًا للمشهد، لأن المونودراما اليوم لم تعد مجرد بديل اقتصادى، بل أصبحت شكلا مسرحيا قائمًا بذاته له لغته الجمالية وتقنياته الخاصة.
وحول أبرز التحديات التى تواجه كتابة نص المونودراما مقارنة بالمسرحية متعددة الشخصيات أشار»حمد» مؤكدا: نصوص المونودراما تُعد من أكثر أشكال الكتابة المسرحية صعوبة، لأن الكاتب يعمل داخل فضاء محدود ظاهريا، لكنه يحتاج إلى خلق عالم درامى كامل عبر شخصية واحدة فقط، والتحدى الأكبر يتمثل فى بناء الصراع الدرامي؛ فغياب الشخصيات الأخرى يفرض على الكاتب ابتكار مصادر بديلة للصراع، مثل الصراع الداخلى للشخصية، أو استحضار شخصيات غائبة عبر الذاكرة أو الحوار المتخيل. كما أن من أهم التحديات تجنب الوقوع فى السرد المباشر أو الحكاية الطويلة، لأن المونودراما ليست خطابا أو مونولوجًا سرديًا، بل هى فعل درامى متجدد، لذلك يحتاج النص إلى تنويع الإيقاع، وتغيير مستويات الخطاب، واستثمار التحولات النفسية للشخصية كى يبقى العرض نابضا بالحركة والصراع.
وتابع الحديث موضحا، على مستوى الأداء، يتطلب هذا النوع من العروض ممثلين يمتلكون قدرات استثنائية، لأن الممثل فى المونودراما يتحمل العبء الكامل للعرض؛ فهو مطالب بالانتقال بين حالات نفسية متعددة، وإدارة الإيقاع الداخلى للعرض، والحفاظ على تواصل حى مع الجمهور طوال زمن العرض.
أما المخرج، فتكمن مهمته فى كسر وحدة الفضاء الظاهرى وإثراء العرض بصريا وسمعيا، عبر استخدام الإضاءة والسينوغرافيا والوسائط البصرية والصوتية، إضافة إلى توظيف الحركة فى الفضاء المسرحى، فالمونودراما الناجحة لا تعتمد على الممثل وحده، بل على رؤية إخراجية قادرة على خلق عالم مسرحى متكامل رغم وجود شخصية واحدة،  وأتت أيضا أساليب المسرح الحديث لخدمة فن المونودراما بوجه الخصوص، حيث أن وجود الديكور الافتراضى والتقنيات الحديثة كالشاشات والبروجكتر الليزر جاءت لخدمة هذا النوع واستخدامها يساعد المخرج والممثل فى خلق فضاء بصرى متكامل يدخل المشاهد بسرعة فى تفاصيل اللعبة المسرحية.
وحول مدى أسهام المهرجانات المتخصصة فى انتشار المونودراما، وما إذا كان ازدهارها اليوم مرتبطا بالمهرجانات فقد أكد قائلا: لا شك أن المهرجانات المتخصصة كان لها دور كبير فى تعزيز حضور المونودراما عربيا ودوليًا، لأنها وفرت منصة لعرض التجارب المختلفة وتبادل الخبرات بين الفنانين، وقد أسهمت مهرجانات متخصصة مثل مهرجان الفجيرة الدولى للمونودراما، المهرجان الأول الذى تخصص فى هذا النوع من المسرح عربيا، فى تعزيز هذا الحضور حيث كانت قبله تعرض مسرحيات المونودراما على الهامش فى المهرجانات المسرحية العربية، ولذلك جاءت الفكرة أن يكون لهذا النوع من المسرح مهرجان متخصص لهذا الفن وتطويره من خلال العروض والندوات والورش الفكرية، لكن فى الوقت نفسه، لا ينبغى النظر إلى المونودراما باعتبارها فنا مرتبطًا بالمهرجانات فقط، فنجاحها الحقيقى يكمن فى قدرتها على الوصول إلى الجمهور خارج إطار التظاهرات المسرحية، وإذا ما استمرت التجارب الإبداعية فى تطوير لغتها وأساليبها، فمن الممكن أن تمثل المونودراما أحد الأشكال المهمة فى مستقبل المسرح المعاصر، خاصة فى زمن يميل إلى التكثيف والبحث عن أشكال فنية أكثر مرونة وعمقًا.

