تقنيات الكتابة وسيكولوجية الشخصية الدرامية فى مسرح «يس الضوى»

تقنيات الكتابة وسيكولوجية الشخصية الدرامية فى مسرح «يس الضوى»

العدد 967 صدر بتاريخ 9مارس2026

إن المجتمعات حسب ثقافتها وتنوعها بحاجة ماسة إلى التوجيه والنصح الفكرى والسياسى من حين إلى آخر حتى تصبح فى صيرورة دائمة نحو النمو والتطور، فالأدب المسرحى يحوى الكثير من المعارف التى يضفيها إلى المجتمع بطرحة الكثير من المشاكل والموضوعات المهمة، فأغلب الصراعات والقضايا المهمة يتم تقديمها من خلال المسرح، بذلك يصبح العمل المسرحى نابعًا من واقع المجتمع معبرًا عنه سواء سياسيًا أو اقتصاديًا أو اجتماعيًا أو هما معًا.
ومن الجدير بالذكر أن لكل عمل فنى «أدبى» بناءه الدرامى من فكرة وحدث وشخصيات وحبكة وصراع ولغة وحوار، إلى جانب الشكل الفنى الذى يكسبه الرونق والإبداع، والشكل الفنى ليس المقصود به القالب المسرحى الذى يصب فيه الكاتب المضمون، بل هو كالكائن الحى الذى لا يمكن فصل مضمونه عن شكله، بل إن المضمون سواء كان سياسيًا أو اجتماعيا أو اقتصاديًا.. إلخ يذوب فى تضاعيف شكله دون انفصاله عنه.
ووفقًا للفلسفة التى تؤكد أن الكاتب ابن بيئته، فإنه من المهم أن الكاتب الذى يكتب مسرحًا لا بد أن يكون ملمًا بجميع أحداث مجتمعه، حتى يستطيع أن يقدم نصًا يعبر عما يدور فى المجتمع ويعتبر «يس الضوى» من كتاب الأدب المسرحى المعاصر، الذى حاول إلقاء الضوء على قضايا مجتمعه فى معظم أعماله المسرحية حتى وإن كان معتمدًا بذلك على مصادر من الحكايات والسير الشعبية فعندما يتناولها كان يعى جيدًا أنها لا بد أن تتناسب مع طبيعة العصر الذى يعيش فيه وعن القضايا التى يتصدى لها المجتمع، والحقيقة أننى عندما قرأت له مجموعه من أعماله المسرحية وجدت انه كاتب من طراز فريد وهو ابن بيئته بالفعل ولديه القدرة على صياغة أعماله فى قوالب فنية ولغة سهلة وبسيطة حتى ولو كانت اللهجة الحوارية التى يكتب بها أعماله المسرحية ليست هى الدارجة فقد تنوعت أعماله بين اللهجة الصعيدى فهو يتقنها بجدارة، وذلك لنشأته بين أحضانها ولهجة عرب البادية الذى كتب بها المدسوس وقد ذكر فى بدايتها أنها هى لهجة عرب البادية ولكن بشىء من التخفيف ومنطوقها بين الدارج والفصيح، وهذا إن دل إنما يدل على كاتب واعٍ جيدًا بطبيعة مجتمعه وما يقدمه لهم ومن يتناول أعماله بالدراسة والتحليل يعرف جيدًا إنه سيجد من المتعة والانسيابية والسهولة واليسر ما وجدته أنا لاتمام هذه الدراسة.. فنراه فى مسرحية «ونيسة» التى كتبها عام 2016 يتناول تيمة الحرمان والفقد والانتقام والتصدى للظلم بكل قوة، وذلك من خلال شخصية ونيسة التى هى بطلة الأحداث، والتى قد أطلق الكاتب عنوان المسرحية باسمها، وكان حريصًا على أن يكون الاسم له دلالة وله نصيب كبير من الفعل وما تعانى منه الشخصية، فقد أطلق عليها «ونيسة» تلك المرأة التى ظلت تبحث طوال الوقت عن الونس فمنذ بداية الأحداث يدلى لنا الكاتب أن هناك حدثًا قد بدأ قبل بداية المسرحية وبناء عليه قد تسير الأحداث فكان بمثابة نقطة الهجوم على وسط المسرحية الساكن هذا الفعل الذى جعل من ونيسة المرأة التى تعانى مرارة الواقع، ولا تجد متنفسًا إلا فى أحلامها فيحمل لا وعيها أحلامًا تمنت لو كانت أو أصبحت حقيقة، صراع داخلى يدفعها إلى الانتقام وكاد يودى بها إلى الهلاك لا تنظر «ونيسة» إلى الواقع التى تعيشه أو حتى تعطى نفسها فرصة الاستمتاع بالحياة مع زوجها الجديد الداكر، فهى ترفض أن تتعايش مع هذا الواقع ودائمًا ما تحن إلى ماضيها، ذلك