خيال جميل.. عرض حكى تفاعلى ممتع للطفل

خيال جميل..  عرض حكى تفاعلى ممتع للطفل

العدد 963 صدر بتاريخ 9فبراير2026

فى إطار الملتقى الخامس لفنون العرائس والدمى والفنون المجاورة التى أقامته الهيئة العربية للمسرح بالتعاون مع وزارة الثقافة المصرية فى الفترة من (21 - 23 يناير 2026م)، قدمت شركة بدعة للإنتاج والتوزيع الفنى من الجمهورية التونسية الشقيقة العرض المسرحى خيال جميل على مسرح عبدالمنعم مدبولى (متروبول سابقا) وكتب النص (دراماتورجيا) منال بكورى ومن إخراج محمد الأخوص، وحاز العرض أربع جوائز حين قُدم فى مهرجان مسرح العرائس العربى الثالث الذى أُقيم فى مدينة الزرقاء بالأردن من (1 - 4 يوليو 2025)، وهذه الجوائز، هى: جائزة أفضل نص، جائزة أفضل صنع دمى، جائزة أفضل محرّك دمى، جائزة أفضل دمية.
قام محمد الأخوص فى هذا العرض بالتحدث بصوته الطبيعى حيث قام بدور المحرك، ثم تكلم بصوت مستعار عندما لعب شخصيات الدُمى، واعتمد على فن التكلم البطنى لخلق حالة كلامية للأشياء غير الحقيقية مثل الدُمى، وهو ما يسمى بفن الأداء البطنى، وهو فن أدائى يقوم الشخص بتغيير صوته ليصدره من مكان آخر مثل الدُمى مع إبقاء شَفتيه ثَابتتين تمامًا، مما يُوحى بأن الصوت صادر من الدُمية وليس من هذا الشَخص، وهذا الفن يعتمد على تحكم دقيق فى عضلات الحنجرة، حيث إن الصوت يَصدر من الأَحبال الصوتية، ويُحرك المتكلم الدُمية لتَتناسب مع الكلمات، مما يخدع الجمهور بصريًا وسمعيًا، ويعتمد هذا الفن على مهارة تدريبية تتطلب وقتًا لإتقان رمى الصوت دون تحريك عضلات الوجه، والتحدث بطريقة يبدو فيها الصوت وكأنه قادم من مسافة بعيدة أو من مصدر آخر غير المتحدث.
إذا تطرقنا لعنوان العرض نجدة يتكون من كلمتين، وكلمة خيال فى اللغة العربية تُثمل دلالات متعددة، وهى تعنى القدرة الذهنية، أو قدرة العقل على تصور أو تخيل صور أو أفكار غير موجودة فى الواقع المباشر، وكلمة جميل هى صفة تدل على الحسن فى الهيئة والخلق، أو تطلق على أسم علم مُذكر من أصل عربى، ومن خلال العرض يفهم المتلقى أنه خيال جميل بمعنى أن التصور أو التخيل للموضوع حسن، أو تفهم خيال جميل بأن الأحداث تعرض بواسطة تخيل شخص يدعى جميل وهو الأقرب للتفسير.
تدور الفكرة الرئيسية للعرض عن الحكايات الشعبية المشهورة فى البلدان العربية الخاصة بالأطفال وإعادة اكتشاف الحكاية والتى من خلالها تعلم الطفل بأنه لابد على الإنسان أن ينصت ويسمع لكل الأطراف التى تدور حوله الأحداث ثم يحكم على الموضوع، فلابد من إعطاء الفرصة لكل وجهات النظر حتى يتم الحكم على الأشياء حكمًا سليمًا، ولذلك يجب أن نستمع لجميع الأطراف قبل أن نصدر حكمًا.
تتمثل الأحداث بأن تقوم كاتبة (منال بكوري) بكتابة نص للأطفال ونشاهدها تشرك فى عملية حوار ما بين مُحرك الدُمى (محمد الأخوص) والشخصيات التى تظهر من خلال القصص وهى عبارة عن مجموعة من الدُمى ودُمْية الطفل جميل وهو مُحرك الحدث، حيث أَنه يُحب قراءة القصص ولاحظ أَن الذئب دائمًا شرير فى هذه القصص فسأل سؤال يريد جوابة وهو: لماذا الذئب دائما شرير فى كل القصص؟ فمن خلال الأحداث نشاهد الإستدعاء لكل الشخصيات التى ظلمها الذئب، ومن هذه الشخصيات ليلى الموجودة فى قصة ليلى والذئب (ذات الرداء الاحمر) فقد سبقها الذئب إلى منزل جدتها وأكل الجدة، وفى حكاية أخرى أخفاها فى الخزانة حيث أن للقصة نُسخ مختلفة، ثم تَنكر فى ملابس جدتها، لكنها عندما وصلت منزل جدتها وجدته يَدَعى أنه هو جدتها بعدما قام بارتداء ملابسها ومن قوة ملاحظتها بدأت بتوجيه بعض الأسئلة له ومنها:
ليلي: لماذا أذنك كبيرة؟
الذئب: حتى أَسمعك.
ليلي: لماذا فمك كبير؟
الذئب: حتى أَمسككِ به.