د. محمود سعيد: المونودراما فن القبض على اللحظة
وقد أوضح د.محمود سعيد كاتب وناقد، قائلا: بكل تأكيد هناك انتشار ملحوظ ومتسارع لفن المونودراما  محليا وعربيًا، وهو مرتبط بالأساس بلعبه اللحاق بالمهرجانات المتعدده مصريًا وعربيًا وهنا نحن أمام أزمة ،أزمة السعى نحو المشاركه بالمهرجان فى الأساس لا السعى نحو تطوير فن المونودراما  أو حتى قل عشق المونودراما ذاتها، وبطبيعة الحال هذا الانتشار يرتبط بشكل طبيعى بطبيعة الإنتاج حيث الإنتاج البسيط إلى حد كبير مقارنة بالعرض الجماعى ،لذلك تفتقد المونودراما  للارتباط بالمسرح الجماهيرى فهى فقط للأسف نراها بالمهرجانات تعرض ليوم واحد وكفى، والقليل فقط مايتم عرضه بشكل أوسع إلى حد ما، إذ إننا لا نرى موسم كامل للمونودراما  مثلا إلا فى حالات نادرة ،وكثيرًا ما تكون حالات فردية ولا يتم تكرارها وكأنها أرهقت فريق العمل كله.
وأضاف»سعيد»، فن القبض على  اللحظة هى مقصودة فى حالة المونودراما ونعنى بها أنها فن الاشتباك الحقيقى مع موهبة الكتابة والتى تتطلب وعيا لا بفعل السرد بل بفعل الحركة والبوح الداخلى ،وهنا نجد مناخات الكتابة المختلفة على حد قول الكاتب السعودى فهد الحارثى، ذلك نظرا للحالة النفسية التى يعيشها الكاتب متحولا من فضاء الجمع لفضاء الفرد، الفرد الذى يستدعى ويتداعى ويحضر معه العوالم والأسماء والأفعال ويحركها فى لغة داخل النص، قبل أن تتحول لفعل الحركة على الخشبة، لذلك المونودراما  هى لعبة مؤلف فى المقام الأول الذى يعى جيدا المسافة بين السارد  والحاكي  لذلك يجب ألا تسرق لعبة الحكى والسرد كاتب المونودراما، لذا يتطلب هذا النوع ممثل يمتلك مفردات اللعبة المسرحية بشكل ملموس، فالممثل هنا هو حامل رسالة المؤلف والمخرج، فلو امتلك قدرة وبراعة وإقداما ومسئولية تلك الرسالة، سينجح فى إيصال رسالته بشكل قوى، خاصة أن المخرج بعدما يتوصل للنص المرجو يبدأ فى إعداد نص الخشبة بعد أن رسمه على الورق والأبواب والمقاعد وعلى أعمدة الإضاءة ومعه جسد الممثل الملىء بالمفردات القادرة على ترجمة رؤية المؤلف وعقلية المخرج لعرض يتفاعل معه المتلقى، فممثل المونودراما لا بد أن يكون ممثلا حاويا لديه المقدرة على ترجمة كل شىء بعد إعادة استنطاقه لاستخراج ذاته، وكل جديد، وحقا يمتلك ممثل المونودراما سلطة أعلى من المؤلف والمخرج، فهو الشخص المطلوب منه توليف كل الأطراف وتقديمها للمتلقى بعدما يصاب بحاله ذوبان فى الشخصية الواحدة داخل العرض وتنقلاته المتعددة.
وتابع، فمسرح المونودراما هو شكل متوهج من القراءة فيه يحترق الجسد واللغة معا، وفى ذات الوقت تفتح الستارة على دراما المادة الكلامية وليس فقط على القصص الإنسانية كما نعتقد، فالمسرح هنا هو المكان الذى يندفع بمادة جديدة ويحيا بهواء آخر، يكون جسد الممثل جديد مثل الضوء الذى لم يرى بعد ،لذلك فالنص يجب أن يكون منسوجا بنسج موجز وبقدرة أكثر على التحول وبقوة، ومتصل من زمن لآخر ومتجاذب، ومحرك سريع، وبأحداث قيلت سريعًا ودراما واضحة، فكل مشهد يجب أن يذهب إلى فك حبكته الخاصة، إنه مسرح لا يتخذ الإنسان كنموذج بل نسمع الزمن يمر بالإتجاه المغاير، ونعرض قصة ذاك الذهول والمرور.