الماضى الذى كان مصدر سعادتها فدائمًا تتمنى لو بقى معها حتى الآن، ماض يؤرقها ويلازمها بل ويعد هو الدافع للانتقام، كانت «ونيسة» متزوجه من رجل يدعى عايد، رجل لا يعرف الظلم ولا يأبى أحد، وكانت هى تحمل فى أحشائها جزءًا منه، وتمنت لو اكتملت هذه الثمرة، لكن هناك من وقف عائقًا أمام تحقيق أمنياتها وأمام تحقيق الحلم والاستمتاع بالحياة والعيش فى سلام، فقد ضغط «فاضل ابو اليسر» بكل قوته وجبروته وتسلطه عليهم فهو يمثل عنصر الشر فى المسرحية استغل نفوذه وسلطته فقد اعتدى على عايد زوج «ونيسة» وكان السبب فى قتله «عايد» يمثل عنصر الخير فى الأحداث، رفض أن يعيش فى مذلة ومهانة تحت سيطرة هذا الطاغى المستبد فبمجرد أن شعر بأن هناك خطرًا قد يلحق بأهل البلد وأراضيها فوقف أمامه ونشب بينهم الصراع إلى أن أمر أبواليسر بالتخلص منه وكأنه ليس من حق أى أحد أن يعترض على ما يفعله ابو اليسر من استبداد واستعباد، مات عايد بلا دية مات وماتت معه كل أحلام ونيسه بمن فيهم الابن التى ظلت تتمناه ولا شك أن هذا كان سببًا فى توتر العلاقة بينها وبين زوجها الداكر.
«فاضل أبواليسر» أوكما قيل عنه أبوالعسر على لسان أحد شخوص المسرحية، رجل مستبد ولم يتردد لحظة فى إلحاق الأذى واستغلال نفوذه فى تحقيق أهدافه والانتقام من أهل البلد الذى قد استحوذ عليها وظل يشترى فى أراضيها ويتاجر بها بل الاستيلاء عليها، أبواليسر هو الرجل المتجبر العميل من السهل عليه أن يبيع الأرض بمن عليها إلى الأجانب كى يصل إلى غايته، فقد قتل عايد لمجرد أنه وقف أمامه، وقال «لأ»، تزوجت «ونيسة» من الداكر على أمل أن يزرع بداخلها البذرة التى قد ماتت بداخلها حزنًا على زوجها الأول، عايد كان يعمل أجيرًا لدى أبواليسر، ظل الداكر يعانى مرارة ما لحق بونيسة وكاد هو يدفع ثمن ما فعله أبواليسر فى عايد، لم تكن حياته مع ونيسة هادئة مثل اى زوجين ولكن كانت حياة بائسة، وهو ليس بعايد الذى رفض الظلم والاستعباد، وقال لا لما يفعله أبواليسر، بل كان الداكر على النقيض تمامًا من شخصية عايد الذى ظل طيفه وطيف الطفل يلاحقهما طوال حياته، حاول أن يهرب من الواقع بشرب الخمر فقد دفع الكاتب بشخصيتين قد يظهران حقيقة الداكر الذى ظهر فى البداية مسالمًا وليست لديه القدرة على فعل شىء وهما شخصية «موافى» الذى يعمل معه فى المحجر بالاجرة، فتبدو ملامح شخصية الداكر فى الوضوح تدريجيًا هو الشخص غير المبالى المستسلم الذى لا يجرؤ على الفعل وليس له الحق حتى أن يعترض يتخذ تجاه الواقع الذى يعيشه موقفًا سلبيًا، يبدو ذلك واضحًا من خلال ما قالته له جبره أثناء وجودهم فى تعريشة الشاى تبعها فتقول جبرة لموافى حينما يطلب من عبدالوكيل أن يصب له الخمر: إنت تتغم ولا تتهم؟.. فيرد عبد الوكيل الذى يعمل تربى: أى والله.. إنت بالذات يا موافى.. طب إيه قولك أنا متوكد إنى لما أحفر ليك قبرك واجى مدخلك فيه راح ألقاك ضحكان من دون ميتين خلق الله.. والواضح أنه فى ظل حالة الظلام الحالك الذى يعيش فيها الداكر وموافى ومحاولتهم الابتعاد عن الواقع والهروب منه بشرب الخمر، فكل منهم عنده ما يكفيه من هموم، وبالأخص الداكر الذى يعانى من علاقته بزوجته ونيسة التى تعيش على أوهام الماضى وتسبح مع أطيافه فى فضاء النص وبين علاقته بفاضل أبواليسر وعمله فى المحجر الذى يكره العمل به فيقول الداكر: ما فى شىء كارهه كد المحجر وصاحبه اللى بقى هم وبارك على روحى، إلا أن الكاتب يخلق نوعًا من الدعابة والكوميديا التى تخفف من حدة الأحداث، وذلك بشخصية عبدالوكيل التربى.

