«آخر ظلال الأرض».. حين يفضح المسرح هشاشة الأخلاق

«آخر ظلال الأرض».. حين يفضح المسرح هشاشة الأخلاق

العدد 962 صدر بتاريخ 2فبراير2026

أسئلة بلا إجابة؛ هكذا قدّم يوسف المنصور العرض المسرحى «آخر ظلال الأرض» على مسرح جامعة بنى سويف. يقدّم العرض قرية من الصعيد قائمة على الزراعة، يأتى إليها مجموعة من الضيوف يشجّعون أهلها على بيع أراضيهم مقابل مبالغ مالية عالية، ويكون المحرّك الأساسى للبيع هو معرفة هؤلاء الضيوف بنقاط الضعف الخاصة بجميع أفراد القرية، لينتهى الحال بكل من باع أرضه إلى تهلكة نهائية لا رجعة منها.

عتبة العنوان: «آخر ظلال الأرض» ومنطق ما بعد الكارثة
عند النظر إلى عتبة نص المسرحية «آخر ظلال الأرض»، فإن استخدام لفظ «آخر» يعبّر عن منطق ما بعد الكارثة؛ فلحظات انهيار أحداث العرض لا تأتى فجأة، بل تتآكل ببطء شديد، حتى لا يتبقى سوى الأثر، يليها لفظ «الظلال» دلالة على الغياب. فالظل لا يمتلك القدرة على الفعل، بل هو هامش رفيع، نجده يعبّر داخل العرض عن فقدان الإنسان لمركزيته؛ فبناءً على ذلك يتحوّل إلى ظل باهت بلا وجود، ويتحوّل من فاعل إلى مفعول به، فيغدو نتيجة لا سببًا.
وتأتى كلمة «الأرض» فى نهاية العنوان، لا لتُقرأ بوصفها مجرد فضاء جغرافى، بل كمفهوم حضارى وأخلاقى؛ فحين تصبح الأرض بلا أصحاب، أو حين يُنظر إليها كبضاعة، لا يبقى عليها إلا الظلال. لم يعد البشر جذورًا، بل عابرين، فجاء العنوان كاملًا محمّلًا بدلالة تحذيرية: إن تنازل البشر، فلن يبقى غير الأثر.

مسرح الأسئلة القاسية: تعرية الهشاشة الإنسانية بلا خلاص
ينطلق العرض المسرحى من منطقة رمادية شديدة الحساسية، هى منطقة تآكل القيم، حيث يتحوّل الإنسان من كائن فاعل فى التاريخ إلى ظل باهت داخل منظومة استهلاكية كاسحة. لا يطرح العرض المسرحى إجابات منذ بدايته، بل يواصل تعرية الأسئلة حتى حدود القسوة، ليصل إلى كشف ضعف وهشاشة النفس البشرية حين تجد مفرًا لتُظهر قوتها.

الدائرة الزمنية المغلقة: نقد البنية الأرسطية من داخلها
يلتزم العرض المسرحى بالبنية الأرسطية: بداية ووسط ونهاية، حيث يبدأ وينتهى باللوحة الفنية نفسها، التى تجمع مجموعة من الفنانين على جنبى المسرح. وهى دلالة على أن هذا المنطق ذاته هو ما ينتقده العرض؛ منطق التاريخ المنتصر الذى يكتب نفسه بوصفه قصة متماسكة، بينما نحن أمام دائرة زمنية مغلقة تعيد إنتاج القهر، وكأن الشخصيات محكومة بتكرار المصير نفسه بأقنعة مختلفة.
ينتقل النص المسرحى «آخر ظلال الأرض» بين عصور سحيقة، وتمسّك أهل الصعيد بالعادات والتقاليد التى تربّوا عليها، وبين لحظات حديثة تنتمى إلى عصر الإنترنت، وصولًا إلى الإشارة إلى المستقبل، من دون فواصل زمنية واضحة؛ لأن النص يرى أن الزمن لا يتقدّم أخلاقيًا. ما يتغيّر هو الشكل فقط، أما الجوهر - القمع، الاستغلال، التواطؤ - فيبقى ثابتًا.

