«القومى للمسرح» يحيى ذكرى عبدالغفار عودة بعرض «عودة.. طرح الأرض» على مسرح الغد

«القومى للمسرح» يحيى ذكرى عبدالغفار عودة بعرض «عودة.. طرح الأرض» على مسرح الغد

العدد 967 صدر بتاريخ 9مارس2026

 فى سجل المسرح المصرى أسماء لا تختصر فى أدوار أدتها، ولا فى عروض شاركت بها، بل تمتد قيمتها إلى ما هو أبعد من ذلك، إلى روح صنعت الفارق، ورسالة آمنت بأن الخشبة ليست مجرد مساحة للعرض، بل منبر للفكر والجمال والالتزام.
ومن بين تلك الأسماء يبرز الفنان الراحل عبدالغفار عودة كأحد المبدعين الذين وهبوا حياتهم للفن ممثلًا ومخرجًا، فتركوا أثرًا راسخًا فى ذكراة الحركة المسرحية المصرية.
لم يكن عبدالغفار عودة مجرد فنان يؤدى أدوارًا بل كان صاحب رؤية، يتعامل مع النص بوصفه كائنًا حيًا يحتاج إلى قراءة عميقة وتأمل، ويصوغ الشخصية بإحساس صادق يجمع بين الحرفية والدفء الإنسانى تنقل بين خشبات المسارح حاملًا شغفه مؤمنًا بأن المسرح فعل تنوير وتغيير، وأن الفنان الحقيقى هو من يضيف إلى وعى جمهوره كما يضيف إلى متعته البصرية والسمعية.
امتدت بصمته إلى التليفزيون والإذاعة، حيث أثبت حضوره وقدرته على التنوع، محتفظًا دائمًا بملامحه الفنية الخاصة، وبنبرة أداء تحمل صدقًا وهدوءًا وثقة. أما فى الإخراج فقد عرف باهتمامه بالتفاصيل، وحرصه على تقديم رؤية متكاملة تحترم النص والممثل والجمهور معًا، ليؤكد أن الإبداع لا يكتمل إلا بروح الفريق والعمل الجماعى.
كان عبدالغفار عودة نموذجًا للفنان المثقف الذى يدرك قيمة التراث ويؤمن بضرورة الحفاظ عليه، وفى الوقت نفسه ينفتح على التجديد والتجربة. لذا ظل اسمه حاضرًا فى سياق الحديث عن جيل اسهم فى ترسيخ قواعد المسرح الجاد،وصنع ملامح مرحلة مهمة من تاريخه.
إن استعادة سيرته اليوم ليست مجرد وقفة تأبين، بل هى قراءة فى مسيرة فنان عاش للمسرح وعاش به وترك لنا إرثًا من العطاء يليق بأن يروى ويحتفى به، لتبقى تجربته شاهدًا على زمن كان فيه الفن رسالة وكان المسرح بيتًا للحلم والمعرفة والجمال.
فى أجواء رمضانية مفعمة بالوفاء والاعتزاز بتاريخ المسرح المصرى، أحيا المركز القومى للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية ذكرى رحيل الفنان القدير عبد الغفار عودة، وذلك من خلال عرض الحكى والغناء «عودة.. طرح الأرض» الذى احتضنه مسرح الغد بالعجوزة فى التاسعة والنصف مساء الجمعة 27 فبراير، وسط حضور جماهيرى لافت من الفنانين والمهتمين بالحركة المسرحية ورواد المركز.
وجاءت الأمسية ضمن برنامج المركز الفنى خلال شهر رمضان، الذى يهدف إلى استعادة السير الإبداعية لرموز الفن المصرى، وتقديمها فى صيغة تجمع بين التوثيق والدراما والشعر والغناء بما يليق بقامات فنية أسهمت فى تشكيل الوعى والجمال على خشبة المسرح واستعرض العرض محطات مضيئة من السيرة الذاتية والفنية للفنان الراحل عبد الغفار عودة، الذى تميز ممثلًا ومخرجًا مسرحيًا، وترك بصمته فى مجالات المسرح والتليفزيون والإذاعة،حيث قدم قراءة إنسانية وفنية لتجربته مسلطًا الضوء على بداياته، وتكوينه الفنى، وأبرز أعماله، ورؤيته للمسرح باعتباره رسالة تنوير ومسئولية ثقافية. كما توقف العرض عند دوره فى دعم الحركة المسرحية المصرية، وأسهاماته فى صقل أجيال من الفنانين، ليؤكد أن حضوره لم يكن عابرًا بل ممتدًا فى ذاكرة الإبداع وتجلت فى “عودة .. طرح الأرض” صيغة فنية جمعت بين الحكى الشعرى والمشاهد الدرامية والمقاطع الغنائية، بما اضفى على الأمسية طابعًا وجدانيًا خاصًا، أعاد للجمهور صورة الفنان الإنسان، بكل ما حمله من شغف وإخلاص للمهنة، وانحياز دائم لقيمة الفن.
