العدد 970 صدر بتاريخ 30مارس2026
لم تكن تلك اللحظة التى استقر فيها نصل سكين متولى فى صدر شفيقة إعلانًا لنهاية المأساة، بقدر ما كانت بداية اللعنة الأبدية، تضرب بجذورها فى بنية مجتمعية زائفة، تتخفى خلف قناع الموروث الشعبى الصارم، إذ إن فعل «غسل العار» فى هذا العرض يتجاوز كونه واقعة جنائية أو تقليدًا شرقيًا متوارثًا، ليتحول إلى تجسيد حى لشبكة معقدة من العلاقات المأزومة، فبين سلطة المجتمع الذى يفرض حضوره العنيف، وبين آليات المراقبة الاجتماعية التى تمارسها العيون المتربصة، يجد متولى نفسه ممزقًا بين ذوات متعددة، إنها تراجيديا للذات الخاضعة التى تتوهم استرداد شرفها بالدم، بينما هى فى الحقيقة ترضخ لسيناريو مكتوب سلفًا، ومن هنا، يصبح القتل فعلًا انتحاريًا بامتياز.
على خشبة مسرح الطليعة، يقدم العرض المسرحى )متولى وشفيقة( تأليف محمد على إبراهيم، وإخراج أمير اليمانى، برؤية تنخلع عن عباءة الموروث الشعبى التقليدى لتعيد صياغة المأساة بوعى مغاير نجح المؤلف فى تجسيده، فلا تحضر الحكاية كما ألفناها فى المعالجات السابقة، بل تتشكل من خلال عيون «متولي» الذى وُضع فى مواجهة بين إملاءات السلطة وهشاشة الوجود الإنسانى، فتقديم اسم «متولى» فى عنوان النص ليس مجرد تقديم لغوى، بل هو حضور دلالى يجعل منه «الآثم الأكبر» الذى حمل على عاتقه وزر (غسل العار).
(الخطاب - السلطة) كنظام للبنية الدرامية
اعتبر ميشيل فوكو الفيلسوف الفرنسى والمنظر الاجتماعى، أن الخطاب ممارسة سياسية تنشئ من علاقات السلطة والكيانات الاجتماعية التى نشأ فيها، باعتباره ممارسة ايديولوجية يًكون فيها دلالات العالم ويطبعها ويحافظ عليها، فيصبح الخطاب ليس فقط تصور لبناء المجتمع ولكن انعكاس للحقيقة الاجتماعية العميقة.
يفتتح العرض على كابوس متولى، وهو ليس مقدمة درامية بل بنية تأسيسية لخطاب العرض، حيث يتلاشى الفاصل بين الزمن الواقعى والمتخيل ليتحول المسرح إلى «مختبر نفسي» يستعيد فيه البطل شتات ذاكرته، وبين براءة الطفولة المستعادة فى «فلاشات» اللعب مع شفيقة وقسوة الحاضر الملطخ بالدم، يجد متولى نفسه محاصرًا داخل (فضاء/ سجن منضبط) بمجموعة من الهلاوس، حيث تكمن براعة المعالجة فى جعل الكابوس هو «الحقيقة الوحيدة»، والواقع الخارجى (القتل) فعلًا آليًا فرضته السلطة كما يرها فوكو فى قدرتها على تشكيل خضوع الفرد كفاعل اجتماعى نتاج تلك السلطة الممارسة عليه، وبذلك صار وعى متولى نفسه سجنًا تدور فيه جريمة وأد براءته قبل أخته، ليصبح الكائن المغترب الذى يواجه المجتمع بجرحه المفتوح لا بخجله.
وفى هذا الفضاء المتخيل، بقيت «شفيقة» طيفًا يسكن الماضى، وجسدها المخرج عبر تقسيمها لثلاث مراحل عمرية: الطفولة (دالا حربي)، المراهقة (منة اليماني)، الشابة (يسرا المنسي)، فى قراءة سيميائية للتحول القهرى للأنثى من الحرية إلى سياط الانضباط والسكينة القسرية خلف الجدران، فهذا التقسيم عمق مأساوية المساحة العاطفية مع متولى «الأب البديل»، ففى غيابه، اصطدمت شفيقة بواقع جاف دفعها لارتماء فى أحضان «دياب» الذى لم ينتزع براءتها فحسب، بل (شرخ بوجوده طبق عذريتها)، الشرخ الذى تجاوز جسدها ليصيب كيان البيت والمجتمع بأكمله.