واختتم حديثه منوها، ففى عروض المونودراما دوما هناك نقص مكتوب فى النص، لا بد من ترك مكان لما سوف يكتمل ويتفاعل إذ أن نسيج النص يستمر حتى يكتب مع أشياء أخرى غير الكلمات، مع شىء نحمله، وشخص يجثو، ولون يختفى، ففن المونودراما  هو فن القلق، فهو يعاد مرات ومرات كى يكتب مرة أخرى مع الجسد والفضاء، وأعود وأكرر أن مهرجانات المونودراما مهمة جدا، لكن الأهم هو فعل استمرارية عروض المونودراما، فليس من المعقول أن تكون نهاية العرض بنهاية المهرجان، وهذا يؤكد أنها ليست مسرحا مستقلا.

أحمد إسماعيل: إذا أردنا للمونودراما أن تنضج فلا يجب التعامل معها كحل اقتصادى أو استسهال
أما أحمد إسماعيل، كاتب مسرحى كردى سورى، فكان رأيه: أنه لا شك أن المونودراما تمنح الكاتب والممثل مساحة واسعة للغوص فى أعماق الشخصية الإنسانية، إذ تقوم أساسًا على كشف العالم الداخلى للشخصية أكثر مما تعتمد على الحدث الخارجى، وإذا كان ظهورها بوصفها شكلًا فنيًا يعود إلى القرن الثامن عشر، حين كتب الفيلسوف الفرنسى جان جاك روسو مسرحيته بجماليون، كما كتب الممثل الألمانى يوهان برانديز فى الفترة ذاتها مونودراما مستوحاة من التراث اليونانى، فإن هذا الفن لم ينتشر ويتبلور بوصفه شكلًا مسرحيًا واضح المعالم إلا فى القرن العشرين، ولا سيما بعد الحرب العالمية الثانية، فى كتابات المسرحيين الوجوديين والعبثيين على وجه الخصوص.
وأضاف إسماعيل، وإذا كان مردّ ذلك، فى الغالب، يعود إلى البعد الفكرى الذى وجد كتاب اللامعقول ضالتهم فى هذا الشكل الفنى، كتابة وتمثيلًا على حد سواء، لقدرته على التعبير عن قضايا أزمة الإنسان الغربى وقلق الهوية والاغتراب بتركيز عالٍ، فإن الأمر مختلف فى الساحة العربية؛ لأن الدافع إلى توسل هذا الشكل لم يكن تعبيرًا عن أزمة وجودية فكرية، رغم أهوال الحروب والتمزق الهوياتى فى المجتمع العربى، بل عن أزمة مسرحية متعددة الأبعاد: مع المؤسسة من ناحية، ومع الجمهور من ناحية أخرى، وضمن فريق العمل ناحية ثالثة. فهى والحال هذه، أزمة علاقات، لا أزمة فكر؛ وأزمة دعم مالى وإنتاج، لا خيارات إبداعية، وما يدل على ذلك، اقتصار الفرقة المسرحية الواحدة على الممثل والمخرج، دون فنيين فى مجال الديكور والإضاءة والموسيقى مثلا.
وتابع، وإذا كان هناك من يتعامل مع المونودراما كحاجة مادية أو نفسية، لا كاختراع وإبداع، لما ذكرته من أسباب، فإن ثمة مبدعين كبارًا ساهموا فى جعلها شكلًا مسرحيًا قائمًا بذاته، له تقاليده الجمالية الخاصة، حيث يبنى الكاتب فيه الصراع الدرامى الحقيقى رغم اقتصار نصه على شخصية واحدة، مركزًا على خلق صراع داخل هذه الشخصية، واستحضار شخصيات غائبة عبر عملية التذكر أو الحوار غير المباشر معها، وتوظيف الأزمنة، الماضى والحاضر. وربما المستقبل.