الشخصيات كحالات اجتماعية: غياب البطل وصعود الفكرة
احتوى العرض المسرحى على شخصيات متعددة، حمل بعضها رموزًا واضحة؛ مثل الجد الذى مثّل الذاكرة فى هذا المجتمع، وسؤال ياسين الذى يجسّده حسام حسن طوال الوقت: «ماذا أفعل؟»، والطبيب الذى يُعدّ ضميرًا مهنيًا مستيقظًا فى البداية، ثم يتحوّل تحت ضغط شديد إلى شخص مستسلم، وربما لا يشعر أنه أصبح جزءًا من هذا الفساد. بينما جاءت شخصيات «الضيوف» رموزًا لقوة رأس المال بلا أخلاق، وقدّمت بعض الشخصيات النسائية بوصفها جسدًا مستباحًا، لتصبح معظم الشخصيات قريبة من مسرح الأفكار أو المسرح الذهنى على طريقة توفيق الحكيم.
على صعيد آخر، نجد بعض الشخصيات مثل السيدة التى تسعى إلى منع ابنها من الاختلاط بمجتمع الضيوف أو أم تلك السيدة التى تدخّن بشراهة أمام حفيدتها. كما أن تداخل بعض الشخصيات بأسماء المخدرات بطريقة مباشرة أضفى على هذه المشاهد قدرًا من السطحية، فأضحت الشخصيات بلا عمق سيكولوجى ممتد. ويبدو أن العرض لا يهتم بالشخصية بوصفها بطلًا بل بوصفها حالة اجتماعية تناقش أزمة فقدان الأخلاق.

اللغة بوصفها ساحة صراع: الفصحى العامية واللهجة الصعيدية
اللغة فى عرض «آخر ظلال الأرض» ليست مستقرة؛ إذ يتداخل العامى المصرى، واللهجة الصعيدية، واللغة العربية الفصحى، مع إحساس شعرى فى نطق الحوار. هذا التداخل لم يكن فوضويًا، بل جاء منظمًا للغاية؛ فالبداية جاءت باللغة العربية الفصحى، وربما كان هذا المزيج نتيجة لكثرة القضايا المطروحة، بحيث لا توجد لغة أو لهجة واحدة قادرة على احتواء قسوة الواقع. إضافة إلى ذلك، يُروى التاريخ بأكثر من وجهة نظر؛ فيرى الظالم نفسه مظلومًا، ولذلك لا توجد رواية واحدة للتاريخ.

الإضاءة كوعى بصرى
جاءت الإضاءة فى «آخر ظلال الأرض» تفكيكية، لا بوصفها عنصرًا تقنيًا فحسب، بل كبنية فكرية قائمة بذاتها. فجأة تصبح الألوان مزيجًا متضادًا، مع اعتماد الاعتام السريع والانتقالات الحادة بين الضوء والظل، فى محاكاة لحالة وعى جماعى يلمح الحقيقة ولا يراها كاملة، يدرك الخطر متأخرًا، ويتنقّل بين الانكسار والانكشاف. فى بعض اللحظات، تُضاء أجزاء من الخشبة وتُترك أخرى فى العتمة، وكأن المجتمع نفسه منقسم بين من يرى ومن يختار ألّا يرى. لقد عبّرت الإضاءة عن كل مشهد بدقة عالية.