(صابر- نواره- دياب) كأدوات للسلطة المعرفية فى فضاء متولى
يتجلى منظور فوكو لسلطة المعرفة من خلال « صابر ونوارة ودياب»، فظهروا كتجسيد حى لـسلطة معرفة المجتمع التى تغلغلت فى أدق تفاصيل الوجود الإنسانى وتطوعها لنظام الخطاب السائد، «صابر» (إسلام مصطفى) ابن العم والعريس المرفوض، يبرز هنا كتمثيل للمؤسسة التى ترى فى جسد الأنثى ملكية عامة تخضع لقوانين القرابة والدم، فحين رفضته شفيقة كتمرد صريح على الخطاب الذى يمنح الذكر سلطة الامتلاك المطلق فى مقابل الاختيار العاطفى فجاءت شفيقة كمثال للاختيار الحر لمن يمتلك جسدها وروحها، ليتشكل صابر من جديد فى صورة «أداة ضبط» محرضه على القتل ( اغسل عارك يا متولي)، ليس بدافع استرداد الشرف فحسب، بل انتقامًا لسيادة المؤسسة التى انكسرت أمام «اختيار/ رفض» شفيقة الحر.
أما «نوارة» (تقى طارق) فتبرز كأداة لترميم الوعى الجمعى، فهى «صوت الضمير الزائف» الذى يسعى لشرعنة القتل وتثبيت العرف فى وعى متولى المنهار. وبقولها (شفيقة غلطت وكان لازم تتحاسب)، لا تمارس مواساة عاطفية، بل تمارس دور «الحاكم الاجتماعي» الذى يبرهن على نجاح الخطاب السلطوى فى «استعمار عقل الأنثى»، لتتحول من ضحية للانتظار إلى حارسة وفية لزنزانة العُرف، متبنيه معايير «الفضيلة» الزائفة لتبرير ذبح «الأنثى الآخر».
(سلطة القمع واستباحة الجسد)
فى إشارة فوكو إلى أن السلطة ليست مقصورة على الدولة ولكنها متغلغلة فى نظم العلاقات المعقدة فشملت الأجساد وإرادة الحياة وتوجيه السلوك، فتصبح شخصية «دياب» (أحمد عوده) نموذجًا «السلطة القمعية/المعرفية» فى أقسى تجلياتها الطبقية، فهو «ابن البيه» الذى استباح جسد شفيقة كفعل «إخضاع» مستغلًا غياب الحماية، وحين طلبت منه الستر سخر منها طبقيًا (ابنة الأُجرى تطلب الستر)، وتتجلى المفارقة السلطوية فى مشهد «الجهادية»، فبرغم تفوق متولى الرتبى «كـشاويش»، يظل دياب «المجند» ممسكًا بزمام «السلطة المعرفية»، ليغرس خنجر الوشاية فى وعى متولى ويورطه بدم أخته تخلصًا من شاهدة جريمته، فبدل ملاحقة الجانى، يخضع متولى لنسق المجتمع الذى يرى أن «الجسد الأنثوى وعًاء للشرف»، ليصبح «الشاويش» ضحية لسطوة «المجند» الطبقية، ومطاردًا بلعنة القتل بدلًا من استرداد الحق.
( سلطة التآكل النفسى بذات خاضعة )
يتجلى الأداء التمثيلى لمتولى (محمد فريد) فى تجسيد « التحولات الجذرية» للذات البشرية تحت وطأة الضغط، فقد استطاع تقديم المعادلة النفسية بالغة التعقيد، حيث انتقل ببراعة من «الأخ الحنون» الذى يمثل الاحتواء، إلى «القاتل» الذى لا يحركه الحقد بل الخوف من انكسار الهوية أمام الجماعة، وصولًا إلى ذروة الأداء فى مرحلة «الهذيان النفسي»، إذ تحول جسده إلى وعاء للصدمة، يعيش لعنة قتل «حبيبته الأولى» (أخته)، لنجد ذروة التآكل الوجودى لملامحه لتتماهى مع جدران البيت الصماء، فى استعارة بصرية بليغة عن ضياع «الهوية الفردية» وابتلاعها داخل «الكتلة الجماعية»، متولى: (ملامحى تاهت جوه حطان البيت)، إن هذا الذوبان ليس مجرد هلوسة بصرية او هذيان كابوسى، بل هو إعلان عن موت «الذات» التى لم تعد تحتمل ثقل «القناع» الذى فرضه عليها المجتمع تحت وطأة «يقينٍ مزيف» بأن الدم يغسل العار فصار يجسد بملامحه وطريقة حركته شخصية معلقة بين عالمين، عالم حى بالجسد وعالم ميت بالروح.
