FOMO.. حين يصبح الإنسان قربانًا للشهرة والمشاهدة فى عالم افتراضى

FOMO.. حين يصبح الإنسان قربانًا للشهرة والمشاهدة فى عالم افتراضى

العدد 971 صدر بتاريخ 6أبريل2026

فى عصر يبدو فيه الاتصال بالعالم أسهل من أى وقت مضى، يقدم عرض (Fomo) من إخراج أحمد السيد أبوموسى تجربة مسرحية تتجاوز مجرد رصد تأثيرالسوشيال ميديا، ليكشف عن الثمن الحقيقى لهذا الحضور المستمر. لا يكتفى العرض بتصوير القلق من فوات الفرص، بل يسلط الضوء على نمط جديد من الوجود، تتحول فيه الحياة نفسها إلى مادة قابلة للاستهلاك، خاصة لدى صُنّاع المحتوى والبلوجرز، الذين يجدون أنفسهم فى سباق لا ينتهى مع «الريتش». هنا، لم تعد المشاركة مجرد نقل لحظات يومية، بل أصبحت عملية مستمرة من التضحية بالخصوصية أو بالمشاعر الحقيقية، وأحيانًا بالحدود الإنسانية نفسها، من أجل البقاء داخل دائرة الضوء.
فى الوقت نفسه، يطرح العرض سؤالًا أكثر قسوة: ماذا لو كان هذا الاتصال المتواصل هو ذاته سبب شعورنا المتزايد بالوحدة؟ فالسوشيال ميديا لا تعامل كخلفية للأحداث، بل كقوة ضاغطة تعيد تشكيل وعى الأفراد وعلاقاتهم بأنفسهم وبالآخرين.
من اللحظة الأولى، يقتحم العرض ذهن المتفرج مباشرة من قلب القاعة؛ موبايلات مرفوعة، لايفات مفتوحة، وكأننا بالفعل داخل فضاء رقمى لا يفصلنا عنه ستار. لا يقدم العرض حكاية تقليدية بقدر ما يضعنا داخل حالة جيل لم يعد يكتفى بأن يعيش، بل أصبح مطالبًا بتوثيق كل لحظة وإعادة إنتاجها لتُرى وتُقاس. ومع تصاعد الأحداث يتحول هذا التوثيق إلى نوع من التورّط؛ حيث لا يعد السعى وراء «الريتش» مجرد رغبة فى الانتشار، بل مسارًا تدريجيًا من التنازلات، يبدأ بالتصنع ولا ينتهى إلا عند حدود أكثر قسوة تمسّ العلاقات والكرامة، وحتى الروابط الإنسانية الأشد خصوصية.
أربعة شباب يدخلون من وسط الجمهور، موبايلاتهم مرفوعة وكأنهم على بث مباشر، يحدّثوننا ويتحدثون إلى بعضهم البعض فى الوقت نفسه. هذه البداية ليست مجرد تمهيد، بل دعوة صريحة للمتفرج ليصبح جزءًا من عالم العرض، عالم حيث لا توجد خصوصية، ولا حدود بين ما يُرى وما يُعاش. بعبورهم هذا الفاصل، يكسر العرض الجدار الرابع، ويضعنا مباشرة داخل حالة قلق وجذب مستمر، حالة الجيل الذى لم يعد يعيش اللحظة إلا من خلال توثيقها، وتقييمها، ومقايستها بمقياس الريتش والتريند. الإضاءة النيونية الحيوية المصاحبة لهذه اللحظات، تعكس هذا الواقع الرقمى المبهر والمشتت، لتغرس فينا شعورًا أوليًا بأننا فى قلب شبكة اجتماعية حية مضاءة ومسموعة بكل تفاصيلها، قبل أن يبدأ العرض فعليًا.
ومع انفتاح الستار، لم نجد ديكورًا واقعيًا بل وجدنا أنفسنا أمام ديكور يوحى ببرودة العالم الافتراضى. وإضاءة تخفى خلف بهجتها الزائفة حالة من التوتر الدائم. لم تكن الإضاءة مجرد إنارة للممثلين، بل كانت سيميولوجيا فاقعة تعكس زيف الواقع الذى نعيشه؛ عالم ملون من الخارج، ومظلم من الداخل. فهى ليست مجرد عنصر جمالى أو خلفية للأحداث، بل تحولت إلى بطل درامى يمارس سلطته على الممثل والجمهور معًا. و يفرض العرض باليتة لونية صادمة وهى ألوان لا تنتمى للطبيعة بقدر ما تنتمى لشاشات الهواتف. هذا الاختيار لم يكن عشوائيًا، إذ تبدو الألوان نابضة بالحياة، بينما تكرّس فى العمق إحساسًا بالعزلة والزيف، وكأن الشخصيات محبوسة داخل فضاء رقمى مغلق.
أحد المحاور الأساسية فى العرض هو الكشف عن ثمن الانغماس فى عالم التريندات ووسائل التواصل الاجتماعى، وكيف يتحول السعى للشهرة والريتش إلى عملية تدمير تدريجية للعلاقات الإنسانية والحدود الشخصية. من البداية يوضح العرض أن الانخراط فى هذا العالم ليس مجرد هواية أو اختيار، بل مسار يفرض على الفرد التنازل مقابل فرصة للظهور والمشاهدة، كما فى المشاهد التى تظهر الشاب الذى يستغل حبيبته وينشر صورها أو الأم التى تُجبر من ابنها على الرقص أمام اللايفات، كل هذا يجسد بوضوح كيف يتحول كل شيء إلى مادة استهلاكية، حيث يصبح الإنسان ذاته وسيلة لتحقيق أهداف افتراضية.