اقيمت الاحتفالية برعاية الدكتورة جيهان زكى وزيرة الثقافة، وبدعم المخرج هشام عطوة رئيس قطاع المسرح، وبإشراف المخرج عادل حسان مدير المركز القومى للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية، وبالتعاون مع البيت الفنى للمسرح، يأتى ذلك فى إطار رؤية موسسية تستهدف الحفاظ على الذاكرة الفنية المصرية، وتوثيق مسارات روادها للأجيال القادمة.
العرض من كتابة وأشعار د.مسعود شومان، وإخراج الفنان القدير سامح مجاهد، الموسيقى والألحان إهداء من الفنان أحمد الناصر، شارك فى تقديم الحكى والغناء نخبة من الفنانين هم: ريم أحمد، محمود الزيات، عبير الطوخى، طه خليفة، محمد صلاح، وبمشاركة وغناء الفنان ماهر محمود ، بينما تولى تنفيذ الإخراج محمد سليم وإنجى إسكندر.
شهدت الاحتفالية تفاعلًا واضحًا من الحضور الذين تابعوا فصول العرض فى أجواء من التأثر والاعتزاز، فى ليلة أعادت التأكيد على أن المسرح لا ينسى أبنائه، وأن أسماء مثل عبد الغفار عودة، تظل حاضرة بما قدمته من عطاء صادق وتجربة ثرية ستبقى جزاء أصيلًا من تاريخ الحركة المسرحية المصرية.
أكد الدكتور مسعود شومان، مؤلف «عودة.. طرح الأرض» أن الفنان عبد الغفار عودة يُعد واحدًا من أبرز الشخصيات المسرحية فى مصر، رغم أن لم ينل التقدير الذى يليق بحجم منجزه الفنى، وأوضح أن فكرة كتابة سيرته ومسيرته جاءت عقب اقتراح من المخرج سامح مجاهد، الذى دعاه لتوثيق تجربة هذا الرائد المسرحى، مشيرًا إلى أنه تحمس فورًا للمشروع، خاصة مع الدعم الذى تلقاه من المخرج عادل حسان، مدير المركز القومى للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية.
وأوضح شومان، أن عنوان العرض «عودة.. طرح الأرض» يعكس جوهر شخصية عبد الغفار عودة، الذى خرج من بيئة ريفية أصيلة تركت أثرها الواضح فى تكوينه الإنسانى والفنى، فامتزجت الجدية بالتجديد فى مسيرته، وأضاف أن انتماءه الريفى دفعه إلى الإيمان بفكرة وصول المسرح إلى النجوع والكفور أن هذا التوجه مثل جانبًا مهمًا من مشروعه.
وأشار إلى أن العمل حمل روحًا توثيقية واضحة، وهو ما تطلب جهدًا كبيرًا فى البحث وجمع المادة، سواء عبر التواصل الميدانى أو الرجوع إلى أفراد من أسرته أو الإطلاع على الوثائق والحوارات الصحفية التى تناولت تجربته وأكد أنه اعتمد على مصادر متعددة لرصد مجمل أفكار عبد الغفار عودة، وأبرز عروضه المسرحية والتلفزيونية والسينمائية متوقفًا عند أدواره المؤثرة فى المسرح، سواء من خلال المسرح المتجول، أو عبر مشاركاته فى البيت الفنى للفنون الشعبية، وكذلك أعماله ضمن الثقافة الجماهيرية.
وكشف شومان أن رسالة العرض تسلط الضوء على منجز عبد الغفارعودة بوصفه فنانًا مؤثرًا فى المسرح والدراما المصرية وصاحب إسهام جوهرى يستحق أن يُستعاد حضوره وتقدم تجربته للأجيال الجديدة وأوضح أن شخصيته الفنية كانت متعددة بالمسرح العام والمتجول، وبأفكاره متنورة سعت للوصول إلى الناس فى مختلف أقاليم مصر.