أما الأب صلاح السيسى فقد كان أداؤه تقطيرًا لمفهوم تآكل السلطة، فبينما كان قويًا فى البداية، تحول مع الهرم إلى كائن عاجز فيقوم بفعل تحريضى عبر (خطابه) لمتولى وهو فى الجهادية، يشتكى شفيقة التى فلت عيارها ولم يعد قادرًا على الحفاظ عليها، محولًا عجزه الشخصى إلى نار تأكل ابنته وابنه معًا.
جماليات الفضاء كمنظومة البانوبتيكون للمراقبة والعقاب
عندما تبنى فوكو لمفهوم البانوبتيكون Panopticon، فى كتابة المراقبة والعقاب، وكيفية صنع سجن للمراقبة المستمرة التى جعلت من الإنسان/ الفرد، كائن خاضع عقلًا وجسدًا، فلا يغدو الجسد قوة للإنتاج المادى والذاتى بقدر ما تخلق بداخله رقابة ذاتية مستمده بالأساس من الخوف المجتمعى، فأصبح الإنسان أسيرًا لنظام سلطوى فوقى، فهو مرئى طوال الوقت ولكنه لا يرى.
وعليه فإن السينوغرافيا فى العرض تتجاوز كونها حيزًا مكانيًا لتتحول إلى بنية درامية فاعلة، حيث يهيمن على الخشبة الديكور(لمحمد سعد)، (كسجن المراقبة)، لبيت شفيقة الذى شهد طفولتها وصباها وشبابها، فمنذ الاستهلال بكابوس متولى يبرز الكورس ليس كمجموعة بشرية (تستعرض أو ترقص أو تغنى) فحسب، بل كجزء بنيوى حى من جدران البيت، ملتحمًا بزوايا البيت بتكوينات جسدية تتماهى لونيًا وحركيًا مع المادة الطينية والترابية القاتمة للمكان، فهذا الجدار الحى يمثل فى جوهره تطبيقًا بصريًا لمفهوم البانوبتيكون (السجن /المراقب) الشامل إذ تتحول الثقوب والفتحات المعمارية إلى عيون راصدة وأطراف ممتدة تلاحق «متولي» فى خلوته، محولة جدران البيت من ملاذ آمن إلى جهاز مراقبة يرصد أدق تفاصيل السقوط والجريمة.
تبرز «الأرجوحة» كعنصر سيميائى فى بوابه ذهنية تفصل بين واقع متولى المتهاوى وذكريات شفيقة الممزقة، فبقاء اهتزازها وسط أجواء القمع يحولها من أيقونة براءة إلى صرخة صامتة لم ينجح القتل فى استعادتها، ويكتمل هذا الانهيار برسمة الجدار التى تجمع الأخوين، لتصبح الوثيقة البصرية الأكثر إيلامًا، محولة فعل القتل من تطهير للشرف إلى ذبح ممنهج لتلك الصورة البريئة وذاكرة الحب الأولى، وفى هذا «الزمن السيريالى»، تنصهر الأمكنة (البيت، الجهادية، البندر) لتصبح الجدران التى شهدت الخطيئة هى ذاتها التى تمارس «الشهادة والمحاكمة»، فبقاء الكورس فى زوايا الرؤية يكرس بنية البانوبتيكون، حيث الجدران لا تحتوى الأجساد فحسب، بل تنطق باللعنة، وتعيد تدوير الوشاية، وتؤكد سطوة المجتمع الذى يرفض ترك متولى لشأنه حتى فى ذروة انكساره.
جاءت الملابس متممًا دلاليًا للفضاء، حيث رسخت (غادة شلبى) الواقعية البيئية عبر الجلباب الصعيدى للشخصيات الرئيسية، بينما منحت الكورس المفتاح الفلسفى فى قراءة العرض، فقد انصهرت ملابسهم فى لون الجدران الطينية ونقوشها، لتخلق حالة من التمويه البصرى، التى حولت الأجساد إلى امتداد حى للمكان؛ فلا يظهر المجتمع كأفراد، بل كجدران تضيق الخناق على متولى، هذا التماهى اللونى يلغى الوجود المستقل للفرد، محولًا إياه إلى مجرد «ترس» فى جدار العرف الزائف، ويمنح الكورس صفة السلطة الأزلية، لتحول صورة متولى المحاصر بجدران بشرية إلى التجسيد الأقصى لضياع الهوية والوقوع فى شرك الرقابة الاجتماعية.