طيف عايد:
لم يكن طيف عايد يلازم ونيسة فقط لكنه كان يلازم الداكر الرجل المستسلم لواقعه والذى لا يقوى ولا يجرؤ على الرفض أو حتى له الحق فى أن يتفوه بكلمة، وهو هنا يذكرنا بشبح هاملت والرغبة فى الانتقام والثأر من قاتل الأب، ظل يتمنى الوقوف أمام ظلم فاضل أبواليسر أو حتى يظهر عدم الخوف ولكنه ليست لديه القدرة على فعل ذلك قوتين متضادتين القوى فى مواجهة الضعيف والشر فى مواجهة الخير صراع دائم ولا بد أن ينتصر أحدهما على الآخر، وهناك دافع قوى لذلك، وهو عايد الذى يأتى فى صورة طيف للزوجة ونيسة التى ترفض الظلم وتسعى إلى مواجهته وإلى الداكر لينبهه دائمًا بأن يقدر ويواجه الظلم وأن يقول لأ.. فعلى لسان الداكر: «كل يوم عايد يا جينى فى بالى ويقول لى ما قدرتش يا داكر.. ولا حتقدر.. ما قدرتش ولا حتقدر؟.. ولا حتقدر.. كل يوم.. كل يوم..
ظلت ونيسة تحلم بالخلفة وترى أطيافًا تقف حائلًا بينها وبين الداكر والحقيقة ليست بينها وبين الداكر فقط لكن تدفعها إلى الانتقام من المتسبب فى تلك الحياة التى تعيشها والمعاناة التى كانت السبب فى فقدان زوجها السابق والابن الذى لم يرى النور، فقد أبدع الكاتب فى رسم صورة الطاغى المستبد، وكشف لنا مدى ظلم واستعباد وتجبر فاضل أبواليسر الذى منذ ظهوره الأول قد يبدو أنه ذو ملامح تنضح بالبشاشة والسكينة والطيبة، وهذا ما قاله الكاتب نفسه بعيدًا عن الأحداث ولكن الشكل لا علاقة له بمضمون الشخصية وأفعالها وهنا التناقض والتضاد الذى يستخدمه الكاتب فى رسمه لشخصية فاضل أبواليسر او العسر ايا كان يطلق عليه، فاضل أبواليسر الرجل الذى يسعى بكل ما لديه من نفوذ إلى الاستحواذ على الأرض بل يسعى إلى بيعها للأجانب، وهنا قد يبدو أن الكاتب يتناول قضية سياسية فى ثوب اجتماعى أطرافه هم ونيسة والداكر وفاضل أبواليسر والغريب، يسعى أبواليسر إلى شراء كل أراضى البلد ولو طال أصحابها ما تردد، والغاية لديه تبرر أى وسيلة للوصول إلى مطلبه، فليس ما يفعله أبواليسر من جرائم سلب ونهب وقتل فقط، لكن كان على علاقة آثمة بجبرة تلك السيدة التى اعتدى عليها ولا يعرف السر هو عبد الوكيل التربى الذى استدعى لا وعيه بعد أن شرب من الخمر ما شرب فقد واجه جبرة بهذه الفعلة فقد دفن أطفالها وهو الوحيد من يعرف تلك العلاقة ظلت جبرة تعيش فى خوف شديد من أبو اليسر وتخفى السر عن الجميع.. حاول أبو اليسر أن يكرر نفس الفعل مع «سعاد» ابنة الرجل الغلبان، ولكن ترفض تلبية رغبته ويضطر إلى الزواج منها، وهنا يظهر الكاتب التطلع الطبقى، وذلك من خلال علاقة أبو اليسر بوالد سعاد الذى قد استفاد من هذه الزيجة بقرشين، وقد استفاد أبواليسر بالزواج منها تلك الفتاه التى عشقها الجميع ورفضت الحرام يقول عبدالوكيل: (....) سعاد اللى عشقها الزرع والحر.
ظل فاضل أبواليسر يستغل نفوذه وسلطته فى الاستحواذ على أراضى البلد حتى العشة التى يعيش فيها «بختان» الذى يعمل فى المحجر وعلى لسان خربوش الذى ينضم إلى أطراف الشر يقول: بيت إيه سعاتك؟! بختان ده مرزوع فى عشة.. زقة نسمة تطيرها.. وبظهور خربوش ومعاملته مع العمال فى المحجر يتضح أنه يعمل تابعًا للظالم المستبد.. فقد يفرض سلطته هو الآخر على ما هم أدنى منه فقد تجلى ذلك بوضوح أثناء رد فعله على الداكر حينما وصل لعمله فيقول خربوش: طلاق تلاته ياداكر إنت ما عايزلك إلا عيار زفر مصدى يفشخ راسك.