ليلى: لماذا أسنانك كبيرة؟
الذئب: حتى أَكلكِ بها.
ثم يهجم عليها الذئب ليأكلها؛ لكن الصياد جاء وانقذها.
وكذلك قصة الخرفان السبعة والذئب، وتحكى القصة أن أم هؤلاء الخرفان خرجت فى يوم كى تحضر لهم الطعام، فتنكر الذئب وادعى أنه الأم وفتح الخرفان له الباب فدخل وأكل الخرفان، لكنه فى العرض ترك واحدًا من هؤلاء الخرفان لم يأكله ليستدعى فى الأحداث ويحكى من وجهة نظره الحكاية، ثم يستدعى الذئب لسماع وجهة النظر الأخرى..
لعب محرك الدُمى عدة شخصيات منها الشخصية الأساسية كَمُحرك للدُمى أو صديق الدُمْية جميل ليحاور الشخصيات وهو الذى يحاول البحث عن حقيقة الحكايات، ونطلق على جميع الشخصيات شركاء فى الحكاية ثم شخصيات الدُمى الأخرى وهى ليلى، الخروف، السُلحفاة، الذئب
الشريك جميل ولد أو طفل فضولى يحب أن يعرف كل شيء ويطرح كثير من الأسئلة وهو مشاكس ومشاغب فى بعض الأحيان، يحاول أن يثير الإضحاك ويتحدث دائما مع المتلقى، وخروف هو الخروف الذى أكل الذئب إخوته عندما خرجت أمه لتحضير لهم الطعام، وقام بعمل حوار تفاعلى مع المتلقى به بعضًا من الكوميديا، حيث يفعل بعض من الحركات التى تثير الضحك مثل أن يُسرح شعرة ويرفع القُصْة من على عينيه، ويضع قدمة الأمامية فى فمه ويمضغ بفمه، والذئب لا توجد له تفاصيل كثيرة باعتباره المتهم وكان فى موقف دفاعى دائمًا، فهو الذئب الشرير الذى يجاوب فى كل مرة بحجج واهية، وسَلحوف هو الحكيم باعتباره أن لديه منزله الذى يختبئ فيه ويلاحظ الحكايات وهو يعيش طويلا ويعلم ما حدث ويخبرنا به، لكنه مضطرب بعض الشىء مما يثير الضحك، وليلى هى فتاة صغيرة وليست لديها الخبرة فى الحكايات، لكن يفاجئ المتلقى أن اسمها فلة وليست ليلى حيث كانت تقول دائما هى أى ليلى، وأنها قد جاءت بالخطأ لكنها تعرف الحكاية فيضحك المتلقى على سوء الفهم، فكان الضحك بالنسبة للأخوص ضرورة فى بناء العرض، حيث أنه عرض حكى وتفاعلى للطفل والغرض منه إمتاع المتلقى بالحكايات وإيصال رسالة العرض بشكل بسيط.
كان الديكور الموجود على المسرح عبارة عن صندوق أحمر وضع فى مقدمة المسرح يمين المتلقى ومن الممكن أن نطلق عليه صندوق الخيال كان يفتحه محرك الدُمى ويستخرج منه إحدى الدُمى ليقيم معها حوار ثم يدخلها ويخرج أخرى على مدار العرض، وكرسى تجلس علية الكاتبة وضع فى المقدمة يمين المتلقى، وفى وسط مقدمة المسرح وضعت منضدة لتقف عليها الدمية التى يتحدث معها المحرك لتخبرنا بحكايتها، وبجوارها كرسيان ليضع على أحدهما جميل والآخر توضع عليه السُلحفاة، والكرسيان متجهان ناحية الخلف حتى يقع الإيهام عند الجمهور عندما يتكلم المُحرك نيابة عن الدُمى بالصوت البطنى بأن هذا الصوت يأتى من مصدر داخلى بالمسرح، ويعتقد الطفل بأن الدُمى خاصة جميل هى التى تتكلم بالفعل.
كانت إضاءة (زينب المرزوقى) بسيطة يضع الدُمى فى مركز الاهتمام فكانت البؤر الضوئية خصيصًا للدمى، واستخدمت بعض الألوان لتشد انتباه الطفل، وكان لها دلالات بسيطة ليست كعروض الكبار، فكانت الإضاءة على صندوق الدمى لونها أصفر، ثم يتحول تأثير اللون مع كل شخصية (الجو العام) تخرج من الصندوق فنرى اللون الأحمر فى حكاية ليلى والذئب فى دلالة على رأسها الأحمر، وكان اللون الأزرق الغامق الممثل لشر وخبث ومكر وخداع الذئب، وكان اللون الأخضر ممثلًا لمرعى الخروف، وأحيانًا كان يظهر اللون البنفسجى مع سَلحوف، وهو شخصية مُعمرة واللون البنفسجى نفسيًا هو لون يساعد على الشعور بالرضا وتقبل الذات، ويعتبر لون التوازن العاطفى والسلام الداخلى والحكمة، كما يعتبر لون الإنسانية كونه يجمع بين القوة والحكمة، كما ارتبط تاريخيًا بالأساطير.
كل التحية لكل من ساهم فى ظهور هذا العرض للنور.


جمال الفيشاوي