أما ماكياج (وفاء مدبولى) فلم يكن مجرد زينة للوجوه، بل جاء كأداة سيميائية لتعميق فكرة التلاشى الوجودى، حيث برز ماكياج الكورس كأخطر تجليات السلطة البصرية، حيث صُبغت الوجوه بذات اللون الطينى والترابى للجدران، مما جعل ملامحهم البشرية تذوب فى المادة الخام للمكان، وكأن المجتمع قد تحول إلى كتلة صماء بلا ملامح فردية، وجوهٌ طينية تراقب بصمت وتعلن أن الفرد فى هذا النسق ليس إلا صدى لجدار العرف.
أما الشخصيات الرئيسية، فقد عكس ماكياجها الصراع الدامى بين البراءة والمأساة عبر تحولات بيولوجية ونفسية، فشفيقة التى بدأت بملامح طفولية صافية تعكس نقاء الفطرة، تحول مكياجها فى مرحلة «الغانية» إلى مبالغة صارخة وألوان حادة، فى إشارة سيميائية لتمزق الذات ومحاولة مواراة الانكسار خلف أقنعة «البندر» الزائفة، وبالتوازى ماكياج «الأب» كتجسيد لمفهوم تآكل السلطة الأبوية، حين تحولت ملامحه من وقار الرجولة الصارمة إلى شيب وعجز مرتسم على الوجه، ليعلن أن «العرف» قد أهرم حراسه قبل ضحاياه، بينما ظل وجه «متولى» عبر لمساته الذابلة والشاحبة مرآةً لتآكله النفسى وهذيانه، ليكرس هذا التوظيف للمكياج مفهوم فوكو عن «الجسد الخاضع»، حيث يمحو النظام ملامح الفرد ليحوله إما إلى أداة للمراقبة (كالكورس) أو إلى ضحية مشوهة تطاردها اللعنة.
(الإضاءة كسلطة سيميائية)
تكتمل فك شفرة العرض البصرية بتصميم إضاءة إبراهيم الفرن، فلم تكن مجرد وسيلة لإنارة الخشبة أو إضاءة للمشاهد، بل جاءت كلغة موازية، فى تجسيد اللحظات بأسلوب سينمائى دقيق ومكثف، فقد فرضت الإضاءة الخافتة جوًا من الشحوب الجنائزى على البيت، محولة إياه إلى مقبرة، لتتحول الألوان إلى بطل مشارك يعيش تحولات الشخصيات ومستويات الأحداث.
تجلى ذكاء المصمم فى خلق تضاد بصرى حاد يعكس الانشطار النفسى لمتولى، فبينما غمرت الإنارة الكاملة واحة براءة شفيقة الطفلة، تحول الضوء وسط الهذيان إلى اللون الأحمر «كـسلطة دامية» فى لحظة الخطيئة، معلنًا تدنيس المقدس، كما وظف البؤر الضوئية «كـعدسة مكبرة» تخترق عقل البطل وتفصل بين الكابوس والواقع فى انتقال سلس بين المشاهد،كما في «محاكاة متولى لرسمة أخته شفيقة على الجدار»، بينما عمقت الإضاءة العكسية سريالية الفضاء مانحة الأرجوحة حضورًا شبحيًا وأيادى الكورس كوابيس مجسدة، وتكتمل الحيلة البصرية بالإضاءة حيادية اللون مع «الكورس» والتى كرست التماهى اللونى مع الجدران، لتعلن أن الضوء فى هذا العرض بطل ينسج تحولات الأحداث، ولا يلاحق متولى ليكشف الحقيقة، بل ليؤكد على اللعنة.
(صرخة الناى الحزين وقطر الندى كمرثية للبراءة)
اعتمدت الرؤية الموسيقية للملحن (أحمد نبيل) بشكل أساسى على آلة الناى، كغلاف نغمى عام يدل على الألم والفقد، وقد تجلى ذكاء الملحن فى توظيف أغنية (يا حنة يا حنة يا قطر الندى) التى كانت تشدو بها شفيقة فى مقتبل شبابها، والتى تحولت من «لحن للأفراح» إلى «مرثية جنائزية»، فاستدعاء هذا اللحن تحديدًا فى لحظات الانكسار يخلق مفارقة شعورية حادة لدى المتلقى، فهو يذكرنا بـشفيقة البريئة قبل أن يحولها المجتمع إلى شفيقة (الخاطية).