وكأن الكاتب فى هذه اللحظة أراد أن يصحح الخطأ من خلال دخول الخفير ويصوب بندقيته خلف كتف خربوش، إنه برغم تظاهر خربوش بالقوة مثلما يفعل ولى نعمته فإن ظهور ونيسه يربكه وفى الوقت الذى يتجبر فيه على العمال ويظهر قوته وسلطته عليهم إلا أن ظهور ونيسة يعقد لسانه.. خربوش: ونيسة؟ يامراحب.. يامراحب ياونيسة.ونيسة: خربوش؟.. خربوش: محسوبك يابنت الاصول.. يظهر طيف عايد وتتحدث ونيسه بلسانه مما يثير ذعر خربوش وتنطق ونيسة بصوت عايد: طيف عايد: محسوب مين ياخربوش؟ محسوب الاغراب اللى عملتوهم أسياد وعملوكم خدام؟. ظلت ونيسة تعانى مرارة ما لحق بهم من قبل فاضل ابو اليسر.. والحقيقة ابو اليسر قد جاء إلى هذه البلد كى يثأر منهم وبالأخص ونيسة التى كان جدها الليثى سببا فى التخلص منه فقد كان والده يتعامل بالربا بينما الشيخ الليثى جد ونيسه يحذره من ذلك واشعل فيهم النيران أمام فاضل أبو اليسر فما يفعله ليس من فراغ، ولكنه برغم تجبره إلا انه فى النهاية هو من يدفع الثمن يقتص منه ى ابنه الذى مات أثناء الولادة.. ق انتصر الخير على الشر فى النهاية..وتبدو عليه اعراض الشلل كما حكى عن والده الظالم القديم.. وقد يظهر الكاتب فى النهاية أطراف الصراع وهو ونيسه وعايد والشيخ الليثى.
وفى مسرحية رفيق التى كتبها «الضوى» عام 2019، نراه يجرد الشخصيات من أسماءها فيذكر فلان ورفيق، وقد يبدو رفيق الذى يطلق على المسرحية اسمه هو ذلك الصوت الداخلى لفلان أو هو الرفيق الذى يلازمه ويبرر له دائمًا ما يفعله، هو شخصية غير مرئية فلا يراها سوى فلان، فلان كاتب صحفى لكنه قد أدمن المخدرات وأصبحت أعماله مرهونة بها لا يستطيع أن ينجز أي شىء إلا بها، ويحاول رفيق أن يوضح له أن ما يعتقد أن عمله مرهون بوجوده بل بكثرة وجوه يقول له رفيق: إنت ما بتاخدوش أصلًا إلا عشان تعرف تنجز شغل بشكل أفضل.. ويدين هنا الكاتب الطبقة البرجوازية التى تنفق أموالها فى التعاطى وحينما يغيب العقل يعمل الخيال ويبدع الشخص بشكل أفضل فيقول فلان: الله يلعن أبوالبشوات اللى فى الدنيا كلها، وعلى الجانب الآخر نرى شخصية عسل وكناريا تاجرى المخدرات ولهم دور فى حياة فلان ويتحكمان فيه حيث يعرف كل منهم نقطة ضعف فلان وهى حصوله على المخدرات.. «كناريا» أو كوناريا كما يقولون لها هى على علاقة بعسل، ومن خلال الحوار نعرف أن كناريا يظهر فيها الكاتب التناقض بين القول والفعل، حيث إنها هى بائعة المخدرات التى تظهر محدودية تعليمها من أسلوبها وفى الوقت نفسه يظهر انها مثقفة وبتقرأ فى كتب ومجلات.. كناريا تفرض شخصيتها على عسل وتتحكم فيه ويتضح ذلك من خلال حديثها مع عسل وفلان: طيب يا عسل شوف لى أى حاجة كده معاك لحد ما تجيب لى.. عسل: مفيش معايا والله العظيم ياباشا.. انا اساسا مابتعاطاش حاجه خالص.. كناريا: لأ ناقص تتعاطى كمان عشان أخد عمرك.. لا مؤاخذه يا باشا.
