خالد جلال.. اسم لم يعد مجرد بطاقة تعريف لمخرج متمرس، بل تحول إلى مدرسة فنية قائمة بذاتها، فرضت نفسها بقوة على الخريطة الإبداعية ليس فى مصر وحدها، وإنما امتد تأثيرها ليشمل المنطقة العربية بأكملها. ذلك أنه لم يكتفِ بتقديم عروض مسرحية ناجحة، بل انشغل طوال مشواره بصناعة “الإنسان المبدع” ذاته. يمكن القول إنه أسهم، بشكل أو بآخر، فى تشكيل ملامح جيل كامل من نجوم التمثيل الذين نراهم اليوم يتألقون فى الدراما والسينما والمسرح. ولذلك، لم يعد غريبًا أن يصبح التدرب على يديه حلمًا يراود كل شاب يمتلك موهبة ويتطلع إلى النجومية؛ فهذه التجربة تمثل محطة فارقة وخطوة أساسية على طريق تحقق هذا الحلم.هذا الحضور الطاغى لتجربة خالد جلال جعل من اسمه مفردة أساسية فى قاموس النقاد والكتّاب، الذين باتوا مضطرين للحديث عن بصماته وأسلوبه قبل الخوض فى تفاصيل أى عمل فنى جديد يشارك فيه. فرؤيته الإخراجية وسماته الفنية لم تعد مجرد إطار للعمل، بل تفرض حضورها بقوة على كل تفصيلة فيه. ويتجلى هذا التأثير بوضوح فى تجربته الأخيرة بصفته قائدًا ومشرفًا على برنامج كاستينج التليفزيونى. فمن خلاله، لم يعد دوره مقتصرًا على نقل خبراته المتراكمة للمتدربين داخل ورش العمل المغلقة أو للمتسابقين بالبرنامج فقط، بل اتسع تأثيره مخترقًا شاشة التليفزيون - ونفس الروح التدريبية ذاتها التى طبقها مع دفعات مركز الإبداع الفنى - إلى نطاق أوسع وأرحب، ليصل بتمارينه ومنهجه إلى المتابعين والمشاهدين فى كل أنحاء الوطن العربى.«سكرولينج» (Scrolling).. تلك المفردة التى تختزل عصرنا الرقمى فى كلمة، هى عنوان العرض المسرحى الذى شاهدته مؤخرًا على خشبة مسرح السامر فى أوائل فبراير. والذى كان قد شهد ولادته الأولى قبل أشهر على مسرح الريحانى بوسط القاهرة فى أكتوبر الماضى، من صياغة وإخراج خالد جلال، من إنتاج شركة «كينج توت»، والتى سبق وأن قدمت مع جلال مسرحيتى «ألف عيلة وعيلة» و«بوسطة» لكل من الدفعتين الأولى والثانية من قسم التمثيل بالشركة، وليكن «سكرولينج» تتويجًا لورشة تدريبية لخريجى الدفعة الثالثة، وهى بمثابة أول اختبار تطبيقى لهم على خشبة المسرح فى مواجهة الجمهور.يواصل المخرج خالد جلال نهجه فى اختيار موضوعات عروضه من صميم الواقع الاجتماعى، منحازًا إلى القضايا التى تمس الحياة اليومية وتكشف تحولات المجتمع المعاصر. وفى «سكرولينج» يختار فكرة شديدة الالتصاق بعالم الشباب المشاركين فى الورشة، قريبة من أعمارهم وأسئلتهم الراهنة؛ بما يعكس وعيًا بطبيعة الجيل الذى يصعد إلى الخشبة، ويحوّل هواجسه إلى مادة درامية قابلة للفحص والمساءلة.يناقش العرض تأثير الهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعى، لا بوصفها أدوات للتواصل والمعرفة فحسب، بل من حيث أثرها فى المجتمع، عبر إعادة تشكيل أنماط العلاقات الإنسانية وتأثيرها فى الوعى والسلوك اليومى. ويقدّم الهاتف المحمول بوصفه «لصًا» - أو «الحرامى» بحسب توصيف المخرج - لا يسرق أشياء مادية، بل يقتطع من الزمن والأعمار، ويعيد ترتيب الأولويات على نحو يربك العلاقات ويستنزف المشاعر، ويمتد أثره إلى الصحة النفسية، بما ينعكس على التوازن الفردى والاجتماعى.