اتخذ الملحن أحمد نبيل من الناي غلافًا نغميًا يعبر عن الألم والفقد، مبرزًا ذكاءه فى تحويل أغنية «يا حنة يا قطر الندى» من لحن للأفراح إلى «مرثية جنائزية»، ما خلق مفارقة شعورية تستحضر براءة شفيقة المسلوبة، وقد صاحبت الألحان المبطنة اللحظات المفصلية بصرامة تليق بمواجهة السلطة، بينما انسحبت الموسيقى فى لحظة الخطيئة، لتترك المجال لآلات وترية حادة تشبه الشرخ الذى أصاب روح شفيقة، وفى ذروة القتل، تحولت النغمات إلى إيقاعات ثقيلة تحاكى نبضات قلب متولى، وانصهرت مع أصوات الكورس الجدارى لتصنع هالة من الرعب فى محاكمة تعبيرية لا تحتكم لقانون القضاة، بل لقانون الوجدان الممزق.
(الأجساد الخاضعة وهندسة الحصار الحركى)
صاغ أحمد مانو مصمم الاستعراضات حركات الكورس كـلغة جسدية قمعية جسدت سطوة العُرف، فبين الخطوات الثابتة والإيقاع المنتظم، والأيادى المرفوعة التى هيمنت على الفضاء كأطراف ممتدة للسلطة الرقيبة، تحول الكورس إلى آلة بشرية تضيق الخناق على متولى، فعلى سبيل المثال نجد فى مشهد نوم متولى على الأريكة، قد تحول الكورس باستعراضه إلى محركين لمجريات القدر، فبينما يغرق البطل فى هذيانه، يديرون هم دفة أحداث كابوسه، فى إشارة بصرية صريحة لسلب الإرادة، إن حركة الجسد هنا لم تكن رقصًا، بل كانت هندسة للحصار، جعلت من الكورس قوة محركة تارة، وكاميرا حية تارة أخرى، لتعلن أن السلطة فى هذا العرض تسكن الأطراف التى تدفع الضحية نحو حتفها المحتوم.
(الإيقاع المنضبط واللغة السينمائية عند اليمانى)
صاغ المخرج (أمير اليمانى) بنية إخراجية اعتمدت «اللغة السينمائية» كجوهر للفضاء المسرحى، فتحول العرض إلى «مونتاج بصرى» سلس يتنقل بين مستويات الوعى واللاوعى بإيقاعٍ منضبط لا مجال فيه للثرثرة، فلقد وظف اليمانى «الكادر المسرحى» لصياغة لوحات مستقلة، مستخدمًا تقنية اللقطة المقربة Close-up فى أداء الممثلين لتعميق الانكسار النفسى والتأكيد على السلطة وتوريط المتلقى عاطفيًا، وتجلت رؤيته فى تحويل «تشظى الكابوس» إلى وحدة عضوية، فأصبحت الكتلة البشرية (الكورس) وكأنها كاميرا حية تتحرك حول متولى لتضييق الزوايا أو تكشف بشاعة المجتمع، بهذه الرؤية الحداثية، أعلى الإخراج من شأن الصورة وقدرتها على البوح، محولة اللعنة من فكرة مجردة إلى واقع ملموس يطارد المتفرج حتى بعد إسدال الستار.
وختامًا، «متولى وشفيقة» قدم ليمثل صرخة بصرية لا تهدأ، فلم يكن الهدف استعادة حكاية شعبية مكررة، بل كان الغوص فى «بئر اللعنة» التى لا تزال تبتلع الملامح الإنسانية تحت مسميات العُرف والشرف، فلقد استطاع العرض ان يكون مرآة كاشفة لزيف السلطة الاجتماعية، وليبقى السؤال معلقًا فى ذهن المتفرج قبل ان يغادر القاعة:
هل نزول شفيقة ودياب مرتين فقط للصالة، الأولى فى لحظات الحب والغواية، والثانية فى هروبهما للبندر، هل قصد المخرج توريط المشاهد المتلقى كونه جزء من تلك السلطة التى تتخذ من (الفضيلة /المراقبة) غطاء للقمع؟ وهل قتل متولى وحده شفيقة فعلًا أم أننا جميعًا كجدار رابع شاهد شاركنا فى غرس السكين؟