يبدو أن هناك تناقضًا واضحًا فيما يفعله عسل وما يقوله.. وهذا ما يثير سخرية رفيق وانتقاده له فيقول رفيق: ضاحكًا.. ما بيتعاطاش قال.. ده تلاقيه بيضرب يورانيوم، فلان: (باستغراق) ممكن جدا ما يكونش بيتعاطى حاجه.. بيبيعوا السم ولا يدوقوش منه، رفيق: سم ايه بس يافلان؟.. فلان: انا واللى زيى بنبقى مربوطين بيه وندفع فيه من شقانا وهو واللى زيه يحوشوا ويكنزوا ويبنوا عمارات كمان.. انا لازم ابطل.. الحقيقة أن هذا القرار لا يلقى قبولا لدى رفيق، هنا نرى الكاتب استطاع أن يناقش قضايا مجتمعه من خلال تلك الأسرة المتوسطة التى تتكون من أم وأب وابن وابنة، وانه من الطبيعى أن تعيش هذه الأسرة ففى هدوء إلا أن مايفعله رب الأسرة يعكر صفو هذه الحياة.. كما يناقش أيضًا الكاتب العديد من القضايا منها الدروس الخصوصية وذلك من خلال ابنة «فلان» التى تطلب فلوس الدرس من والدها ويركز فلان على أن المدرس لو كان يراعى ضميره فى قاعة الدرس ما احتاجت هى الدروس فيقول فلان: حاضر هحاول اخلقها الفلوس لسى مستر تكنولوجى بتاعكو ده.. لو بيتنيل يشرح المقرر بذمة ى المحاضرات ويفكر بضمير المعلم شوية.. ما كنتيش هتحتاجى لدروس عند جنابه.
يتعاطى فلان المخدرات حتى يستطيع أن ينجز مقالاته وفى نفس الوقت يحمل من القيم والأخلاق ما يجعلنا نستنكر من أفعاله ومن التناقض التى تظهر به شخصيته.. فينتقد ملابس ابنته «مروة» وانتقاده يوضح مدى تقصيره فى مع أهل بيته فترد مروة:.... تحت أمرك حضرتك.. حضرتك اشترولى هدوم.. أنا عايزه هدوم واسعه وحشمة أوى كده وأنا البسها.. مش فارقة بالعكس أنا عايزة كدة.. كما يظهر الكاتب تناقضا أخر في شخصيته وهو أنه يبيح لنفسه أن يشرب المخدرات ولكن حينما يشعر أن ابنه يقوم بنفس الفعل يخشى عليه من ذلك وهنا يقوم رفيق بدور الشيطان الذى يشعل الموقف ويحاول يؤكد له أن عينه حمرا..فيحدق فلان فى وجه ابنه سمير: فى ايه يابابا؟.. رفيق: عينيه حمرا على فكرة.. فلان: انتب تتعاطى حاجه مع اصحابك دول ياسمير؟.. وهنا تحدث المواجهة بين الأب فلان وابنه سمير ويحاول كلا منهم أن يبرر موقفه ويحدث أن تنقلب الشخصيات من موضع قوة إلى ضعف ويبدو ذلك واضحا فى شخص فلان وبعد ماكان يفرض سلطته على الابن اصبح يبرر ما يفعله له سمير:(....) لا اطمن حضرتك يابابا.. انا ما بكرهش قد الحاجات دى واللى بيت.... ( لايكمل)..فلان: واللى ايه؟ واللى بيتعاطوا الحاجات دى ماتكملش.. هو انت فاكرنى منهم ياسمير هو عشان انا يعنى باخد حاجات بسيطة كده ابقى متعاطى زى اللى بيتعاطوا؟! يبرر لنفسه العل برغم انه يعرف جيدا انه على خطأ.. بل ويطلب من الابن سمير أن يبتعد عن صديقه الذى يتعاطى المخدرات.. تنتابه فى النهايه حالة من الهياج والصياح بأنه لايريد شيئا من عسل او غيره وهنا رفيق يقوم بدور الشر فيغضب من رد فعل فلان ويقول له رفيق:...ليه عملت كده انت محتاج اللى هيجيبوه ده.. وقد تصل الاحدداث إلى ذروتها.. فلان: مش عاوز منكوا حاجه ياولاد الكلب، ويقرر ى النهاية أن يتخلى عن هذا السم ولكن يقف له رفيق بالمرصاددد ويحاول بشتى الطرق أن يقنعه بأنه لا يمكنه ترك المخدرات وانه فى حاجه اليها فيزيد من شره ويستمر فى اغواءه وتشجيعه على الادمان، وى حوار سريع يتناسب مع الحالة التى الت اليها الشخصيات قد قرر التخلى عن الادمان ولكن فى هذه اللحظه يأتى عسل بالمطلوب وينهى الكاتب مسرحيته ويترك النهاية مفتوحة ويضع القارىء او المتلقى فى حيرة من الامر هل سيستجيب فلان لرفيق او يصر على رايه ويتخلى عن هذا السم، ومن خلال احداث المسرحية عناصر الخير نها ى الزوجة والاولاد اما عنصر الشر نراه فى شخص رفيق وعسل وكناريا..وهنا تتحقق ثنائية الخير والشر.