وتابع أن «عودة.. طرح الأرض» يستلهم رمزية الأرض ذاته، باعتبار عبد الغفار عودة، أبنًا للريف مؤمنًا بالناس والفلاحين وجموع البسطاء فكان- بحسب وصفه – أشبه بالأرض الخصبة التى تنبت الخير وتثمر باستمرار. وأضاف أن منجزه ظل حاضرًا ومؤثرًا فى المسرح المصرى، لا سيما من خلال تجربته فى المسرح الغد، مؤكدًا أنه عاد دائمًا إلى جذوره الأولى ، مؤمنًا بأن المسرح ليس ترفًا، بل رسالة إنسانية قادرة على البقاء حتى بعد رحيل صاحبها، ليظل اسم عبد الغفار عودة حيًا فى الوجدان الفنى والثقافى.
قالت الفنانة عبير الطوخى، إحدى المشاركات فى عرض «عودة.. طرح الأرض» إنها استقبلت دعوة المخرج سامح مجاهد، للمشاركة فى إحياء ذكرى الفنان عبدالغفار عودة، بترحاب بالغ، مؤكدة أنها شعرت بسعادة وفخر كبيرين، ولم تتردد لحظة فى الموافقة على المشاركة فى عمل يعيد تسليط الضوء على سيرة أحد الرموز المهمة فى تاريخ المسرح المصرى.
وأوضحت الطوخى، أن عبدالغفار عودة، لم يكن فنانًا قديرًا فحسب، بل كان نموذجًا إنسانيًا رفيعًا ترك اثرًا عميقًا فى كل من تعامل معه، قائلة: «كان إنسانًا بمعنى الكلمة قبل أن يكون فنانًا أو مديرًا»، مشيرة إلى أن تجربتها معه فى بداياتها الفنية تمثل محطة فارقة فى مسيرتها.
وأضافت أنها تعاونت معه فى مستهل مشوارها من خلال مسرحية «العشق والغربة» التى أخرجها، والتى تناولت السيرة الذاتية للمفكر الراحل جمال حمدان، مؤكدة أن العرض اعتمد على تقنيات الحكى والجوقة المسرحية، وهو ما أتاح لها فرصة الاحتكاك المباشر بأسلوبه الإخراجى القائم على الانضباط والوعى الفكرى والاهتمام بالتفاصيل.
وكشفت الطوخى، عن أن عبدالغفار عودة، هو من أجرى لها اختبار القبول، حيث طلب منها تقديم مشهدين، أحدهما باللغة العربية الفصحى والآخر بالعامية، لقياس قدراتها الأدائية وتنوع أدواتها الفنية،لافتة إلى أنه كان صاحب الفضل فى انضمامها إلى نقابة المهن التمثيلية، وهو ما تعتبره خطوة محورية فى حياتها المهنية.
وتابعت أن تجربتها معه لم تقتصر على الجانب الفنى فقط، بل تعلمت منه الكثير على المستوى الإنسانى والإدارى، خاصة خلال فترة توليه إدارة مسرح البالون، حيث كان حريصًا على تفقد أرجاء المسرح يوميًا قبل التوجه إلى مكتبه، ويتابع نفسه أدق التفاصيل المتعلقة بسير العمل، بدءا من خشبة المسرح وصولًا إلى المرافق والخدمات، فى انعكاس واضح لشخصيته المنضبطة وحرصه على ترسيخ ثقافة احترام المكان والعاملين فيه.
وأكدت أنه كان مديرًا نشيطًا ومثقفًا ومحبًا للحياة، يتمتع بروح إنسانية عالية، وكان حريصًا على التواصل الدائم مع زملائه وتلاميذه، مضيفه أنه اعتاد أن يسهل لقاءاته بعبارته الشهيرة «أخبار الحب إيه» فى دلالة على طبيعته الودودة وإيمانه بأن الفن لا ينفصل عن المشاعر الإنسانية.
واختتمت عبير الطوخى، حديثها بالتأكيد على أن مشاركتها فى عرض يتناول سيرة عبد الغفار عودة تمثل بالنسبة لها ردًا رمزيًا للجميل، ومحاولة للتعبير عن امتنانها لتجربة شكلت وعيها الفنى وأسهمت فى انطلاقتها، مشددة على أن استعادة سير الرواد مسئولية ثقافية وفنية تضمن استمرار تأثيرهم فى الأجيال الجديدة.
 


تغريد حسن