وخلال العرض تتعدد المواقف الدرامية التى تتوزع بين الشخصيات - نزلاء المصحة - ولكلٍ منها حكاية خاصة مع الشاشة، فى بناء يقوم على التشظى وتجاور الاعترافات أكثر مما يقوم على خط درامى تقليدى متصاعد. تتقاطع هذه الحكايات داخل فضاء واحد، فتتشكل صورة بانورامية لحالات متباينة يجمعها خيط الارتهان للجهاز، وتتكشف عبر جلسات الاستماع التى تعقدها الطبيبة النفسية الشابة، الملحقة حديثًا بالعمل فى المصحة. ويعتمد العرض فى تقديم هذه الحالات على المزج بين السخرية والمفارقة من جهة، ولحظات الاعتراف المكشوف من جهة أخرى، بما يمنح المشاهد مساحة للتأمل لا للتلقى السلبى، ويحوّل الوقائع الفردية إلى مرآة أوسع لواقع معيش.اختيار المصحة إطارًا للأحداث ليس اختيارًا اعتباطيًا، بل يعد امتدادًا طبيعيًا للبناء القائم على الفضفضة والاعترافات، وأحسن صائغ العرض فى تخصيص عنبر لحالات الموبايل بما حوله لمختبر درامى تُعرَض فيه الحالات بوصفها نماذج قابلة للفحص والتأمل. فلا يبدو المكان مجرد خلفية للأحداث، بل عنصرًا فاعلًا فى تشكيل الرؤية؛ فالعزل المكانى يوازى العزلة النفسية التى يعيشها النزلاء وتضعهم فى مواجهة مع ذواتهم، ويمنح العرض فرصة تفكيك الظاهرة من الداخل، بعيدًا عن صخب العالم الخارجى الذى أنتجها.ومن هنا يتعزز حضور السيكودراما - النهج الذى اعتمد عليه العرض بوصفه - آلية اشتغال؛ فدخول الطبيبة الشابة وتجريدها من هاتفها منذ اللحظة الأولى يضعها - رمزيًا - فى المسافة نفسها التى يقف عندها النزلاء. لتوالى جلسات الاستماع إليهم، لا تقوم بالتسجيل حتى يكون بمثابة فعل اعتراف حيّ، تتجاور فيه السخرية مع الانكسار. وبدل أن ينتهى العرض إلى خلاصة وعظية، يترك أثره فى منطقة السؤال، دافعًا المتفرج إلى إعادة النظر فى علاقته الشخصية بالشاشة التى ظنها يومًا أداةً محايدة.فى هذا العرض يواصل خالد جلال نهجه فى الاشتغال على المسرح بوصفه مختبرًا لاكتشاف الطاقات قبل أن يكون منصة للعرض، فجاءت رؤيته قائمة على تحويل فكرة «الاستلاب الرقمي» إلى بنية أدائية حية، تتجاور فيها الكوميديا السوداء مع التراجيديا دون افتعال. لم يتعامل مع الخشبة باعتبارها مساحة للحكى فقط، بل بوصفها ساحة تدريب ممتدة، تُختبر فيها قدرات أربعين ممثلًا فى آن واحد، عبر تشكيلات حركية منضبطة، وإيقاع جماعى صارم، وحضور دائم للجسد حتى خارج لحظة الأداء الفردى. هذا الأسلوب يكشف عن غاية مزدوجة: فنية وتربوية؛ إذ يسعى إلى تقديم عرض متكامل من جهة، وفى الوقت نفسه صقل جيل جديد عبر إدماجه فى تجربة احترافية حقيقية لا تشبه حفلات التخرج التقليدية. ومن ثم تبدو الرؤية الإخراجية هنا أقرب إلى مشروع متكامل لإعادة تعريف العلاقة بين التدريب والإنتاج، بحيث يصبح العرض ذاته ثمرة عملية تربوية واعية، لا مجرد نتاج نهائى لها.