وفى مسرحية «المدسوس» نرى الكاتب يعتمد على الحكاية والسيرة الشعبية التى يواجه فيها البطل حاكما عربيا ظالما طاغية، يطمع فى ملك جيرانه، ويريد أن يسبى نساءهم ويأخذ خيراتهم، لا عن فاقة وعوز بل عن تجبر وطغيان، هذا البطل هو الذى سميت المسرحية باسمه والذى أخذ على عاتقه الانتقام، هو بطل من بنى قيس وبحسب السيرة من سادات العرب، والعدو هو حاكم عربى طاغية، فى بلاد اليمن، علم هذا الطاغية أن نساء بنى قيس من أمل نساء العرب، أرسل فى طلب الجليلة، تلك الجليلة ابنة مرة وخطيبة كليب، طلب هذا الطاغية أن يتزوجها بالقوة، ليخطفها من حبيبها وابن عمها كليب، هل يسكت كليب أو يقف مكتوفى الأيدى أمام هذا الظلم، أم يقاوم ويبحث عن وسيلة لإنقاذ حبيبته ووطنه من هذا الغاشم الظالم.. لا يقتصر الأمر على أن الظالم يريد أن يتزوج من ليلة بل اصبح الصراع بين كليب وبين الملك التبع الحسان، واصبح الصراع بين العاطفة والواجب حيث يريد كليب أن ينتقم من سارق حبيبته وينتقم ويثأر لمقتل ابيه ربيعه سيد عربان بنى قيس الذى وقف فى مواجهة الحاكم الظالم التبع الحسان الذى يذكرنا بشخصية فاضل ابو اليسر فى مسرحية ونيسة لنفس الكاتب كلا منهم يفرض سيطرته وطغيانه وقوته من اجل الوصول إلى غايته.. نجد أن الأحداث تبدأ بمراسم الاحتفال بخطبة جليلة على ابن عمها كليب ولكن نرى أن كليب مهموما وتنتابه حالة من الحزن لما وصلت إليه حالة بنى قيس، حيث يرى كليب أن الجميع يتوهمون العزة والكرامة والسيادة فى حين انهم يحكمهم حاكم ظالم، وقد تبدو شخصية التبع هى شخصية فاضل ابو اليسر وخربوش والماستر، وكليب يحمل على عاتقه الانتقام من هذا الظالم مثلما فعلت ونيسة فى مسرحية ونيسة ضد فاضل ابو اليسر..ظل الملك التبع الحسان يفرض سطوته وسلطته على بنى قيس بل ويأمرهم بدفع الفدية، فيقول كليب لعمه مرة الذى يتخذ موقفا سلبيا تجاه التبع:.... يا عمى ما فى أسياد ولا أعزة يقبلوا يشتروا الأمان بالخضوع ودفع الخراج والفدية كما الأصاغر.. ندد أن أطراف الصراع هو كليب وربيعة والتبع وحاشيته، فشخصية ربيعة هى شخصية إيجابية وتؤيد ما يفعله كليب بينما نجد الوجه الأخر لهذا هو مرة الذى يتخذ موقفا سلبيا ويشبه فى ذلك الداكر وموافى وعبد الوكيل فى مسرحية ونيسة وشخصية فلان فى مسرحية رفيق لنفس الكاتب.. حيث لا يقوى فلان على اتخاذ قرار صائب فى حياته أمام إغراء المخدر ومساعدة رفيق.
التبع الحسان يرض سطوته على ربان بنى قيس بالجند والسلاح.. يغتصب بلادهم ويستبيح نساءهم.. ويسلبهم حريتهم.. كليب: (....) ما أنا إلا عبد محكوم لملك غاصب؟!
يمثل الملك التبع عنصر الشر فى المسرحية هو واعوانه ويمتلك عيونا بصاصة مثلما كان يفعل خربوش فى مسرحية ونيسة فهو معاون فاضل أبو اليسر.. صار التبع الحسان فارضا سطوته على أراضى العربان وصار يحكم بسيفه والجميع يدفع لخزانته أموالهم من اجل أن يعيشون فى ديارهم، بينما يرفض هذا الوضع كليب وأبيه ربيعة ى حين أن مرة وساس لا يمثل الأمر بالنسبة لهم أية أهمية.. فبينما يحاول ربيعة أن يجد حلا لخروج هذا المغتصب من أراضيهم مرة يتخذ موقفا سلبيا تجاه التبع يقول مرة: (....) بيننا وبين التبع الحسان عه ومواثيق..ربيعة: عهد السلب والنهب والسطوة يا أخى. يدفع الكاتب بشخصية «شمعون» كاهن الملك الذى يشبه ى شره شخصية خربوش معاون فاضل ابو اليسر، وعلى النقيض له تماما هو «نبهان» وزير الملك الحكيم.. دائما ما يرى التبع أن بنى قيس ضعاف عجاف.. وانهم لا يقدرون على مواجهتهم هو وجنوده وانه هو عظيم سلطانه وعندما يأمر بالحرب ضدهم بناءا على وشاية «شمعون « له يتخذ نبهان موضع الحكمة ويرفض الحرب مع عربان بنى قيس، ويخبر الملك بانها لا تدر عائدا ويقترح عليه أن يتركهم دون حرب ويستفيد منهم لانهم يرعون مصالحهم ويفيدوهم، ويلقى هذا الفكر استحسان الملك التبع الذى يثق فى وزيره.