السُّلَّم كاستعارة للهرم الاجتماعى
السينوغرافيا فى عرض «آخر ظلال الأرض»، وعلى الرغم من بساطة الديكور الظاهرية، استُخدمت بوعى جمالى ودلالى بالغ الذكاء. اعتمد العرض على عنصرين أساسيين هما السُّلَّمان، حيث يبدأ المشهد الافتتاحى بوقوف الممثلين على قمتهما فى تشكيل يُحاكى الهرم المدرَّج، ليتحوّل هذا التكوين إلى استعارة بصرية لبنية المجتمع ذاتها.
فعلى قمة الهرم يقف الممثل الممسك بالهاتف المحمول، بوصفه تمثيلًا رمزيًا للشاب الغارق فى دوّامة «التريندات» ووسائل التواصل الاجتماعى. وعند تأمل مشهدى البداية والنهاية، نلحظ تحوّل الممثلين إلى تماثيل جامدة، بينما يتصدر المشهد، أمام الهرم، الشاب القتيل الذى تمسّك بالعادات والمعتقدات، فى مفارقة دلالية تكشف صراع القيم بين الثبات والتبدل، وبين الجذور والسطحية الرقمية.
ومع تطوّر العرض، ينقسم هذا الهرم ليعود السُّلَّمان إلى وظيفتهما المتحوّلة؛ ففى مشاهد بعينها يقف الممثلون عليهما ليشكّلا فضاء المنزل، وفى مشاهد أخرى يتحوّلان إلى دولاب تُبدِّل الشخصيات داخله ملابسها، أو إلى جزء من شارع فى القرية. هكذا لا يظل الديكور عنصرًا ثابتًا، بل يتحوّل فى كل مشهد إلى بنية دلالية جديدة، تُعيد تشكيل الفضاء المسرحى وفقًا للحظة الدرامية، كما استخدام السلم كمنصة حفلة، فكل لحظة يتحرك فيها السلمان يصبح جزءًا من المشهد، وصولًا بأنه استطاع السينوغرافيا توظيف لحظة خروج الروح إلى الجنة تكريمًا لضحية.

الجسد والسلطة: العنف ضد المرأة وازدواجية المعايير
أسقط العرض المسرحى قضيته على العنف ضد المرأة؛ فعندما تقع المرأة فيما يُسمّى «الخطيئة»، تُترك لتدفع الثمن بمفردها، وصولًا إلى قتلها هى ذاتها، فى إدانة صريحة لازدواجية المعايير داخل البنية المجتمعية. إلى جانب ذلك، تظهر شخصية الجدة فى حالة خطابية مباشرة موجّهة إلى الجمهور، تسرد من خلالها ما آلت إليه أوضاع المرأة فى مصر مع نهاية القرن العشرين وبدايات القرن الحادى والعشرين، حين صعدت بعض التيارات التى دفعت عددًا من النساء إلى النظر إلى ذواتهن بوصفهن «عورة»، يجب سترها بالسواد الكامل من الرأس حتى القدمين. وقد أسفر ذلك عن تشكّل حالة من التطرف الفكرى والمجتمعى، انعكست آثارها بوضوح على موقع المرأة وحضورها فى الفضاء العام.

المخدرات كعرض لا كقضية: تسريع الانهيار
ما أوضح العرض المسرحى «آخر ظلال الأرض» النتائج المترتبة على تعاطى المخدرات، بوصفها أحد مظاهر الانهيار الفردى والاجتماعى، حيث لم يقدّم الظاهرة فى إطار وعظى مباشر، بل عالجها ضمن سياق درامى يكشف أثرها المتراكم على وعى الشخصيات وسلوكها وعلاقاتها بالآخرين. فقد ظهر التعاطى كعامل مُسرِّع لفقدان السيطرة، وتآكل المسئولية، وانكسار الروابط الإنسانية، بما ينعكس على العنف، والتشتت، والاغتراب عن الذات والمجتمع.

فلسطين كجرح مفتوح: السياسة داخل النسيج الدرامى
كما ساهم العرض بوضوح فى إبراز أهمية الاهتمام بالقضية الفلسطينية بالنسبة للوطن العربى، بوصفها قضية مركزية لا تنفصل عن الوعى الجمعى والضمير الإنسانى، حيث جاءت الإشارات إليها داخل السياق الدرامى باعتبارها رمزًا ممتدًا لمعاناة الشعب الواقع تحت القهر والاحتلال، بل كجرح تاريخى مفتوح يعكس اختلال ميزان العدالة وصمت العالم، مؤكدًا أن تجاهلها يعنى القبول باستمرار الظلم وتفكك المعنى الأخلاقى المشترك داخل المجتمعات العربية.
أشار العرض بشكل صريح منذ بداية العرض المسرحى إلى أهمية التمسك بالعادات والتقاليد المجتمعية، وذلك خلال المشهد الافتتاحى الذى استعاد ملامح الحياة اليومية داخل القرية، حيث بدت الطقوس الجماعية، ولغة الحوار، وأنماط العلاقات بين الشخصيات بوصفها مرجعية أخلاقية تحكم السلوك وتحدد الانتماء، وقد وظّف العرض هذه العادات لا باعتبارها مجرد مظاهر تراثية.


جهاد طه