العرض لا يكتفى بإظهار الانتهاكات الفردية، بل يطرح سؤالًا أوسع عن المجتمع نفسه؛ كيف أصبح الضغط على الأفراد لتحقيق الريتش جزءًا من القيم السائدة؟ وهذا يطرحه من خلال المشاهد التى تعرض الفتاة لاعبة البوكس وهى ترفض من خطيبها الخضوع لمطالب الريتش، و الصراعات العلنية بين الحبيبين بسبب السوشيال ميديا تُظهر أن هذا العالم الرقمى لا يترك مساحة للحياة الواقعية، وأن العلاقات الإنسانية تتآكل تحت ضغط الشهرة الافتراضية.
حتى اللحظات التى يظهر فيها الشباب وهم يلتقطون لايفات، ثم يبدلون الأماكن ليصبحوا فى شخصيات ليست شخصياتهم الحقيقية، تعكس بطريقة رمزية حالة التشويش النفسى التى يعيشها جيل كامل، أى أن الهوية تُباع وتُستعار من أجل الترند، والفشل فى الوصول إلى الريتش يحوّل الحماس إلى يأس، ويجعل الإنسان فى صراع دائم مع ذاته قبل أى صراع مع الآخرين. هنا يظهر العرض كمرآة لا تُغفل شيئًا؛ يوضح لنا كيف يمكن لشراهة الشهرة والرغبة فى الظهور أن تدفع أى شخص إلى التنازل عن قيمه وأمانه النفسى وفى بعض الحالات حتى عن إنسانيته.
 ينتقل بنا العرض من بريق الألوان البصرية إلى عتمة السقوط الأخلاقى، ليضعنا أمام مرآة كاشفة لتشوه علاقاتنا الاجتماعية فى عصر التريند. لم يكن مشهد «لاعبة البوكس» وخطيبها مجرد خلاف عابر، بل كان تجسيدًا لشرخ عميق فى مفهوم الرجولة والغيرة؛ حين يقترح الخطيب على حبيته «تمثيل واقعة تحرش» لجذب المشاهدات، فنحن هنا أمام حالة من قتل النخوة من أجل «اللايك». ويظهر فى الخلفية الرجل المسؤول وصوفيا حيث يقفان فى مكان أعلى كآلهة تبارك هذا التفكك.
أما الذروة الدرامية التى زلزلت وجدان الحضور فتمثلت فى مشهد «الابن وأمه»، حينما صرخ الابن فى وجه أمه لعدم إجادتها الأداء أمام الكاميرا، وإجبارها على الرقص من أجل التفاعل، مشهد يلخص مأساة جيل فقد النخوة و الانتماء للواقع.
وتكتمل لوحة الخذلان الاجتماعى فى مشهد «لى لي»، العروس التى تُركت وحيدة فى ليلة زفافها برسالة صوتية باردة. لم تكن القسوة فى هجر الحبيب فحسب، بل فى «الجمهور/المعازيم» الذين تحولوا إلى عدسات هواتف مسلطة على انكسارها. فى هذا المشهد، يتضح أن «الآخر» فى عالم السوشيال ميديا لم يعد سندًا، بل أصبح مشاهدًا ينتظر سقطة الآخرين ليرفع بها رصيده من التفاعل.
لا يمكننا تجاوز دور شخصيتى «في» و «سي». فظهورهما بملابس لونها أسود وتقديمهما لنصائح مسمومة (مثل المراهنات أو نشر صور مسيئة للبنات) يعكس كيف أصبحت الخوارزميات هى الشيطان الذى يهمس فى أذن الإنسان بأن طريق النجاح يبدأ بالتخلى عن الآخر، وأن أول شروط الشهرة هى الوحدة والتنازل.
ولا تكتمل مأساة البعد الاجتماعى إلا بمشهد «الضحية الكاذبة»، الفتاة التى تظهر فى لايف باكية لتدعى اعتداء والدها عليها. هنا يطرح العرض أقصى مراحل التدهور الاجتماعى، فالمجتمع الرقمى لم يعد يكتفى بتصوير الواقع، بل صار يخترع واقعًا قبيحًا (حتى لو كذب) من أجل المشاهدات.
قدم العرض تجربة مسرحية متكاملة، تتجاوز القصة التقليدية لتصبح تحليلًا حقيقيًا للمجتمع المعاصر. إنه ليس مجرد نقد للرقمية أو الشهرة، بل دعوة للتفكير والتساؤل عن الثمن الذى ندفعه مقابل أن نُرى، مقابل أن نكون جزءًا من عالم افتراضى لا يرحم، وعن إمكانية استعادة حياتنا بصدق بعيدًا عن العدسات والإشعارات.
فى نهاية العرض يتركنا المسرح أمام مرآة مكبرة لعالمنا الرقمي؛ عالم أصبحت فيه الخصوصية سلعة، والعلاقات الإنسانية رهينة للتريند، والهوية الشخصية قابلة للاستبدال بمقاييس الريتش والشهرة. المخرج لا يقدم حلولًا جاهزة، لكنه يضع المتفرج أمام تساؤلات حقيقية: هل نحن أبطال حياتنا أم مجرد أدوات فى لعبة رقمية أكبر؟ وهل يمكن أن نعيش بصدق فى عالم يطلب منا التنازل المستمر عن قيمنا ومشاعرنا لأجل الظهور؟


نورهان ياسر