يستنكر التبع الحسان موقف مره ذلك الخاضع الذليل الذى يقدم فروض الطاعة إلى الملك ويقبل يده فيقول التبع: (...) ما ادرى كيف يكون متل هذا الخاضع الذليل الخسيس كبير على قوم وصاحب كلمة عليهم؟! متل هادا كبير إلا على ناس ماهم من اجناس الناس.
يقترح «نبهان» وزير التبع أن يصاهر بنى قيس ويستسيغ الفكرة الملك التبع ويقوم باجراءات التنفيذ ويدعم ايضا الفكرة شمعون كاهن الملك المطيع ويقرر التبع أن يحظى بالجليلة.. التبع: اريدها محظيتى وعروسى.. طريحة فراشى (...) اريدها مليكتى وجليلتى.. هادى الجليلة صارت جليلتى..هنا تتصاعد الاحداث وتبدأ نقطة الهجوم حيث بعدما كان الصراع على الارض اصبح على العرض ايضا بطلب الملك التبع جليلة، يتضح أن طلبات الملك اوامر ولا ينظر إلى اعراف او عادات وتقاليد.. فبرغم أن هناك بين عربان بنى قيس عادات وتقاليد يحافظون عليها فى مسألة الزواج إلا انه طلباته اوامر..دائما ما يطلب الوزير نبهان من الملك أن يتبع اللين والود كى يحظى بالجليلة وان يتخلى عن الشر والاغتصاب، وعلى الجانب الأخر نرى شمعون عنصر الشر يطلب من الملك العكس فيقول شمعون: هادول العربان نماريد.. لو نويت عظمتك تاخد من نساهم اللى تنول الشرف.. وجب يكون هادا الشرف مع الترهيب والتأنيب وإظهار الجبروت..حتى تنكسر فيهم روح العناد والكبر.. وهنا تظهر شخصية نبهان الوزير حينما بعث برسالته إلى ربيعة ومرة كى يخبرهم بأمر الزواج.. فتظهر علامات الخوف والضعف لدى مره وبمجرد معرفته بأن الملك قد حشد جيوشه وعتاده إلا ويثير فيه الخوف فيقول مرة: (...) ما يحشد الملك جيوش وعتاد إلا للحرب والضرب والخراب، ربيعة: بيجوز يريد يستعرض قوته ويورينا مدى بأسه على سبيل الترهيب والتخويف يا اخى.ويبلغهم الرسول المبعوث بان الوزير نبهان يكن لبنى قيس كل الود والإعزاز.. طالبا منهم الحكمة والعقل، وهنا فعل نبها كان تمهيدا لما سيفعله فى النهاية وفى مساعدتهم على التخلص من شر الملك التبع الذى حذره مرارا أن يتخلى عن شره ولكنه لم ينتبه! بعث الرسول برسالتين واحده منهم تخص ربيعه وهو محتواها أن الملك التبع سيأتى بجيوشه لزيارتهم، ورسالته الأخرى تخص مرة ومحتواها أن الرسالة فيها اهم الأسباب التى ياتى من اجلها الملك التبع فيقول الرسول: اهم الأسباب اللى جاى من شأنها الملك التبع إليكم.. انه يأخذ بنتك الجليلة ويتزوجها.. فهنا تنقلب الأحداث فبعد أن كان يستعد الجميع للاحتفال بزواج كليب من جليله ازداد الامر تعقيدا بهذا الخبر ويرى همام أن هذا الخبر هو نذير شؤم بينما يراه مره خبر السعد والوعد، خبر الجاه والملك والثراء، هو بالشخص المتطلع، الذى يريدان يصل إلى غايته دون أهمية ما هى الوسيلة، يقف هنا جساس مندهشا لرد فعل والده مره بينما يرى مره أن ما يطلبه الملك التبع هو ما يجعله يعتلى فوق رؤوس الناس فالغاية لديه تبرر الوسيلة. وفى اللحظة التى تطلب ففيها ليله من والدها واخويها تحديد موعد الزواج يخبرها مره بان الملك التبع يريد الزواج منها وهذا ما يثير غضبها ويفصح عما بداخلها تاه هذا الملك من كره فتقول جليلة: هادا التبع المأفون المجنون يريد يتزوجنى انا؟ كيف يعنى؟، كل مايتمناه مره أن يتم هذا كى يصل إلى مايريد ويتمنى ويحاول أن يخفى هذا عن ضباع زوجة ابنه همام ولكن الصدفه تجعل ضباع تسمع الحقيقة ففتقول ضباع: (فى أسى عميق) بايش أخبر أبى وأخوتى يا عمى؟ أنا قلبى ما يطاوعنى افجعهم فى شقيق أبى ياللى فرحان بان الملك اللى غاصبنا بيريد ياخد عروس أخى أمير الباية وزينة فرسانها.