واسترسل، لهذا الفن تحديات كثيرة، كتابيًا وفنيًا، ويُعد السرد المباشر من أهم التحديات التى تواجه كاتب نص المونودراما؛ لأن النص إذا تحول إلى حكاية تُروى يفقد طبيعته المسرحية، لذلك يجب أن يبقى الفعل الدرامى حاضرًا، حتى لو كان داخل النفس البشرية، ولأن المونودراما مسرح، والمسرح فن عرض قبل أن يكون نصًا أدبيًا، فإن هذا التحدى الأكبر فى المونودراما يكمن فى العرض، لأن الممثل الذى لا يملك قدرات استثنائية فى الحفاظ على اهتمام الجمهور من خلال الأداء، والقدرة على التنقل بين الحالات المتعددة، والحفاظ على إيقاع العرض، سيفقد التواصل مع المتلقى بكل تأكيد، وكذلك المخرج غير  المتمكن من أدواته، وغير المدرك لخصوصية المونودراما،  فلا بد له من أن يُحسن استخدام الجسد والفضاء بمرونة، ويُدخل مستويات عديدة من الحركة والرمز البصرى، بل ويُحسن توظيف السينوغرافيا بشكل فعال.
وحول المهرجانات وتأثيرها على هذا الفن فقد أشار قائلا: لا شك فى أهمية المهرجانات فى كل أنواع المسرحيات؛ بالنسبة للمتلقى الذى تمنحه فرصة مشاهدة أنواع وتجارب مختلفة من العروض، وبالنسبة للفرق والفنانين من خلال توفيرها فضاءات لعرض التجارب الجديدة، وخاصة فى مجال المونودراما، مما يساهم فى تشجيع الكتاب والمخرجين على خوض هذا النوع من المسرح بوعى وثقة، ولعل من المفيد القول إذا كنا نريد للمونودراما أن تنضج وتصبح أحد الأشكال المسرحية التى تساهم فى تجديد لغة المسرح المعاصر وتجسد هموم الزمن وإنسانه، فعلى الفنان ألا يتعامل معها كحل اقتصادى، أو كبديل عن المسرح الجماعى. أو كرد فعل واستسهال.

اختيار المونودراما والديودراما بات خيارا واقعيا.. وسيفرضان حضورهما مستقبلا
فيما أكد الكاتب والمخرج المسرحى هانى مهران، أن المونودراما فن مستقل بذاته له جمهوره وكتابُه، لكن الفترة الأخيرة شهدت اتساع حضوره بسبب ارتفاع تكاليف المسارح وانتشار «مسرح الغرفة» والفضاءات الصغيرة، ما جعل إنتاج المونودراما والديودراما خيارًا واقعيًا مقارنة بالعروض الجماعية الكبيرة سواء ما يتعلق بإيجارات المسارح أو تجهيزات الديكور والملابس والإضاءة، فضلًا عن زيادة أجور الممثلين، وقد أسهمت المسارح الصغيرة مثل آفاق، مينى مسرح، دوار الفن، والهوسابير الذى استحدث مسرح غرفة، أسهمت فى ترسيخ هذا الاتجاه، كما تبنته المؤسسات التعليمية من خلال أنشطة سنوية تعنى بمسرح الغرفة والفضاءات المغايرة، وهو ما يواكب التحديات الإنتاجية والعدد المحدود للشخصيات وطول المسرحية وتسارع الزمن.
وأضاف»مهران»، أن مدة العروض المسرحية الكبيرة تقلصت تدريجيًا، فبعد أن كانت تمتد ثلاث ساعات أصبحت ساعتين ثم ساعة ونصف إلى ساعة، وبعض عروض المونودراما لا تتجاوز ثلاثين دقيقة، بل وتفرض بعض الجهات شروطا زمنية تترواح بين خمس عشرة وثلاثين دقيقة بما يتيح فرصة أكبر للممثلين الموهوبين، ويُعد هذا النمط المسرحى مجالا مهما لاكتشاف المواهب الجديدة فى التمثيل والإخراج، إذ يتيح لهم خوض تجربة البطولة وتحمل مسئولية العرض، بما يسهم فى صقل خبراتهم وتطوير أدواتهم، كما وتُعد كتابة المونودراما أكثر صعوبة من المسرحيات الطويلة؛ لأن تعدد الشخصيات فى الأخيرة يسهل بناء الصراع وتطوره، بينما تعتمد المونودراما على ممثل واحد - يمكنه تجسيد أكثر من شخصية - وعليه وحده أن يحقق عناصر البناء الدرامى كافة من تمهيد وصراع وتنامٍ وتصاعد وذروة ونهاية، وهو ما يتطلب خبرة كبيرة، إلى جانب دقة فى تبرير وجود الشخصية، واختيار المكان «اللوكيشن» هو الأصعب من البداية بالإضافة للزمن وبناء الصراع.