جاءت عناصر السينوغرافيا — ديكورًا وملابس وإضاءة — منسجمة مع الرؤية الإخراجية فى اقتصادها وتكثيفها الدلالى، دون إفراط زخرفى يشتت الانتباه عن الممثل بوصفه محور الاشتغال. فقد صممت الديكور كل من “شيما الخراط ونهى فريد - وهما من متدربات الورشة - على نحو بسيط يعتمد موتيفات محدودة: سريرًا مزدوجًا أقرب إلى أسرة السجون، ومنضدة وبعض المقاعد أو البفات، فى فضاء أبيض شبه عارٍ، يمنح الإحساس بمصحة تحمل ملامح العزل أكثر مما تحمل طابع الرعاية. هذا الفراغ المقصود أتاح حرية حركة للأعداد الكبيرة، وكرّس التركيز على الجسد الإنسانى بوصفه حامل المعنى. أما الملابس فجاءت موحَّدة فى معظمها، يغلب عليها الأبيض، فى دلالة على التجريد وفقدان الخصوصية تحت وطأة الإدمان، مع تمايزات بسيطة للطبيبة والتمريض تحفظ البنية الدرامية.وتكامل مع هذا التشكيل البصرى تصميم الإضاءة الذى أنجزه أيضًا اثنان من المتدربين، هما أحمد عبد التواب ووليد فوزى، فجاء الضوء عنصرًا دراميًا فاعلًا لا مجرد أداة تقنية. اعتمدت الإضاءة على ألوان موحية بالتوتر والقلق، مع التركيز على الألوان الباردة، والمساحات شبه المعتمة لتعمّيق الإحساس بالاختناق والعزلة. كما تم توظيف كشافات الهواتف المحمولة فى بعض اللحظات كلمسة متناغمة مع حالة وموضوع العرض، إذ تحوّل مصدر الضوء إلى جزء من الفكرة ذاتها، فبدت الشخصيات محاصَرة بنورٍ صادر عن الأداة التى أسرتهم، فى صورة بصرية مكثفة تختزل مأزق العرض كله.شكّلت الموسيقى والمؤثرات الصوتية عنصرًا دراميًا فاعلًا داخل العرض، لا مجرد خلفية سمعية مصاحبة. فقد تولّى إعداد الموسيقى محمد مختار شاهين أحد المشاركين فى الورشة أيضًا، فجاءت المعالجة السمعية نابعة من صميم التجربة الأدائية. اتسمت الموسيقى بنبرة متوترة تميل إلى الإيقاعات القلقة والتصاعدات المفاجئة، بما يعكس العصبية والاضطراب الملازمين لعالم الإدمان الرقمى، مع تنويعات تراوحت بين مساحات أكثر قتامة فى لحظات الانكسار، وأخرى أخف إيقاعًا فى المشاهد ذات الطابع الكوميدى. كما أسهم توظيف نغمات الإشعارات والتنبيهات، إلى جانب لحظات الصمت المقصود، فى تكثيف الإحساس بالعزلة والاختناق، فجاء الصوت شريكًا فى صناعة الإيقاع العام، ومكمّلًا للرؤية البصرية والفكرية للعرض.جاء الأداء التمثيلى فى مجمله متماسكًا، يعكس أثر التدريب المكثف والانضباط الجماعى الذى حرص عليه خالد جلال. فعلى الرغم من أن أغلب المشاركين يقفون على الخشبة للمرة الأولى، بدا الحضور واثقًا، والإيقاع منضبطًا، والانتقالات بين المشاهد سلسة تخلو من الارتباك. وقد أحسن المخرج توظيف الأعداد الكبيرة عبر تشكيلات حركية مدروسة، أبقت معظم الممثلين فى حالة اشتغال دائم، حتى خارج لحظات الصدارة، فكان الوجود الجسدى فى الخلفية جزءًا من النسيج البصرى والدرامى، لا مجرد انتظار للدور. وتجلّى التفاوت الطبيعى فى المساحات والأدوار دون أن يخلّ بتوازن العمل، إذ جاءت الأدوار موزعة وفق مقتضيات فنية تراعى الإمكانات الفردية وتخدم البناء الكلى، بما أتاح للجميع فرصة حقيقية لإثبات الحضور وصقل الموهبة داخل عرض احترافى متكامل.