ضباع: (....) أخبر أبى وإخوتى بما ينتزع قلوبهم من صورهم ويفجعهم فى أقرب الناس اليهم؟! ثم وهى تقترب من همام زوها.. أخبرهم باللى يهد كل ما بين دارنا وداركم من ود وعشرة.
يقف كل من همام وجساس وجليلة وضباع أمام رغبة مرة الذى يحاول أن يقنعهم بالعقل والحكمة فى تدبير الأمر.

اللقاء المرتقب
إنه فى الوقت الذى يجثو مرة على ركبتيه ويقبل الملك التبع ويثير سخريته فى ذات الوقت يقف ربيعة أمامه بكل قوة ويفعل عكس ما فعله أخوه مرة مع الملك ويرفض أن يقبل يده ويذكره بإعالة الشنعاء المتكررة وجرائمه التى يرتكبها فى حق بلاهم مما يثير غضب التبع ويأمر بقتله، يقتل التبع أمام أخيه مرة دون أى ردة فعل منه خوفًا من غضب وبطش الملك له والإطاحة به مثلما عل بربيعة.
ثأر كليب:
احتدم الصراع وأصبح الأمر لا يتعلق بظلم التبع فقط ولا بما يفعله بهم ولكن اصبح هناك دافع للانتقام من قاتل ابيه والثأر له، وهنا تظهر شخصية «أبونعمان» العابد الذى ينير له الطريق ويساعده فى الانتقام من القاتل، وتاتى جليلة لتواسى حبيبها كليب وتؤكد له أنها لا يمكن أن تلبى رغبة التبع الذى سيتخذها سبية فى صورة عروس. فقد كان العابد أبونعمان كثيرًا ما يعده بالخير والإحسان، يستعمل عقله فى تدبير الأمور وحينما تطلب ضباع الانتقام من القاتل يحاول أبونعمان أن يقول لها إنه إذا هاجم الجميع التبع ستكون نهايتهم الموت. أبونعمان: الدخول فى حرب وقتال مع جيوش التبع اليمانى (...) كما الدخول ى حلف التهكم والموت.
تدهورت حالة أبناء ربيعة كما تدهورت أيضًا حالة مرة الذى يلقى عليه اللوم فقد مات أخوه أمام عينيه دون أن يفعل أى شىء.
لحظة الندم:
مرة: إيه نعم.. نعم يا جساس يا ولدى.. نعم يا وائل يا ابن اخى.. نعم تركنى هاددًا الكلب المسعور أعيش.. أعيش للمهانة والمذلة.. تركنى للموت وأنا أسير على أقدامى.. اللئيم الخسيس قتل أخى وجميع من كانوا معنا وتركنى أنا.. تركنى للويل والندامة.
حيلة كليب:
إنه بمجرد سماع التبع بجليلة وإنها من أجمل بنات عصرها، اشتد غرامه بها وتعلق قلبه بحبها وأصبح كل مراده هو أن يتزوج بها، لكن لا تقبل جليلة بأن تكون زوجه لغير كليب طلبت منه الزواج قبل أن تصل إلى قصر التبع، وبالفعل يبارك أبونعمان الزواج، وقد أظهر الكاتب شخصية «حجلان» التى لها هى الأخرى مظلمة وتريد أن تنتقم من الذى تسبب فى تخليها عن منصبها فقد كانت كبيرة الكهان وأوشى بها شمعون لدى الملك نزع منها مكانها فى القصر.
ساعد نبهان وأبونعمان كليب للوصول إ الملك التبع وتدبير المؤامرة ضده فركبت الليلة هودجها، وتقلد كليب السيف خلف ظهرة وذهبت إلى قصر الملك ومعها كليب الذى يقوم بتسجيد شخصية بهلول التى تطلب جليلة من الملك أن يسرى عنهما ليلة العرس فيرفض ثم يوافق حتى يحظى بعروسه وتكون هى لحظة نهاية الملك التبع الحسان، نهاية الظلم والطغيان. فينتصر الخير على الشر، وتنتهى المسرحية نهاية سعيدة بمباركة الزواج.


أميرة مصطفى