وتابع، يقع العبء الأكبر فى المونودراما على النص أولًا، ثم الممثل، ثم المخرج؛ فكلما كان النص قويا والممثل متمكنا، تراجع العبء عن الإخراج، والعكس، إن كانا ضعاف فيتعين أن يكون المخرج أكثر قوة، ومع ذلك، يظل على المخرج إيجاد حلول بصرية وضبط إيقاع العرض لتجنب الملل، وهى أمور ينبغى أن يدعمها النص من البداية من خلال بناء محكم وإيقاع متوازن ومساحات أدائية متنوعة للممثل، حيث يظل الممثل العنصر الحاسم فى هذا النوع؛ فهو سلاح ذو حدين، إذ قد يكشف العرض إمكاناته أو يفضح ضعفه، لأن المونودراما فن كاشف يقوم على حضور ممثل واحد فى مواجهة مباشرة مع الجمهور. ومن هنا، تمثل المونودراما فرصة حقيقية للممثلين، خاصة الموهوبين الذين لم يخوضوا البطولة بعد، لإثبات قدراتهم واكتساب الثقة، سواء فى أنفسهم أو لدى المخرجين.
وعن المهرجانات المتخصصة أشار قائلا: المهرجانات مثل مهرجان الساقية للمونودراما، والمعهد، ومهرجان الغرفة، تسهم بشكل كبير جدًا فى ظهور هذا النوع المسرحى، وأعتقد أنه فى المستقبل، ستسيطر المونودراما والديودراما والمسرحيات القصيرة، بحيث قد نشهد عرض برنامج يتضمن مسرحيتين أو ثلاثا فى اليوم الواحد، خاصة فى نوع الديو، وهذا يعتمد، كما قلت، على الإنتاج، والمجهود المبذول، والمسارح المتاحة وأماكن العروض. فحاليا، أماكن العروض صغيرة وقليلة، وغرف العرض أكثر من المسارح الكبيرة، وهذا أيضا مرتبط بالإنتاج كما ذكرت فى البداية، فهى مسألة زمنية واقتصادية فى آن واحد.
وأعتقد أن المسرحيات القصيرة ستصبح السمة الغالبة فى الفترة القادمة، وحتى بالنسبة للمسرحيات الكبيرة، ستصبح العروض غالبا قصيرة - نحو نصف ساعة أو 35 دقيقة - ستقل المسرحيات الطويلة بعيدا عن المهرجانات الكبيرة المعروفة التى تتطلب أوقاتا محددة، وأظن أن القادم سيكون «المينى مسرح»، مسرحية ربع ساعة، أوثلث ساعة، حيث يتردد الناس حاليا فى تسميتها مسرحيات فيقولون عنها اسكتش أو تجربة، لكن فى النهاية هى مسرحيات قصيرة، وستكون السمة الغالبة فى الفترة المقبلة.
وختامًا، أرى أن المونودراما حاليا ليست جماهيرية، قد تصبح كذلك بعد فترة، لكنها فى الوقت الحالى موجهة أكثر للجمهور المتخصص وليس للجمهور العام أو سوق المسرح التقليدية، فلا يوجد لدينا جمهور مسرحى واسع هنا، على عكس الخارج حيث يكون الجمهور كامل ويشاهد جميع أنواع المسرح، أما هنا، فلا أظن أن هناك عائلة ستشترى تذاكر، وتحجز المسرح، وتستقطع من وقتها للخروج لمشاهدة ممثل واحد فى عرض قصير مدته عشرون دقيقة فقط ثم تغادر، لكننى أعتقد أنه إذا استمر هذا النوع فى المستقبل، فسيصبح السمة الغالبة، خاصة إذا توافرت إمكانية عرض أكثر من عرض فى اليوم الواحد، فقد يؤدى كثرة العروض إلى تكوين جمهور، أما الآن، فالمونودراما مخصصة أساسًا للمتخصصين والممارسين.


روفيدة خليفة