وقد برز بين هذه المجموعة عدد من الأسماء التى استطاعت أن تترك أثرًا واضحًا داخل البناء العام، دون أن تنفصل عنه. فقد تألقت ريهام فايق عبر تنقلها بين خمس حكايات متباينة؛ ففى مشهد «الشبكة» جسّدت حالة الارتباك اليومى المرتبط بباقات الإنترنت التى تنفد قبل أوانها بخفة أداء لافتة، بينما كشفت فى «نصائح فى الحب» عن حسّ كوميدى منضبط أمام اندفاع الشاب الذى يتعامل مع الفيديوهات بوصفها مرجعًا عاطفيًا. وبدت أكثر نضجًا فى «سنو وايت» حين منحت الشخصية مسحة ساخرة تتقاطع مع براءة الحكاية الأصلية، ثم فى «السكرى» حيث تحولت إلى نموذج للأنثى المتسلطة فى إطار كوميدى أسود، مؤكدة قدرتها على التنقل بين الطبقات الأدائية بسلاسة.كما لفت خالد رسلان الانتباه بحضوره الحيوى، لا سيما فى المشاهد ذات الإيقاع السريع، ونجح أحمد وهبه فى تقديم نماذج متعددة بشيء من الخفة والمرونة، بينما أسهم محمد غنيم فى دعم المشاهد الجماعية بطاقة واضحة، خصوصًا فى «فلتر» الذى قدّم صورة ساخرة عن هوس التجميل وتحولات الملامح. كذلك ظهرت بصمات نهى فريد وشيما الخراط، سواء فى الحضور التمثيلى أو فى مساهمتهما السينوغرافية، بما يعكس طبيعة التجربة التى تدمج بين الأداء وصناعة العرض. وهكذا جاءت الأسماء البارزة جزءًا من نسيج جماعى متكامل، لا نجومًا منفصلين عن سياقه، فى انسجام مع روح المشروع التدريبى الذى يقوم عليه العرض.وإلى جانب تلك الأسماء؛ فقد شارك فى هذه التجربة عدد كبير من المواهب الشابة التى أسهمت فى اكمال الصورة الجماعية للعرض، أذكر منهم: نور نواف، شروق العرفاوى، إسراء عاصم، أحمد الطرابيلى، علوان أيوب، خلود ياسر، إسلام سعيد، محمد الأزعر، سارة عرفة، محمود حامد، إيهاب الشاكوشى، عبدالله الشريف، مازن عبدالوارث، محمود عثمان، وغيرهم ممن شكّلوا معًا حالة من الانسجام الحركى والأدائى، عكست روح الورشة القائمة على العمل الجماعى، حيث لم يكن أحد خارج نسيج الصورة، حتى فى لحظات الانتظار أو الخلفية.وفى الختام؛ يمكن القول أن «سكرولينج» لم يكن مجرد تجربة تدريبية ناضجة، ومختبرًا مسرحيًا للكشف عن طاقات مواهب شابة، بل تجاوز ذلك إلى تقديم عرض يناقش ظاهرة اجتماعية راهنة، نجح خالد جلال من خلاله فى أن يحوّل سؤالًا يوميًا بسيطًا — عن علاقتنا بالهاتف — إلى مساءلة فنية عميقة، دون مباشرة أو خطابية، معتمدًا على انضباط البناء، وتكامل العناصر، وحيوية الأداء. وليؤكد عبر العرض أن المسرح، حين يُحسن توظيف طاقاته البشرية ويصغى لنبض عصره، يظل قادرًا على أن يكون مساحة للتأمل والمتعة معًا، وأن يطرح أسئلته الكبرى فى صيغة فنية تليق بجمهوره، وأنه ما يزال قادرًا على اقتحام مناطق القلق الإنسانى، وعلى تحويل أبسط أفعالنا اليومية إلى قضية تستحق التأمل والمساءلة.